| 

"التشكيل" باعتباره فعل بناء وتكوين، يبدأ من حيث تتكون الأفكار في العقل. وفعل "التشكّل" (أي أن تأخذ الفكرة "شكلًا" ما، تعبيريًا) ليس محصورًا في التعابير وتقنياتها، من حيث أنها أجناس تشكيلية (رسم، نحت، وسائط صوتية، عرض أدائي، رواية، مسرح) بقدر ما تنبني قبلها في "الإدراك"، أي أن "التشكل" الأول للفكرة التعبيرية يكون بأن تدركها "الذات" الواعية. وبالتالي، فإن الفنون "التشكيلية" الفلسطينية، باعتبارها سردًا أو تدوينًا ذاتيًا لتحولات الذات وثباتها، تعدّ أداةً هامة في إعادة تشكيل فهم الذات الفلسطينية لنفسها، وعلاقتها بمحيطها والعالم.

يعيدنا هذا المبدأ إلى فقرة شهيرة للجاحظ في كتابه "البيان والتبيين"، يقول فيها: "المعاني القائمة في صدور العباد المتصورة في أذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة"، وإذا استعرنا لفظة الجاحظ "العباد" منه، واستخدمناها إشارة للـ"الجماعة الفلسطينية" مجازيًا باعتبارها "الذات"، فإن تلك الجماعة من حيث هي "جماعة مُتخيلة" تتحدد بذاكرة وهجرة محدّدتين تعملان على السعي للعودة للمكان والزمان الأوليّن. وبالتالي، يتشكل مفهوم ومعنى "الذات" والفكرة الفلسطينية المُعبَّر عنها.

"من هو الفلسطيني"
ليس غريباً أن تتميّز السرديّة التشكيلية الفلسطينية عن غيرها من السرديات الثقافية للشعوب الأخرى. فتلك الأخيرة تحيا في ذاكرتها الحيّة غير المتوقفة وغير المنفية، والذاكرة هاهنا هي مكانٌ وزمان، ولم تمرّ ككل بتجربة تهجير ٍ من الزمان والمكان (كأن يعبِّر فنان تشكيلي فرنسي بعملٍ فني عن الثورة الفرنسية 1789 في أحد معارض باريس (2014) كما هي حال "الجماعة الفلسطينية". أما السردّية التشكيلية الفلسطينية فتأتي كحركةٍ ثنائية الاتجاه بين ذاكرة التهجير الأولى ولحظتها الإدراكية المؤسِّسة في العام 1948، وبين أقاليم منفية أخرى أقامت فيها الذات وتأثرت وتشكلت فيها الذاكرة، وبالتالي الذات الفلسطينية. وتتميز هذه السردية أيضاً بعلاقة تأثّر وتأثير بالمكان والزمان الفلسطينيَّين السابقين، وبالقوة النافية منهما (الإحتلال/الإحلال).
ولعل انفتاح الذاكرة الفلسطينية في تعاقب الأزمنة والأجيال على أنواعٍ شتى من التهجير والهجرة، في الوطن ضمن النظام الاستعماري وفي المنفى ضمن منظومة "منفوية"، قد أعاد تشكيل هذه الذات بشكل مغاير تمامًا عما كانت لتكون عليه لو لم تُهجر. ما جعل تكوّن الفكرة وحضور هاجس "من هو الفلسطيني، وما الفكرة الفلسطينية" حملًا تعبيريًا وسرديًا ثقيلًا على عملية "التشكيل" الواعية.
لا يمكن تطبيق آليات وطرائق تصنيف الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر المتعارف عليها في "تاريخ الفنون" في الأنساق التشكيلية الأخرى، لأن عامل استقلال واستقرار مفهومي "الزمان" و"المكان" للـ"جماعة الفلسطينية" لم يتوفرا للحقل التشكيلي الفلسطيني، الذي هو حقل اجتماعي تاريخي/تأريخي. إذ يقول الفيلسوف البريطاني (المتصهين) صامويل ألكساندر أنْ: لا مكان بلا زمان، ولا زمن بلا مكان، وإذا تحققت إحدى الحالتين، فإنه "العدم"، أي أن "النظام الاستعماري في فلسطين هدم كل ما تملكه الجماعة الفلسطينية (...) بعبارة حداثية بامتياز، هكذا جرى إخراج الجماعة الفلسطينية إلى نطاق خارج ـ تاريخي، وبهذا لم تعد لديهم القدرة على القراءة/الكتابة الحداثيتين، بل أصبحوا "عراة"، بحسب الباحث الفلسطيني اسماعيل الناشف. فيقول الفنان إبراهيم النوباني: "أشعر بأن لا بيت لي، وهو شعور يخلق حالة من عدم الاستقرار، تشبه الحالة الفلسطينية برمتها، أن تكون مهجرًا أو ابنًا لعائلة مهجرة يعني أن تبقى مهجرًا".

