| 

لم يكن المسجد الأقصى بمعزل عن سياسات الاحتلال في المدينة، لكنه يتعرض راهناً لسابقة خطيرة من حيث تواتر اقتحامات المستوطنين، التي يشارك فيها مسؤولون إسرائيليون ونواب في الكنيسيت الإسرائيلي، يقودون جولات داخل المسجد الأقصى.

في العام 2003، بدأت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، ما جعل دار الافتاء الفلسطينية تنظم جولات للأشخاص الذين رابطوا داخل المسجد في العام 2004 من أجل التصدي لاقتحامات المستوطنين. وأصبح المرابطون والمصلون يتواجدون بشكل يومي ومكثف داخل المسجد الأقصى، ما حال دون تقدم المستوطنين وتجوّلهم بحرية في المسجد. فاتخذت السلطات الاسرائيلية حينها إجراءات جديدة بحق المصلين والمرابطين. وبسبب القيود المفروضة على الفلسطينيين في الضفّة، وعدم السماح إلا لأعداد قليلة منهم بالوصول إلى مدينة القدس، أقتصر الدفاع عن المسجد الأقصى على المقدسيين وفلسطينيي الداخل.

تهمة حمزة
تعرّض العديد من المصلين والمرابطين والموظفين في الأوقاف ودائرة الإعمار للاعتقال والضرب والإبعاد عن المسجد الأقصى، بسبب تواجدهم في المسجد وأداء الصلاة والدفاع عنه.
حمزة صغيّر هو شاب مقدسي اعتقل لهذا السبب، فيروي التجربة لـ"السفير": "قبل حوالي ثلاث سنوات، اعتقلت أنا ومجموعة صغيرة من الشبان المقدسيين. اعتقلت من منزلي في البلدة القديمة التي لا تبعد سوى 20 متراً عن المسجد الأقصى. بقينا ليوم واحد معتقلين، وفي اليوم التالي امتثلنا أمام قاض في المحكمة الإسرائيلية. لم تكن هناك أي تهمة تديننا، فقرر القاضي الافراج عنا. لكن ذلك لم يعجب الشرطة الاسرائيلية فقررت عرض ملفاتنا على قاضٍ عسكري، ولم تكن حينها التهم الموجهة لنا واضحة تحت حجة أن ملفات اعتقالنا سرية كالاعتقال الاداري، فلا يخبروننا ما هي التهم".
وأوضح صغيّر أنه صدر حكم يقضي بإبعادهم عن المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر. لكن، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، يتجدد حكم إبعادهم عن المسجد الأقصى. فقبل أسبوع من نهاية حكم إبعاده، يتسلم قرار إبعاد آخر. وهو ما يعني أن حمزة مبعد عن المسجد الأقصى منذ ثلاث سنوات، إلا أنه خالف القرار مرة واحدة، فاعتقل وأجبر على دفع غرامة مالية قدرها خمسة آلاف شيكل. وحول سبب إبعاده، يرى حمزة أن التهمة الوحيدة التي حوكم عليها هي تواجده المستمر وأداء الصلاة في المسجد الأقصى.
صغير كان من بين المبعدين الثلاثة الأوائل، الذين صدر قرار بإبعادهم عن المسجد الأقصى. ويوضح أنه في ذلك الوقت، لم يكن قرار الإبعاد سهلاً، لأن الشرطة الاسرائيلية كانت تحتاج إلى أدلة واضحة وتقارير تقدمها إلى قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، الذي بدوره يصدر قراراً عسكرياً لا يمكن الاعتراض عليه أو استئنافه. لكن، في الوقت الحالي، أعطيت هذه الصلاحية إلى قائد الشرطة، وأصبح مخوّلاً إبعاد أي شخص قد تعرض الشرطة الاسرائيلية اسمه عليه، حتى لو لم يكن هناك أدلة واضحة.
يشرح مدير المسجد الأقصى عمر الكسواني لـ"السفير" أن "عدد المبعدين عن المسجد الأقصى تجاوز المئة مواطن، وتتراوح فترات الإبعاد من شهر إلى ستة أشهر". بذلك، فإن الحكومة الاسرائيلية خالفت المواثيق الدولية والمعاهدات التي وقعتها مع الحكومة الأردنية والسلطة الفلسطينية حول الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى، وخالفت القوانين الدولية التي نص عليها القانون الدولي والمتعلقة بحماية الأماكن المقدّسة وعدم التعرّض لها وحرية العبادة.
وأوضح الكسواني أن هذه السياسات الإسرائيلية، سواء في الإبعاد أو تحديد أعمار المصلين والتحكّم بأبواب المسجد، "تكمن خطورتها في محاولة فرض واقع جديد وتفريغ المسجد الاقصى من المصلين، لإتاحة الفرصة أمام المتطرفين والمستوطنين لاقتحامه وتنفيذ المخطط الصهيوني بتقسيمه".

