| 

إلياس سحّاب، الكاتب والصحافي والناقد الفنّي، هو رجلٌ تعرفه بيروت والعالم العربي كلبناني الجنسية، فلسطينيّ الهوى، ووهّابي الموسيقى. وله في كلّ تعريفٍ من هذه التعريفات قصةٌ، وتاريخ.
ولد في يافا، وله فيها ذكريات. حنّ إليها طويلاً، وعمل من أجل التحرير. تركها وهو لا يزال في العاشرة من عمره، لكن السنين لم تقو على أن تمحو ولو الشيء البسيط منها في وعيه، وفي لاوعيه أيضاً. يقول إنه يحلم أحياناً بها.
تزوج في العام 1968 من ابنة خاله، سونيا زباني، وأنجبا ثلاثة أولاد هم: ندى، مروان وغسان.
مع فلسطينيّ الهوى ولبناني الهوية إلياس سحاب كان لـ"ملحق فلسطين" هذا اللقاء.

أجرى الحوار: نبيل المقدّم
• ما هي قصة تنقلات العائلة بين فلسطين ولبنان؟
ـ يعود أصل عائلتي إلى قرية "عرمون"، الواقعة في قضاء كسروان. لكن جدي انتقل للعيش في فلسطين في أواخر القرن التاسع، حيث استقر في يافا إلى أن توفي في العام 1930. ويخبرني والدي أن جدي كان دائماً يحنّ للعودة إلى لبنان، ولكن الظروف لم تسمح بذلك فعاش في فلسطين ودفن فيها. كان طبيعياً بعد وفاة جدي أن تستمر حياة عائلته في المكان الذي ولدت ونشأت فيه، فبقي والدي في يافا وتزوج من سيدة فلسطينية وأنجبا أربعة أولاد أنا أكبرهم إذ ولدت في العام 1937. بعد ذلك، جاء على التوالي أشقائي سليم وفيكتور وسمير. سمير هو الوحيد بيننا الذي ولد في بيروت، وكان ذلك في العام 1948.
ففي العام 1945، انتقل والدي إلى الأردن للعمل كمحاسب، فانتقلنا معه وعشنا في مدينة عمّان حتى العام 1947. خلال تلك الفترة، كنا ننتظر بفارغ الصبر إجازة الصيف كي نعود إلى يافا لملاقاة الأقرباء والأصدقاء. فلسطين كانت بالنسبة إلينا الوطن الأساسي، ولم تكن في ذهننا فكرة الاقامة في لبنان حتى العام 1947، حين قرر والدي الاستقالة من عمله في عمّان والعودة إلى يافا.. ولكن، في ذلك الحين، كان قد بدأ يتضح المشروع الدولي لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، تقوده بريطانيا. ونتيجة ذلك، بدأت الأوضاع الامنية تتوتر، وأصبحت جميع المدن الفلسطينية مكاناً غير آمن للعيش. بناء عليه، اتخذ والدي قراراً بإرسال عائلته إلى لبنان، وكان ذلك قبل عدة شهور من حلول النكبة في آيار 1948، وكنت أول الوافدين من عائلتي إلى هنا، وسكنت عند أقربائنا في منطقة المصيطبة، وكان لي من العمر عشر سنوات. بعد ذلك، جاء بقية أفراد العائلة واستقررنا في منزل في منطقة المصيطبة أيضاً.

إذاعتا "القدس" و"الشرق الأدنى"
• ما هي ذكرياتك من يافا؟
ـ يافا تعتبر من أجمل المدن الساحلية الفلسطينية، للذكريات فيها أكثر من محطة. لعل أبرز الصور التي بقيت في ذهني هي صورة مستودعٍ في المبنى الذي كنا نسكن فيه، كان جيش الانتداب البريطاني يستخدمه لتخزين الأسلحة. وتواجدت فرقة عسكرية بريطانية حول المبنى بشكل دائم ومعتاد، لحراسة المستودع. بحسّي الطفوليّ، تولّد عندي شعور بأن هؤلاء ليسوا من أهل الأرض فكنت دائم النفور منهم.