أن تتلبّس جسداً لتكون
التشكيل كما الكتابة، يعطي جسمًا لفكرة ننسجها عن أنفسنا لنعرف ذاتنا ونفهم/نتخيل كيف يراها/يدركها العالم، وفيها نعشش. وبالتالي، وجب للفكرة لدى تعبيرها عن الذات الفلسطينية أن تتلبس جسداً، لتكون. "تشكيل" الذات، وإن كان سردية اعتداء عليها، إلا أنه حماية لها من الاعتداء ثانيةً. فمن خلال الجسد تتعرف الذات على موقعها "التشكيلي" في الزمان والمكان، فكما أن "الثور" في أعمال الفنان بيكاسو، وموضعه في العديد من أعماله الفنية ("مصرع المرأة الماتادور" ـ 1933، و"مينطور وفتاة" ـ 1934- 1935، و"تحولات ثور"- 1945 ـ 1946، وسلسلة أعمال حفر متعددة سُميت "فولار" ـ 1933، و"تأليف مع مينطور جريح" ـ 1937، و"حلم وأكذوبة فرانكو"- 1937، وغيرها الكثير) دلالة أيقونية عاكسة، وحمل تأويلي ينوء تحته الثور/الجسد، كما في حلبة الثيران تحت أنصال سيوف التاريخ، والثقافة، فهو شاهد على انتصار الإنسان في صراع البقاء ذلك، في مواجهة ثور تدرج من ألوهة الأديان القديمة إلى أن تسلّمها الإنسان الحداثي.
الثور تنويعات حوارية مرآوية وآخروية للإسباني في علاقته بذاته من جهة، وبتاريخه وإرثه الثقافي وواقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي من جهة اخرى، وما في ذلك من أنماط مواجهة وعلاقات إنتاج/إدراك للذات والآخر.

"الجسد الفلسطيني" كثور بيكاسو
لايختلف الأمر كثيرًا في ما يتعلق بأيقونة "الجسد الفلسطيني" في الخطاب التشكيلي/التعبيري الفلسطيني، فالجسد الفلسطيني يأتي كما الثور بالنسبة إلى الإسباني ("بيكاسو" تمثيلًا)، من حيث بنيويته في استقراء الخطاب الثقافي. إذ أن الجسد لا يسبح في الفضاء التشكيلي وحيدًا (أو مفككًا كخطاب ما بعد الحداثة)، بل هو جزء من نسق تشكيلي فلسطيني، يعتمد على مستويين من الخطاب: المستبطن والمباشر، تتناسج فيهما العناصر الثلاثة التالية:
1. الجسد، بنفسه ماديًا/حادثًا، وبرمزيته معنويًا/متجاوزًا.
2. الآخر، المُستعمر/الإسرائيلي/المحتل، وهو آخر الذات الفلسطينية.
3. المكان بتعدداته وانكساراته، بين وطن مستلب، وهو المكان الواقع تحت مباشرية الاحتلال/الإحلال الاستعماري، ومكانٍ منفي في الشتات، وهو المكان الفلسطيني غير الموجود.
إن التواشج بين هذه العناصر التشكيلية هو امتداد لفكرة الاستعمار/الاستيطان الإسرائيلي الحاكمة، والتي تتأسس على "احتلال" المكان، ثم "إفراغـ"ـه من "الجماعة المتخيلة" فيه (الفلسطينية)، ومن ثم "إحلال" جماعة أخرى فيه "الإسرائيلية"، تلك الفكرة التي تتشكل من خلالها الذات الفلسطينية، المحتلة.
فمثلًا، تقدم الفنانة الفلسطينية "رائدة أدون" (مواليد عكا 1973) في عملها "فساتين"، قراءة تشكيلية لمسرحية "فساتين" (محمد علي طه) التي عُرضت في مهرجان عكا 2011. فتعرض فساتين سوداء منتصبة بين جدران البيوت المهجورة في قرية لفتا في القدس، يرافقها صوت ريح تمرّ من خلال تلك الفساتين، فتُعري خواءها. وتظهر الفنانة بشخصية "عائشة" من المسرحية، لتروي حكايتها، إذ تعيش في المخيمات الفلسطينية في دمشق منذ العام 1948، وتشترط "عائشة" منح جسدها لعلاقة حبّ مع زوجها "أبو العبد" بعودتها إلى قريتها "السجرة" في فلسطين: "قام أبو العبد مكسور الخاطر، ومن يومها ما عاد قرّب مني ومرت السنين، وإحنا في الشام، جسمي برد ومات ماعدت أفكر فيه (...) وهيك مرت سنين ومات ابن عمي محروم مني ومن السجرة".

