| 

في ليلة سبت، كنا مجموعةً من الأصدقاء في برلين، نجلس في مقهى وبار يحمل اسم: "سينما كافيه"، في حيّ تملأ جدرانه الغرافيتي وملامح التاريخ التي لم تجفّ في برلين حتى يومنا هذا. كنا نغني أغاني من لبنان ومصر بالأساس، تارة زكي ناصيف وتارة سيد درويش، وأحياناً ننجح في غناء أغنية تونسية يحفظها معظم أفراد المجموعة الوافدة من بلدانٍ متنوعة، وليس فقط صديقتنا التونسية.

كان حضورنا لافتاً للأنظار، وسط أغلبيةٍ تتحدث الألمانية، لا لأننا نغني باللغة العربية فقط، مع اختلاف اللهجات، إنما لأننا لا نتقن إلا الغناء بصوت عالٍ. حين وصلنا إلى أغنية "حلوين من يومنا والله"، مرّت امرأة بقربنا صدفة، وسألتنا: "إنتو من مصر؟"، الوفد المصري في المجموعة أجابها: "آه.. بس مش كلنا". فسألت المرأة، التي عرفنا أنها مصرية مقيمة في برلين، مع ابتسامة تملأ وجهها: "مين من مصر طيّب؟". رفع المصريون أياديهم، بينما الآخرون يخبرونها: "أنا من فلسطين، أنا من المغرب، أنا من تونس..". دعوناها للجلوس معنا، فاستجابت فورًا، قائلةً لصديقتها الألمانية التي ترافقها: "هؤلاء من العالم العربي، ومنهم مصريون". جلست، فسألناها عن أغنية ترغب بسماعها. أجابت بالمصرية غير الممارسَة يوميًا: "أيّ حاجة لعمرو دياب". إلا أن أحد الأصدقاء المصريين قرّر أن نغني: "كلمة حلوة كلمتين/ حلوة يا بلدي".
على الرغم من اقتراب المشهد من "الكليشيه"، إلا أنه كان مؤثراً.
عن مشاهد كثيرة كهذه، حدثت وتحدث يومياً في بلاد غريبة، سنتحدث في هذا التقرير.

ممنوع في فلسطين

وصلتُ إلى برلين في الحادي والعشرين من أيلول/ سبتمبر الماضي، بعدما تم اختياري أنا و11 صحافياً/ة آخرين من العالم العربي لتدريبٍ حول الصحافة الثقافية. وهو برنامجٌ سنويّ يُقام للمرة الثالثة على التوالي. حين وصلنا، كانت مجموعة أخرى من المتدربين تنهي تدريباً حول الإدارة الثقافية كانت قد بدأته قبلنا بثلاثة أسابيع. مجموعة المدراء الثقافيين كانت أكبر من ناحية العدد، ولقاء المجموعتين ببعضهم البعض أضاف لهذه الرحلة الكثير، خارج السياق "التعليمي" للقاء: أفرادٌ جاؤوا من العالم العربي، ليلتقوا في "الغربة" بمن لا توجد فرصة فعلية للقائهم في أماكنهم الأولى.
في لقاء برلين، كنا أربعة فلسطينيين. أنا من الأراضي المحتلة في العام 1948، وزميلة صحافية من رام الله، وأخرى من القدس وزميل آخر من غزة.. لقاءٌ كان من المفترض أن يكون عاديًا وطبيعيًا، لكن الأمر الوحيد الذي فكّرنا به عند التلاقي هو أنه لا يمكن لأربعتنا أن نلتقي سويةً في فلسطين. ابنة رام الله لا يمكن لها الدخول إلى الأراضي المحتلة العام 1948 إلا مع تصريح، ولا يمكنها الدخول إلى غزّة أيضاً. ابنة القدس يمكنها الدخول إلى الضفة الغربية وأراضي الـ 48 ولا يمكن لها الدخول إلى غزّة. أنا لا يمكنني الدخول إلى غزّة، وابن غزّة لا يمكن له أن يدخل إلى أراضي الـ 48 والضفة الغربية. التعقيد لا ينتهي هُنا، إذ تنسحب الأزمة لتملي بأن احتمال لقائنا سويةً داخل بلد عربي واحد شبه مستحيل، فالتقينا في "الغربة" أيضًا.