كما أذكر أيضاً إذاعتَي "القدس" و"الشرق الأدنى"، وكانت الاخيرة قريبة من منزلنا، ما أتاح لنا أن نستمع إلى بثها بوضوح. كنا نلتقط إرسال "إذاعة القاهرة" بصفاءٍ شديد أيضاً. كان لبث هذه الإذاعات الأثر الكبير على ذائقتي الموسيقية، وبدأ يتكوّن لديّ منذ ذلك الوقت اهتمام بالفن الإذاعي. فلقد كانت إذاعتا "الشرق الأدنى" و"القدس" تأتيان في المرتبة الثانية من حيث الأهمية بين الإذاعات العربية، بعد "إذاعة القاهرة". وكان يقصدهما كبار الفنانين المصريين والعرب، مثل محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وأسمهان لإقامة حفلات حية عبر أثيرهما. ومن الأسماء الفنية الكبيرة في ذلك الوقت التي كان يصدح صوتها الرخيم عبر "إذاعة القدس " المطربان اللبنانيان إيليا بيضة وصابر الصفح. وقد جاء في مذكرات الفنان الكبير محمد عبد المطلب أن نشأته الفنية الحقيقية كانت في "إذاعة القدس". وما زلت أذكر أيضاً ذاك المقهى على شاطئ البحر في مدينة يافا، كان ملتقى الفنانين والمثقفين. كنت أقصده برفقة عمّي، لأنبهر بمشاهدة كبار الفنانيين العرب جالسين فيه.
وكان والدي من عشاق الموسيقي العربية وكان يقتني مجموعة كبيرة من الاسطوانات العربية القديمة والحديثة التي تدار على الة فونوغراف جميلة الصوت، ومع ان هذه الاسطوانات كانت تنضمن اعمالا لسيد درويش والجيل الذي سبقة مثل "سيد المنيلاوي وعبد الحي حلمي وسلامة حجازي والجيل الذي تلاه مثل ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب فإن خياراتي المفضلة كما يروي لي والدي عن احداث تلك السنوات كانت دائما هي اغنيات محمد عبد الوهاب. اكرر طلب الاستماع اليها وألح بشكل دائم.
وبمناسبة عيد ميلادي الخامس، أقام والدي حفلة في منزلنا دعا إليها عدداً كبيراً من فناني "إذاعة الشرق الأدنى"، بينهم حليم الرومي، والد المطربة الكبيرة ماجدة الرومي. وكان نجم الحفلة عازف البزق الكبير محمد عبد الكريم. عبد الكريم كان في موقع الأستاذ لـ مطر محمد، أحد أهمّ عازفي البزق في القرن العشرين.

بيروت، في زمن النكبة
• كيف تذكر إحساس الانتقال إلى لبنان؟
ـ في البداية، لم أتقبل فكرة وجودي في لبنان بسهولة. كلما فكرت حينها بأنني لن أعود إلى يافا، كان يسكنني إحساسٌ فظيعٌ بالضيق. فقد كنت أشعر، في البداية، بأنني أعيش في غربة. وفي السنة الأولى هنا، كانت اللهجة اللبنانية بالنسبة إلي عصيّة على الفهم بعض الشيء. كما كان رفاقي في المدرسة يجدون صعوبة في فهم الكلام الذي كنت أنطق به، بلهجتي الفلسطينية. ولكن، مع الوقت، بدأت أتأقلم، وصارت لي لهجتان: اللهجة الفلسطينية التي ما زلت حتى اليوم أتكلم بها داخل المنزل مع أفراد عائلتي، واللهجة اللبنانية التي أستخدمها في التعاطي اليومي مع الناس خارجاً.
