| 

لم تعد المقاهي في غزّة مكاناً مُحتكراً من قبل الطبقة المُقتدرة من السكّان، والأجانب الذين يفدون إلى القطاع في زياراتٍ قصيرة. فبعدما كانت المدينة تؤوي عدداً محدوداً جداً من المقاهي في شوارعها الرئيسيّة، شهدت في الآونة الأخيرة قفزة نوعيّة في إنشاء المقاهي والأماكن الشعبيّة التي تجذب الشباب، ما دفع أغلب الناس إلى ارتياد هذه الأماكن للترويح عن أنفسهم في ظل الأزمات التي تعصف بهم منذ سنوات.

قبل فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزّة، لم يكن بمقدرة عامة سكّان غزّة ارتياد المقاهي الموجودة في المدينة لعدّة أسباب، أبرزها التكلفة الباهظة التي يتكبّدها مرتادو هذه الأماكن التي كان الغزّيون يعتبرونها حكراً على الأغنياء وميسوري الحال. لكن، بعد الحصار وتردّي الأوضاع المعيشيّة في غزّة، بدأ المستثمرون وبعض الشباب بإنشاء مقاه شعبيّة جديدة، أكثر تلبيّة لظروف الشباب المُرهقين من مشاكل الفقر والبطالة. ما أنعش سوق المقاهي، وأعاد بريقها.

الانصراف عن "القديم"
بالنظر إلى المقاهي في قطاع غزّة حالياً، نجد أن غالبيّتها أُنشأت حديثاً ـ بعد العام 2007- باستثناء بعض المقاهي القليلة التي كانت موجودة في السابق، أي قبل سيطرة "حركة حماس" على قطاع غزّة في صيف 2007. الشباب اليوم يُفضّلون ارتياد المقاهي الحديثة، وينفضّون عن المقاهي القديمة إذ تكوّنت لديهم عنها صورة ذهنيّة تفيد بأنها غالية الكلفة، رغم أن القائمين عليها يحاولون تخفيض الأسعار لجذب زبائن المقاهي الحديثة.
تعتبر المقاهي في غزّة ملتقى للترفيه والفكر والثقافة في آنٍ معاً، فنجد الشباب والمثقفين يتبادلون أطراف الحديث، يطرحون همومهم ومشاكلهم قبل أن يغادروا هذا المكان مُثقلين بها، لا سيما معاناتهم مع البطالة والحالة الاقتصادية المزرية في قطاع غزة. ينفخونها يومياً مع دخان النارجيلة، إذ باتت المقاهي الملاذ الوحيد في محاولة كسر الروتين اليومي الذي اعتادت عليه الحياة في قطاع غزّة، وتحديداً خلال ساعات انقطاع التيّار الكهربائي عن المنازل.
عند انقطاع هذا التيّار، ينصرف أغلب شباب الحيّ إلى أقرب مقهى إليهم. إذ يعمل أصحاب المقاهي على توفير الكهرباء وشبكة الانترنت على مدار الساعة في المقهى للزبائن. يدخّنون النارجيلة ويحتسون مشروبات غازيّة وأخرى دافئة، خاصة في فصل الشتاء. أما الخمور والمشروبات الروحيّة فلا تواجد لها نهائيّاً في مقاهي غزّة، وإنْ كانت تدخل بشكل مُقنن جداً لبعض الأشخاص عن طريق التهريب عبر الأنفاق التي تربط القطاع بمصر.
يتمسّك بعض المقاهي في القطاع بطقوسه المعهودة القديمة، لجهة استقبال كبار الشخصيّات والمسؤولين البارزين في القطاع، يعزف أغلب الشباب عن ارتيادها. فهي أشبه بالفنادق، لغلاء أسعارها أولاً، ولأجوائها التي لا تعنى باستقطاب شباب البلد.
هؤلاء، عادة ما يجتمع ثلاثة أصدقاء منهم أو أكثر عند الذهاب لمقهى في غزّة، ويقسمون الفاتورة في ما بينهم عند نهاية السهرة، فلا يتعدّى المبلغ الذي يدفعه كل شخص الثلاثة دولارات أميركية.
ويعمد بعض المقاهي إلى تخصيص أماكن للعائلات في المقهى ذاته الذي يرتاده الشبان، بحيث تشغلها النساء. ولكن، قبل عام ونصف العام تقريباً، منعت حكومة "حماس" السابقة النساء من تدخين النارجيلة في الأماكن العامة وعلى شاطئ البحر. لكن القرار لم يُنفّذ بصرامة، وما زالت بعض المقاهي حتى الآن تسمح بتدخين النارجيلة للنساء، لكن في أماكن مُغلقة مُخصصة للعائلات فقط.

في "كوفي شوب رابعة"، مثلاً
خلال الحرب الأخيرة على غزّة، لم تفتح المقاهي أبوابها مُطلقاً، خوفاً من استهداف تجمّعات الشباب، أو دخول أحد مطلوبي الاحتلال إليها وبالتالي استهداف المقهى. حتّى أن أحد المقاهي، واسمه "كوفي شوب رابعة"، قُصف من قبل الطائرات الإسرائيليّة وهو مُغلق، والراجح أنه أُستهدف لقربه من الحدود الشرقيّة الشماليّة لقطاع غزّة.
الشاب إبراهيم رابعة هو مدير "كوفي شوب رابعة"، الكائن في مُخيّم جباليا للاجئين شمال قطاع غزّة. ويعزو الإقبال الكبير للشباب على المقاهي في غزة إلى ارتفاع نسبة البطالة بين صفوف المتخرجين وتراكم الهموم والمشاكل على كاهل الشباب، ناهيك عن وجود الآلاف من موظفي السلطة الفلسطينية في غزة، التابعين لحكومة رام الله، يقبعون عاطلين عن ممارسة العمل، بفعل انقسام العام 2007. وهو يرى أن "الشباب يرغبون بالتواصل مع بعضهم البعض وقضاء أفضل الأوقات بعيداً عن أجواء العمل أو البيت المملة، فلا يجدون سوى المقاهي.. لذلك نحن نحرص على تخفيض الأسعار وتقديم أفضل الخدمات للزبائن".
يُشير رابعة إلى أن الإقبال على المقاهي يتأثر بالمواسم. فمثلاً، خلال مباريات الدورين الأسباني والأوروبي، تشهد المقاهي اكتظاظاً كبيراً لمشاهدة المباريات غير المُتاحة في أغلب البيوت الغزيّة مجاناً. وكذلك هي الحال خلال موسم الصيف والإجازات الجامعيّة، لافتاً إلى أن الشباب يفضّلون مشاهدة المباريات بصورة جماعية وسط الحشود.
إن ما يُميّز مقاهي غزّة كثرتها ومنافستها لبعضها البعض، وعرضها جميعاً لمباريات الدوري الإسباني مجاناً. ما يصبّ في مصلحة الشباب الرواد لها، حيث أن أسعارها، بنتيجة المنافسة، صارت في متناول الجميع، وهي متوفرة على مدار الساعة.
ويشرح أحد الشباب الذين التقتهم "السفير" في "كوفي شوب رابعة": "ارتيادي للمقهى ليس للترفيه وتدخين النارجيلة فحسب، أنا أعدّه بيتي ومكان عملي الثاني، خاصة عند انقطاع التيّار الكهربائي. وكثيراً ما أتناقش مع أصدقائي في القضايا المطروحة والأوضاع العامة في قطاع غزة، فجلساتنا هنا بمثابة ملتقى للترفيه والفكر في آن واحد".