| 

نجحت الصهيونية في بناء دولتها الحلم على أرض فلسطين، وعدا هذه الحقيقة يبقى تفرّعات. لا يسع النّادمين والمعايشين لهذه النكبة وأجيالها اللاحقة إلّا السؤال: "ماذا لو؟". إن الحقائق التاريخية لا تتبدّل ولا تتغيّر فقد صارت جزءًا من الماضي، وهذا السؤال النّابع من يأس التغيير ما هو إلا علامات الندم والفقدان، وأي محاولة لإسقاط أفكار اليوم على أحداث الأمس هي محاولة خاطئة ومُجحفة بحق اليوم وبحق الأمس يتوجّب الوقوف عندها.
ماذا لو تنبّه الفلسطينيون والعرب لمطامع الصهيونية الحقيقية في بناء دولة على أرض فلسطين؟ في الحقيقة، استشعر العرب خطر الصهيونية قبل قيام "الدولة" إلّا أن هذا الاستشعار لم يكن كافيًا لتغيير الواقع، فكانت القوة والذكاء في الجانب الآخر أقوى وأكبر.


لمحة تاريخية

يتّفق المؤرخون للقضية الفلسطينية على أن الصراع العربي الصهيوني أخذ طابع العداء فقط بعد الهجرة الصهيونية الأولى إلى فلسطين في العام 1882 والاحتكاك المباشر. الحديث عن هذا الصراع كعربيّ - صهيونيّ يصب في جزئية فلسطين منه، فالفلسطينية بمفهومها الوطني لم تكن متبلورة إلى حد تصنيفها، وكانت جزءًا من "الشعور القومي العربي"، ونشوء هذا الشعور لم يرافقه شعور بالكره والنفور من الصهيونية. عن ذلك، تحدّث المؤرخ الفلسطيني عبد الوهاب الكيالي في كتاب "تاريخ فلسطين الحديث" مبيّنًا أن العداء تجاه اليهود بدأ بعد الهجرة الأولى التي أخذت طابعًا وجوديًا استيطانيًا استعماريًا، بعدما كان طابعًا دينيًا هادفًا لمعايشة سكان الأرض المحليين. وقد شكّلت تصرّفات اليهود الوافدين استفزازًا للعرب في فلسطين، بتملّكهم الأراضي، وتحديداً استملاكهم الأراضي الزراعية من العرب. وكانت سياسة استملاك الأراضي بشقّيها المادي والمعنوي الحجر الأساس في تقويم الحركة الصهيونية وتدعيمها وتثبيتها في أرض فلسطين.
حاول العرب الفلسطينيون التصدّي لهاتين السياستين (استملاك الأراضي والهجرات)، فما كان من وجهاء القدس في العام 1891 إلا تقديم عريضة لرئيس الوزراء العثماني طالبوا فيها بأمرين، الأول منع الهجرة اليهودية، والثاني تحريم اليهود من استملاك أراضي العرب في فلسطين. وكان المطلبان يعبّران عن مفهوم حركي وطني موحّد، وهذه الحركية هي التي بدأت تتشكل بعد الاصطدام المباشر الأول مع اليهود (1886)، وكامتدادٍ للشعور العربي المبكر الذي فهم طبيعة الفكر الصهيوني بأهدافه وأبعاده.

محاولات التصدّي

لم تكن الحركة الصهيونية منظمة شاملة قبل ظهور تيودور هرتسل الذي تمكّن من عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل العام 1897، وكان المؤتمر بادئة التنظيم والتدبير، وشكّل الخطة الواضحة التي بنت عليها الحركة. نجح هرتسل بحسب الكيالي، في ترتيب وخلق الإطار التنظيمي للحركة الصهيونية وبذل جهود لكسب رعاية الدول الكبرى وعلاقاتها. أثّر انعقاد المؤتمر في نفوس العرب الذين حاربوا المدّ الصهيوني (دون صدام) في بادئ الأمر، ففهموا أهمّية المعركة الاقتصادية بما يخصّ استملاك الأراضي فقد كانت نسبة لا بأس بها من أصحاب الأراضي ترى مصلحة لها في بيع الأرض مقابل مبالغ طائلة يقدمها المستثمرون الصهاينة. تأسست العديد من الجمعيات والمؤسسات الوطنية التي هدفت إلى نشر التوعية وتقوية الصناعة الوطنية العام 1914، ونذكر من هذه الجمعيات: الجمعية الخيرية الإسلامية، جمعية الإخاء والعفاف، شركة الاقتصاد الفلسطيني العربي، شركة التجارة الوطنية الاقتصادية. ومن أسماء هذه الجمعيات أو المؤسسات، يمكن تبيّن ما يلي: 1- أهميّة دينية إسلامية للقضية وللأرض (فلسطين) عند السكان والمعارضين للصهيونية. 2- أهميّة الدّور العربي في الدفاع عن فلسطين والمقدّسات والأرض. 3- أهميّة الاقتصاد كلاعب أساس في الصراع، لكون الاستعمار الصهيوني يرتكز على التملّك وشراء الأراضي واستثمار رؤوس الأموال فيها، ما دفع المعارضة إلى أن تكون بالأسلوب نفسه ولتقوية الاقتصاد الوطني بعدما أضرته الممارسات الصهيونية.
وفي موضع الوعي تجاه المطامع الصهيونية، لا بد من الوقوف عند شهادة بعض الفلّاحين الذي دوّنها ألبرت عنتيبي، وهو المعتمد الرسمي للجمعية الاستعمارية اليهودية. وهي شهادة من شاب عربي سئل عن رأيه في الوضع الرّاهن آنذاك فأجاب: «سوفَ نبذل كل ما لدينا حتى القطرة الأخيرة من دمنا لنحول دونَ استيلاء غير المسلمين على الحرم الشريف».
تتضح من هذه الشهادة، النزعة الوطنية الملبّسة بالنزعة الدينية، ما يدلّ على أن العرب في فلسطين كانوا مدركين للمخاطر التي ستكون في حالة استمرار اليهود في استملاك الأراضي والهجرة. وقد شعر العرب في فلسطين والعرب خارج فلسطين بالخطر على المقدّسات وعلى التراث الإسلامي خاصة في مدينة القدس.