وقد لفتني، في تلك الفترة، احتضان أهل بيروت للنازحين الفلسطينيين، ومسارعتهم لتقديم كل مساعدة ممكنة لهم من دون أي شعور بالتفرقة. وكان لهذا المشهد أثر كبير في التخفيف من حدّة شعوري بالغربة.
ومع أن والدي عندما استقر في لبنان، استرد الجنسية اللبنانية، إلا أن رفافي في المدرسة استمروا بمعاملتي كفلسطيني وليس كلبناني. فكانوا في أحاديثهم معي يبدون تعاطفاً مع قضية فلسطين، ويدعون لي بالعودة السريعة إلى يافا. وفي تلك المرحلة أيضاً، اكتشفت موهبتي في كتابة الشعر، وكنت قد أصبحت في الخامسة عشرة من عمري، وكانت أولى قصائدي عن القضية الفلسطينية. ما زلت أذكر مطلعها القائل:
فلسطين مالي أراك ذبيحة / ومالي أرى اسمك لا يلمع
ومالي أرى القدس في مأتمٍ / وطير الربى نائم قابع
عندما بلغت الثامنة عشرة من عمري، بدأت أفكر بالطريقة الأنسب التي تمكّنني من خدمة القضية الفلسطينية. فتوصّلت إلى قرار بدراسة العلوم السياسية في الجامعة، لكن والدي اعترض، إذ كان قد بدأ ينوء تحت ثقل الأعباء المادية، فطلب مني بعد نيلي الشهادة الثانوية العامة الانتساب إلى مدرسة مهنية والتخصّص في مجال المحاسبة العامة كي يتسنى لي سريعاً الانخراط في سوق العمل ومساعدته في مصاريف العائلة. لم يكن أمامي مجال إلا الرضوخ لتمنّي الوالد. وبعدما نلت شهادة اختصاص في المحاسبة العامة، انتقلت الى العمل في أحد المصارف، قبل أن أحصل على وظيفة محاسب في "وكالة الأونروا". وعندما أصبح أشقائي قادرين على إعالة أنفسهم، قررت متابعة دراستي الجامعية.
استمررت في الوظيفة، وانتسبت إلى "الجامعة اليسوعية"، وحصلت على شهادتين: الأولى في العلوم السياسية، والثانية في الآداب. كان الدرس الأول لنا في صف العلوم السياسية عن "اتفاقية سايكس بيكو". هذا الدرس كان بالنسبة لي بمثابة صدمة وعي كبيرة ما زالت مستمرة حتى اليوم. إذ أدركت من خلالها مدى ارتباط هذا الاتفاق بالنكبة التي حلّت بفلسطين في العام 1948، والدور البشع الذي أداه البريطانيون في مساعدة الصهاينة في السيطرة على فلسطين.

"الحوادث".. وشفيق الحوت
• ولادتك في يافا قادتك "مجلة الحوادث". كيف حدث ذلك؟
ـ كان التوفيق بين الدراسة والعمل كمحاسب أمراً مرهقاً للغاية، ما جعلني أفكّر باحتراف الصحافة. في تموز العام 1961، تقدمت بطلب عمل الى مجلة "الحوادث"، ذكرت فيه مؤهلاتي الدراسية كما ذكرت أنني من مواليد يافا. صاحب "الحوادث" هو الصحافي الشهير سليم اللوزي، كان مدير تحريرها شفيق الحوت الذي أصبح لاحقاً مدير مكتب "منظمة التحرير الفلسطينية" في بيروت. كان شفيق الحوت من عائلة لبنانية بيروتية، انتقلت منذ زمن بعيد للسكن في فلسطين. وكان هو شخصياً من مواليد يافاً أيضاً. عندما وصله طلبي، طلبني للقاء وقال لي إن السبب الذي جعله يوافق على توظيفي ليس مؤهلاتي الدراسية، بل كوني من مواليد يافا. فشكرته وذكرته بأنني كنت، في وقت سابق، قد فزت في مسابقة خصصتها المجلة لقرائها حول أفضل اقتراح لتطوير أبواب المجلة.