تشظّي ما بعد حداثيّ
في تنويعات أكثر ميلًا لما بعد الحداثة تشكيليًا (ظاهريًا على الأقل، وليس بنيويًا)، يتماثل الجسد الفلسطيني من حيث استهدافه إسرائيليًا تدريجيًا انتقالًا من محمد الدرة وصولًا إلى نموذج الحروب في غزة مع أعمال الفنانة الفلسطينية رنا بشارة (في الصورة رقم 1) حيث يختفي الجسد الوسيط ويحضر الجسد الرمز، محملًا بالمعنى والرمز معًا، من الظاهر إلى الباطن، وهو ما يذكرنا بحمولة المعنى في عمل الفنان الكوري/الأميركي نام جون بايك (1932 ـ 2006) - والذي يعد أبًا لفنون الفيديو آرت - "الإسكندر الأعظم" 1993 (في الصورة رقم 2)، وبالذات إذا وضع الجسد في سياقه الزمني للأحداث: محمد الدرة/الاعتداء(ات) الإسرائيلية على غزة مكانًا وجسدًا/ "الإسكندر الأعظم" (كما يمكن قراءة تلك السيرورة ضمن الهوس الحداثي بتفكيك الجسد والسيطرة عليه).
لعلّ تلك الصيرورة من التشظّي في العمل التشكيليّ الفلسطينيّ، هي من انعكاس التيار الما بعد حداثي العاملي في الفن، إلا أنه لم يغفل تمامًا أثر الجسد الفلسطيني في إنتاج المعنى، وأيضًا لا يمكن أن يكتسب المعنى هاهنا دلالته من دون الحضور المستبطن لآخر الفلسطينيّ، وهو الاحتلال والاستعمار (كما يتمثل ذلك في حضور آخر الإسكندر في عمل نام الثقيل تركيبيًا).
تلك التراكبية من حيث موقع الجسد، لم يختص بها الفن التشكيلي في صورته الفنية فقط، إنما امتدت لتراكيب تشكيلية أخرى، مسرحًا ورواية وأدبًا وشعرًا، كما في عرض "أرق" للمسرحي الفلسطيني "وسيم خير" مستفيدًا من تكيل الجسد والمكان "حيفا" لتأسيس المعنى، حيث يغدو الجسد والمكان، برغم تأسس فكرة المسرح على حضور الجسد في النص، معنى كاملًا متحدًا للفكرة لا يمكن فصلهما. وكذلك، تحضر هنا (بعض) أعمال فرقة "خشبة" المسرحية الفلسطينية. أما روائيًا فيغدو الجسد حاملًا للمعنى والقيمة (وطن/عمالة) برغم غيابه في نص رواية الكاتب الفلسطيني إياد البرغوثي "بُردقانة"، أو مؤسساً للحضور والغياب في رواية "سفر الاختفاء" لابتسام عازم، وغير ذلك الكثير.

"برزخ" بين المكان والذاكرة
الجسد لا يحضر من دون مكانه وزمانه وآخره، ولعل دلالة الجسد في الأعمال التشكيلية الفلسطينية بدايةً من أكثر التشكيليات الفلسطينية شيوعًا: من أعمال إسماعيل شموط وصولًا إلى التشكيليين المعاصرين من الشباب، يمثل المكان "برزخًا" (تسمية مستعارة من الباحث الفلسطيني إسماعيل ناشف) مراوحًا بين المكان الفلسطيني (الصورة الثالثة)، والذاكرة الفلسطينية، ليعيد تأمل ذاته. دراما لونية تعرّي المكان وشحنته العاطفية في واقع الفلسطيني المنزوع منه، وصولًا إلى استخدام مادة "الرماد" وما تحمله من ثقل معنوي إنسانيًا (مرتبط بالنار وحمولتها الثقافية والدينية) والنار (وحمولتها العسكرية، والإفنائية التدميرية) في أعمال الفنان الفلسطيني أسامة سعيد (الصورة الرابعة).
لا يغدو المكان هاهنا، متأسسًا حصرًا على مركزية الجسد فيه، وكأنه يمتد منه، فثمة أعمال تشكيلية فلسطينية معاصرة تُمأسس اللغة مكانًا، كعرض الفيديو للفنانة الفلسطينية منى حاطوم "قياسات المسافة" 1988، الذي تبني فيه اللغة المكان، أو "بانوراما" 360 درجة 2002 عن يافا لسامي بخاري. أو أن يغدو الجسد الفلسطيني "طرفيًا" عائمًا في المشهد التشكيلي، وفضاء المكان الفلسطيني كما في "راحة المقاتل" 2003 لأسد عزي (الصورة الخامسة)، في دلالة واضحة على اتساع فكرة المكان في تمثليها الاثنين: الوطن والمنفى.