عبد الله مخلّص

في إحدى المحاضرات، قدّم محاضر في قسم تاريخ الشرق الاوسط جامعة حيفا - البروفيسور محمود يزبك شرحًا عن الصحافة والمجلّات الفلسطينية والعربية، التي حاكت آراء العديد من المفكرين العرب في الصهيونية وأبعادها. أتوقف عند مقال لعبد الله مخلص وهو من مواليد عينتاب لعائلة تركية يمنية الأصل (1878) كُتِب في تاريخ 15 آذار سنة 1910 في جريدة "المقتبس"، صحيفة أسّسها محمد كرد علي في دمشق العام 1908، وكانت البلاد تحت الحكم العثماني الذي بدأت بوادر زواله تتوضح، فلم يكن السلطان آنذاك محمد الخامس إلا شكليًا، حاكمًا غيرَ متحكمٍ في البلاد.
يفتتح عبد الله مخلص مقاله بالحديث عن التحول الذي صارَ بعد إعلان الدستور، ويشرح كيف قدمت العائلات الإسرائيلية من خارج البلاد فور إعلان الدستور الجديد (1908)، واصفًا بأنها تأتي إلى فلسطين بكثرة وبوتيرة كبيرة. وقد كان التوافد جزءًا من الهجرة اليهودية الثانية (1904-1914) والتي أثرت كثيرًا في البلاد، وكانت نتيجة لتبلور فكرة اللاسامية في أوروبا والمجازر بحق اليهود في روسيا. وقد اتسمت الهجرة بنوعية المهاجرين، حيث ضمّت الكثير من أصحاب رؤوس الأموال، ما يفسر حديث عبد الله مخلص عن الاستئثار والتحكم بتجارة البلاد وصناعتها، حتى أن المهاجرين أخذوا العديد من فرص العمل كانت تشغّل المقيمين في البلاد آنذاك، ما قد يشير إلى ارتفاع نسبة بطالة معيّنة محليًا عند قدوم العائلات الإسرائيلية الأجنبية.
ينتقل عبد الله مخلص للحديث عن وضع الفلسطيني أثناء ما تحدّث به، حيث كان الفلسطيني قصير النظر حسب وصفه، فهو لا يدرك خطورة ما تقوم به هذه العوائل، والفلسطيني يجهل ما تخبئ له الأيام، ويجهل ما الذي يمكن أن يحدث له. وقال مخلص إن الفلسطيني بعدَما كانَ سيدًا في الأرض، أي بعدما كان ملّاكًا فيها، سيصبح بعد هذه الإجراءات عبدًا عند الأسياد الجدد الذين تملّكوا الأراضي، ويشرح ذلك عن طريق البيع والشراء، ففي الوقت الذي يبيع فيه الفلسطيني العقارَ أو الأرض بأرخص الأسعار كما ذكرنا أعلاه، سيكون سعرها قد تضاعفَ لما يريد شراءها من جديد، فلا يتمكن من استرجاعها، فيضطر للبحث عن عملٍ عند الملّاك الجديد الذي بدوره يرفض توظيفه، وبهذا يخسر البائع أرضه وعمله.
من هنا، يعبّر عبد الله مخلص عن خشيته من ضياع البلاد في أيدي الوافدين الجدد، ويخشى أن يصير الدّخيل أصيلًا، والأصيل دخيلًا، وأن يصبح الإسرائيلي من نواة البلاد وتركيبتها الأساسية ونسيجها، ويخشى من أن يخرج الفلسطينيون أفواجًا إلى دول أخرى وبلاد أخرى.

خاتمة تتحقق في 1948

لم يمكن ما قيل سابقًا بهدف العرض التاريخي أو المعلوماتي، إنّما كان تعبيرًا عن حالٍ ربّما كان غيرها من الأحوال قد غيّر أحوال يومنا. إذ رأيتُ أننا بحاجة لهذا السرد لمعرفة واقع الأمور والتنبّه لما هو آتٍ. لقد تنبه العرب والفلسطينيون لحقيقة المطامع الصهيونية، لكن هذا التنبّه لم يكن كافيًا لحفظ الأرض، فلم يرافقه تنظيم كتنظيم الحركة الصهيونية ولا دعم الدول الكبرى إنّما بقي هشًا يترنّح بين احتمالات التحدي وحتى الانقسامات الداخلية. لقد تخوّف عبد الله مخلص من مشهدٍ توقّعه في العام 1910، وهذا المشهد الذي تجاهله الكثيرون وحتى الغالبية العظمى، تحقق في العام 1948.