بدأت العمل في المجلة كصحافي متمرّن، وكانت مدة التجربة ثلاثة أشهر مقابل راتب قدره مئة ليرة شهرياً. كان الأسبوع الأول مرهقاً للغاية، أوكلت خلاله إلي مواضيع في السياسية العربية والدولية، وفي النقد الموسيقي. كما ترجمت بضعة نصوص من الإنكليزية إلى العربية. وفي نهاية الأسبوع الأول من العمل، أبلغني شفيق الحوت بأن فترة التجربة قد انتهت، ويمكنني اعتبار نفسي منذ هذه اللحظة محرراً ثابتاً في المجلة، مع زيادة في الراتب. كان ذلك النهار نهاراً تاريخياً بالنسبة إلى عملي كصحافي، ما زلت أذكر تفاصيله حتى اليوم.
توظفت في المجلة ككاتب في الشؤون السياسية العربية، ومن ضمنها الفلسطينية. ومع كل مقالة كنت أكتبها عن قضيتي فلسطين والوحدة العربية، كنت أشعر بحنو أبويّ كبير تجاهي من شفيق الحوت وسليم اللوزي. ولكن، مع انفراط دولة الوحدة بين مصر وسوريا في أيلول العام 1961، لم يبق لي ما أدافع عنه في كتاباتي سوى قضية فلسطين. في ذلك الوقت، كان منح الصلح من طاقم المجلة أيضاً، وكانت تجري بيننا نقاشات سياسية حادة. فأنا كنت أؤيد الوحدة، بينما منح الصلح كان ميالاً الى تأييد الانفصال، بحجة أن الأخطاء التي وقعت خلال هذه التجربة لا تشجع على استمرارها.
بعد هزيمة حزيران 1967، بدأت أشعر بأن مناخ القومية العربية بدأ ينحسر عن أجواء المجلة، وخاصة بعدما ترك شفيق الحوت العمل، وتسلّم إدارة مكتب "منظمة التحرير" في بيروت. تقدمت باستقالتي بسسب خلافات في الرأي بيني وبين سليم اللوزي حول هذا الموضوع.
• كيف وصلت إلى "مركز الأبحاث الفلسطينية"؟
ـ جاء انتقالي للعمل في "مركز الأبحاث الفلسطينية" الذي أسّسه الدكتور فايز صايغ بعد محطةٍ قصيرة في جريدة "المحرّر" لصاحبها هشام أبو ظهر. إذ استقلت منها بعد وقت قصير من وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، كوني لمست تراجع صاحب الجريدة عن الخطّ الناصريّ.
في "مركز الأبحاث الفلسطينية"، توليت مسؤولية مدير تحرير مجلة "شؤون فلسطينية" التي كانت تصدر شهرياً. ولكنني لم أكن أضع اسمي على المجلة إذ كانت التوترات الأمنية بين "منظمة التحرير" والأحزاب اليمينية قد بدأت بالظهور، وكان والداي قد انتقلا للسكن في منطقة عين الرمانة ذات الأغلبية المناصرة لحزبي "الكتائب" وا"لوطنيين الأحرار".
في "مركز الأبحاث"، وبالإضافة إلى المجلة، كنت أيضاً رئيس تحرير نشرة يومية تعنى برصد كل ما يصدر عن "إذاعة إسرائيل" الرسمية وإذاعة الجيش الإسرائيلي، ويتولى فريق من المترجمين نقلها من العبرية الى العربية، وكانت توزع في لبنان والعالم العربي. أذكر أن مراد غالب، وزير خارجية مصر في مستهل عهد الرئيس أنور السادات، كان يكرر أنه يبدأ نهاره المكتبي دائماً بالاطلاع على هذه النشرة.