نساءٌ في المواجهة
تخضع النساء المقدسيات لسياسة الاعتقال والاعتداء والإبعاد ذاتها، عند مرابطتهن في الأقصى. عايدة الصيداوي مثلاً، هي سيدة مقدسية تقطن بالقرب من المسجد الأقصى، وهي إحدى المرابطات فيه. تعرضت عايدة للضرب المبرح والإبعاد عن المسجد. توضح لـ"السفير" تجربتها الراهنة: "في منتصف شهر تموز من العام الجاري، اقتحمت مجموعة من المستوطنين برفقة اليهودي المتطرف الحاخام يهودا غليك المسجد الأقصى، فتصديّنا له أنا ومجموعة من النساء المرابطات بالتكبير والتهليل. ساد التوتر في المسجد الأقصى، وبعد خروجهم عاد الوضع إلى ما هو عليه".
وتكمل الصيداوي: "عندما حلّ موعد عودتي إلى المنزل، هممت بمغادرة الأقصى. وعند خروجي من باب حطة وهو أحد أبواب المسجد، سحبني ضابط اسرائيلي وطرحني أرضاً، وبدأ بضربي ضرباً مبرحاً، ووضع حذاءه على رأسي وركلني عدة مرات، كما مزقوا جلبابي ونزعوه عني، ثم تم اعتقالي واقتيادي إلى مركز الشرطة - القشلة". بعدها، "تم نقلي إلى مركز المسكوبية للتحقيق وبقيت ليلة واحدة هناك، تم وضعوني في زنازين المجرمين الجنائيين، وتم إزالة كل ملابسي عني في مركز التحقيق. عندما بدأوا بالتحقيق معي، تم توجيه تهمة غريبة لي وهي أنني قمت بضرب المتطرف يهودا غليك، وهددت الشرطي الاسرائيلي بأنه اذا لم يرحل من المسجد الأقصى سأفجر المكان". وتساءلت الصيداوي: "كيف يوجهون تهمة كهذه لي وأنا مسلمة؟ كيف سأفجر مسجدي أولى القبلتين وثالث الحرمين؟ أي ديانة تمنع الاشخاص من الدخول إلى مسجد أو كنيسة أو معبد لأداء الصلاة؟".
صدر قرار بحق الصيداوي يقضي بإبعادها عن المسجد الأقصى من تاريخ 20/7/2014 إلى 19/10/2014، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تبعد فيها عن المسجد. فبين العامين 2012-2013، تم إبعادها عدة مرات، وتؤكد أنهم "مهما أبعدونا عن المسجد الأقصى سنبقى ندافع عنه بأرواحنا وأجسادنا".
وأشارت الصيداوي إلى أن الشرطة الإسرائيلية كثيراً ما تمنع المصلين من دخول المسجد الأقصى، خاصة في فترات الصباح. وهي الفترة التي يقتحم فيها المستوطنون المسجد، ما يدفعهم لأداء الصلاة خارجه عند بواباته تحدّياً لقرارات الاحتلال. وفي أحيان كثيرة، يتم احتجاز هوية الزائر أو المقدسي على بوابات المسجد.

أطفال "بيغلي دمهم"
أطفال القدس لم يكونوا بمعزلٍ عن سياسة الاعتقال والإبعاد. فالطفل عبد الكريم حدّاد (16 عاماً) هو واحد من عشرات الأطفال الذين أبعدوا عن المسجد الأقصى، وقد اعتقل بتهمة إلقاء الحجارة وزجاجات المولوتوف على رجال الشرطة، عندما كان متواجداً في محيط المسجد.
حدّاد روى لـ"السفير ما حدث معه: "في بداية شهر تشرين الأول، كان يوم جمعة عندما اقتحمت مجموعة من المستوطنين المسجد الأقصى. كنت متواجداً في المسجد آنذاك، وقمت كأي فلسطيني بالدفاع عن الأقصى. بعد أسبوع، داهمت الشرطة الإسرائيلية منزلي في البلدة القديمة، ولم أكن أتواجد بالمنزل حينها. سلمت الشرطة عائلتي قراراً موجهاً إلي من أجل مراجعة مخابراتها في القدس".
توجه حدّاد إلى مركز التحقيق ووجهت له تهمة إلقاء الحجارة وزجاجات الملوتوف على المستوطنين عند اقتحامهم المسجد الأقصى. نفى حداد التهمة الموجهة له، على الرغم من وجود صور له وهو يلقي الحجارة، إلا أنه بقي مصراً على موقفه الرافض لتلك التهمة.
احتجزت الشرطة الاسرائيلية حداد في مركز التحقيق لمدة يوم بهدف التحقيق معه. وفي اليوم التالي، تم عرضه على المحكمة الاسرائيلية التي بدورها أجلّت المحكمة يومين إضافيين لاستجواب حدّاد. ولكن، لحداد تجارب سابقة في التحقيق والأسر، إذ تم إبعاده عن المسجد الأقصى أربع مرات، وفي كل مرة، كان لا يعترف بالتهمة، وذلك تجنباً لسجنه عدة شهور، على الرغم من الصراخ والتوبيخ وأحياناً الضرب ليعترف، ما أجبر الشرطة الإسرائيلية الإفراج عنه وتسليمه قرار إبعاد عن المسجد الأقصى لمدة شهر، ينتهي في 11/11/2014.
وحول عدم مقدرة المقدسي على مخالفة القرار عندما يتم اقتحام الأقصى، كانت كلمات الطفل حدّاد كفيلة بالتعبير عن شعور المبعدين: "عندما يتم اقتحام الأقصى وأكون متواجداً في منزلي بالبلدة القديمة التي تعتبر خط الدفاع الأول عن المسجد الأقصى، وأرى المستوطنين يقتحمونه ولا أستطيع أن أحرك ساكناً، دمي بنحرق! نحن مستعدين أن نفدي المسجد الاقصى بأرواحنا، نقدم الغالي والرخيص لأجله، هذا أقصانا، إذا لم ندافع عنه من سيفعل؟".