بعد تركي العمل في "مركز الأبحاث"، بقيت على علاقة وثيقة بالدكتور أنيس الصايغ، شقيق فايز الصايغ. فاستدعاني وطلب مني الاسهام في مشروع الموسوعة الفلسطينية التي صدرت في ستة أجزاء. ولعلّي الوحيد الذي سمح له الدكتور أنيس بكتابة جرءين من أجزاء الموسوعة، هما: الفكر السياسي الفلسطيني بعد العام 1948، والموسيقى والغناء في فلسطين قبل العام 1948. لإنجاز الأخير، تعاونت مع شقيقي الموسيقار سليم سحاب. واستطعنا من خلال عملنا اثبات أن الفلكلور هو فلكلور واحد في كل بلدان المشرق العربي، وإن كان له تنويعات لبنانية أو فلسطينية أو أردنية أو شامية.
في عملي على الموسوعة الفلسطينية، استفدت من منهجية الدكتور أنيس الصايغ في البحث العلمي ودأبه، أكثر بكثير مما استفدت من أساتذتي في الجامعة.

حزر موسيقى عبد الوهاب، طفلاً!
• كانت لك علاقة خاصة ومميزة مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، أخبرنا عنها.
ـ هناك حادثة من طفولتي لطالما نقلها عني أبي: روى أنه كان يحرّك مؤشر الراديو بين محطة وأخرى بشيء من السرعة ذات مساء، فقلت له أن يعود بالمؤشر قليلاً إلى الوراء للاستماع إلى موسيقى يبدو إنها لعبد الوهاب. فسايرني والدي وعاد بالمؤشر، ليكتشف أنها فعلاً كانت معزوفة موسيقية لعبد الوهاب. ولكن، بعد ثوان من الاستماع، قلت لوالدي ملاحظاً: الموسيقى لعبد الوهاب ولكن العزف ليس لعبد الوهاب. لم يفهم والدي ملاحظتي وانتظر حتى نهاية المعزوفة، فإذا بالمذيع يقول: لقد استمعتم لمعزوفة لعبد الوهاب قدمتها لكم فرقة الإذاعة. فأدرك والدي المغزى من ملاحظتي.
في المرحلة الممتدة ما بين 10 و15 سنة، بدأ يزحف إلى تكويني الثقافي والنفسي والوجداني تمتّعي بالاستماع إلى أعمال خالدة لعبد الوهاب كانت تذاع حينها للمرة الأولى. ما حوّل علاقتي بالإذاعة إلى ما يشبه ارتياد دار أوبرا لحضور عمل فني كبير. هذه المشاعر ظلّت تنتقل معي من مدينة عربية إلى أخرى. وبينما أتنقل طفلاً مع والديّ، كانت "إذاعة القاهرة" تبني لي التواصل بين ما أتابعه من قديم وجديد محمد عبد الوهاب، فيمنحني شعوراً بأني لست غريباً في وطن واحد، وكان لذلك الأثر الأقوى في تعميق إحساسي المبكر بالانتماء إلى عروبتي.
لقائي الأول بعبد الوهاب، وجهاً لوجه، تم في العام 1958. آنذاك، كان عبد الوهاب يتردد بكثرة على بيروت، تمهيداً لاقترانه بالسيدة نهلة القدسي. فاتفقنا، شلّة من الشباب المعجب بعبد الوهاب، على أن نطلب موعداً للقائه في الفندق الذي كان ينزل فيه في بيروت. كان أملنا ضعيف بأن يلبي الموسيقار الكبير طلبنا، ولكن الطلب لدهشتنا حظي بالموافقة وتحدد الموعد في البهو العام للفندق. ومع أننا كنا خمسة من المعجبين، فقد كنت أشعر بأني المعجب الحقيقي بينهم بعبد الوهاب. فإعجابي كان متعلقاً بفنه وحده، وليس بنجوميته أو شهرته المدوية. وكنت حينها ما زلت أكتب الشعر ومعجباً بما اكتبه. فذهبت إلى الموعد المحدّد وأنا اتأبط ملفاً بلاستيكياً فيه نخبة من قصائدي كنت أحلم بأن تعلق واحدة منها بذهن عبد الوهاب، فيقرر تلحينها وغناءها.
أستعيد الآن تفاصيل اللقاء الأول، فأذكر انني وقعت منذ لحظة اللقاء الأولى في أسر مهابة شخصية عبد الوهاب، لدرجة أن معظم ما كنت أعددته للقاء تبخر من ذهني. ومع ذلك، تجرأت على تقديم ملفي الشعري إليه آملاً بأن يلقي عليه نظرة عندما تسمح له ظروفه. وأذكر أيضاً أنني سألته عن أغنيته القديمة: "ساعة ما بشوفك جنبي"، التي تم مسح تسجليها من "إذاعة القاهرة". أذكر أن ابتسامته العريضة انتشرت على وجهه عندي طرحي السؤال، مما أوحى لي بأنه كان معجباً بتلك الأغنية، التي - حسبما قال لي ـ مسح تسجيلها الأصلي بخطأ فني محض.
أعترف بأنني خرجت من هذا اللقاء الأول وظننته الأخير، إذ لم يكن في طبعي المتحفظ بعض الشيء ما يمكن أن يدفعني لتكرار طلب اللقاء. ولكن بعدها بثلاث سنوات، احترفت العمل الصحافي في "الحوادث"، ففتحت باباً واسعاً أمامي ليس للكتابة السياسية فقط بل لتحويل لقائي الأول اليتيم بعبد الوهاب إلى صداقة متينة وسلسلة حورات ممتعة مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب.

علاقة عمر مع النهر الخالد
• ستجمع هذه الحوارات في كتاب بعنوان "مع محمد عبد الوهاب". أخبرنا عن بعضها.
ـ بدأت ممارستي العمل الصحافي في صيف 1961 وتصادف مع أعياد ثورة 23 تموز، فوجدت نفسي اندفع لكتابة مقال حول الأناشيد الجديدة للمناسبة، وكانت تتمتع في الغالب بقيمة موسيقية كبيرة، بالإضافة الى قيمتها الوطنية. وكانت حصة عبد الوهاب في تلك المناسبة نشيده الجماعي الشهير "الجيل الصاعد".
لقائي الصحافي الأول بعبد الوهاب جاء بطريقة غير مباشرة، عبر متابعتي لأي عمل جديد يقدمه. لمّا وضع لحنه لقصيدة كامل الشنّاوي الشهيرة "لا تكذبي"، ظهرت الأغنية بتسجيلين مختلفين، واحد بصوت "نجاة الصغيرة" وثانٍ بصوت "عبد الحليم حافظ". فكتبت مقالاً أعلنت فيه تفضيلي لتسجيل نجاة الصغيرة، برغم الشهرة الكاسحة التي كان يتمتع بها عبد الحليم حافظ في ذلك الوقت. ثم حدث أن نزل إلى السوق تسجيل ثالث للأغنية بصوت عبد الوهاب، وبعزفٍ منفرد على عوده. أعجبت جداً بهذه التجربة، وحملت قلمي وكتبت مقالاً صريحاً يتضمن مقارنة مكشوفة بين التسجيلات الثلاثة. راق المقال لصاحب "الحوادث" سليم الوزي، فأوصله إلى محمد عبد الوهاب الذي كان يقضي إجازة في لندن. وبعد عدة أيام، فؤجئت برسالة تصلني من لندن، بخط يد الموسيقار الكبير، مكتوبة على ورق الفندق الذي كان ينزل فيه، يعبر فيها عن تقديره البالغ للمقال الذي كتبته عن أدائه لقصيدة "لا تكذبي".
وواحدة من أجمل الليالي التي جمعتني بالموسيقار، أتت يوم فوجئت بالأستاذ سليم اللوزي يسألني: "سنذهب الليلة في سهرة مع عبد الوهاب في منزل عاصي الرحباني وفيروز. هل يهمك أن تكون معنا؟". حضر تلك السهرة من أسرة "الحوادث": سليم اللوزي وشفيق الحوت والياس سحاب، وانضم إلينا شقيقي سليم وكان يومها في العشرين من عمره ويدرس الموسيقى في "المعهد الوطني اللبناني" قبل سفره للتخصص في قيادة الأوركسترا في موسكو.
كانت السهرة في غرفة الجلوس، حيث سادت الأحاديث الفنية بين عبد الوهاب من جهة وعاصي ومنصور الرحباني من جهة ثانية. طبعاً، لم يفوّت الأخوان رحباني هذه الفرصة من دون إسماع عبد الوهاب نماذج من إنتاجهم الأخير بصوت فيروز. وكنت محظوظاً في تلك الليلة كوني استمعت إلى أغنيات جديدة لم يسبق لأحد الاستماع إليها، أذكر منها أغنية "فايق علي". وكان عاصي، طوال الوقت، ينهال بالأسئلة على عبد الوهاب حول رأيه في هذا المقطع وتلك الجملة الموسيقية وهذا الأداء الجديد لفيروز، ... كانت هذه السهرة مدخلاً لعلاقة صداقة حميمة جمعتني بفيروز والأخوين رحباني، وكان لي شرف أن يستشيرني عاصي في ألحان وكلمات "زهرة المدائن" بصوت فيروز، قبل أن يستمع إليها أحد.
• ما رأيك في موضوع قيادة عبد الوهاب للأوركسترا التي عزفت نشيد مصر الجديد آنذاك، "بلادي بلادي" (سيد درويش)، للرئيس أنور السادات، عائداً من كامب ديفيد؟
ـ سألته عن الموضوع فلم يجبني. ولكني لمست من الحديث أنه كان مجبراً على ذلك.

عبد الوهاب ودرويش
• كنت تحلم بلقاء فني يجمع محمود دوريش ومحمد عبد الوهاب، وسعيت لتحقيقه. لماذا لم يتحقق التعاون؟
ـ صحيح هذا الكلام. ففي ذلك الوقت، كنت من أشد المعجبين بالنفس الجديد في شعر محمود درويش. ومن شدّة عشقي لألحان عبد الوهاب، سعيت إلى لقاء فني يجمع بين هذين الكبيرين. وعرضت على عبد الوهاب نماذج كثيرة من أشعار درويش، بينها قصيدته "بطاقة هوية". ولكن، كان عبد الوهاب "ينقز" من الشعراء أصحاب الميول اليسارية، مثل عبد الرحمن الأبنودي وصلاح جاهين ومحمود درويش وغيرهم، بغض النظر عن مستواهم الشعري.
في تلك الفترة، قرأت في مجلة "المصور" المصرية قصيدة عاطفية رائعة لمحمود درويش، فعرضتها على عبد الوهاب. أبدى إعجابه الشديد بها ورغبته بتحويلها إلى أغنية بصوت نجاة الصغيرة، فقلت في نفسي: أخيراً، هاهي امنيتي القديمة تتحقق! ولكن، مرّ وقت طويل، وانتقل درويش للإقامة في بيروت. وبعد زمالة عمل في مركز الأبحاث الفلسطينية، تحولت العلاقة بيننا إلى صداقة، لكن القصيدة المذكورة لم تظهر بألحان محمد عبد الوهاب. وعندما استفسرت من محمود درويش عن السبب، قال لي: "عرضت الأمر على عاصي الرحباني، فقال لي أن هذا وزن شعري صعب لا يمكن لعبد الوهاب تلحينه". فأجبته: ولكن عاصي الرحباني يعرف أكثر من غيره أن محمد عبد الوهاب هو المطوّر التاريخيّ لألحان القصيدة العربية، وأنه لم يترك طوال حياته الفنية بحراً شعرياً، سهلاً أو صعباً، إلا ولحّن فيه.