سهرة في "الحمرا"

في واحد من أيام "الغربة" أيضاً، قررت صديقة فلسطينية (تقيم في برلين من أجل الدراسة) أن تنظم حفلة صغيرة في مقهى شهير اسمه "الحمرا"، وهو مقهى وبار ومطعم تملكه عائلة فلسطينية. اختارت صديقتي أن تكون الحفلة في قبو المكان، حيث وُضعت منصة ومعدات صوت، مهيأة لاستقبال الأغاني والآلات الموسيقية. في المكان، كُنا فلسطينيين، سوريين، مصريين، لبنانيين ويمنيين، زواراً ومقيمين ولاجئين. قسمٌ منا يعرف الآخرين، وقسم تعرّف إلى الآخرين في هذا اللقاء. وعلى الرغم من أن السهرة لم تكن تترك متسعاً للحديث، ولربما لم يكن للحديث أيّ داعٍ، فإن الأغاني التي غنّتها الصديقة اللبنانية برفقة الموسيقي السوري، كانت خير دليلٍ لمعرفة كم نشبه بعضنا البعض، وكم نحبّ الأغاني ذاتها، ونعرف أين تبدأ الأغنية وما هي اللازمة، ونعرف متى "ندندن" اللحن، إن نسي عازف العود مقطعًا ما منه..
ولنا البرنامج الموسيقي ذاته في السهرات. نعرف موعد أغنية "على بلد المحبوب ودّيني"، وموعد "أنا أتوب عن حبّك أنا"، وموعد "هدي يا بحر هدي"، و"عَ هدير البوسطة" و"شو هالإيام" و"الله يا مولانا" و"تحت الياسمينة"، وغيرها من الأغاني الجماعية التي سهرت معنا حتى ساعات الصباح في "حمرا" برلين.. وما من أمنية رافقت أغانينا، عدا عن سهرة كهذه، تجمعنا يومًا ما في "حمرا" بيروت.

رقص بلا بطاقات هوية

في الأسبوع الأول، كنا مجموعة كبيرة نبحث عن مكان نقضي فيه سهرة الجمعة، وبعد المشي طويلاً في شوارع منطقة "كروزبرغ"، المسماة بـ "برلين المحرّرة"، وجدنا نادياً ليليّاً لا نعرف عنه شيئًا، وكنا قد مللنا البحث عن مكان يتسع لنا جميعًا، ما قادنا إلى مدخل هذا النادي.
توجّهنا إلى مدخل النادي، حيث طابور طويل من المنتظرين للدخول، وكنا أنا واثنان من أصدقائي الفلسطينيين وصديقة مصرية وأخرى مغربية. وصلنا إلى الحارس، فطلب منا باللغة الإنكليزية بطاقات هوياتنا. لم يحمل أحد منا بطاقة هويته معه في جيبه. فجأة، أخرج الصديق الغزّي بطاقة عمله، وعندما مسكها الحارس، قال بالعربية: "من فلسطين!؟". فأجبناه بأطول "آآآه" في الدُنيا، نحن الفلسطينيين وغير الفلسطينيين. فأدخلنا وباقي المجموعة الكبيرة التي معنا إلى النادي، بلا بطاقات هُوية.. ورقصنا على أنغام أغاني التسعينيات الأجنبية، أغاني فترة طفولتنا جميعًا، الطفولة التي تشاركنا تفاصيلها، كل في ديرته، إلى حدٍ ما.

المدينة الفاضلة

نُظّمت سهرةٌ لوداع مجموعة من الأصدقاء العائدين إلى بلادهم، في مكانٍ استضاف فرقة تعزف ارتجالاً موسيقى الجاز. هناك، لاحظت أني أحبّ تعريف الناس على بعضها البعض، وأحبّ أن أعرفهم بأسمائهم وبالأماكن التي أتوا منها. الأمر نابع من أهمية المكان بالنسبة إلي، ومن معادلة الإنسان والمكان، وهو نابع أيضًا من السياق الذي أعيش فيه ويعيش فيه أهل بلدي في ظلّ الاستعمار المستمر منذ 66 عامًا، والحدود والحواجز وصعوبات السفر التي فرضها الاستعمار علينا.. والتي تفرضها أيضًا أنظمة العالم العربي على الشعوب، تلك التي تسهّل دخول حاملي جوازات السفر غير العربية إلى بلادها، وتصعّبها على بنات وأبناء الجيران.
في تلك السهرة، التقيت بأصدقاء ألتقي بهم دومًا في برلين، وآخرين تعرفت إليهم وآخرين جاؤوا بزيارة خاطفة.. فجأة، قلت لصديقة فلسطينية: "لوّ فتحت صفحتي بالفايسبوك، وعملت "تشيك إن" وعملت (تاغ) لكل أسماء الأصدقاء الموجودين هون، ما حدا رح يصدقني.. مش لا إشي، بس لأنه هذا "التشيك إن" هو مثل اليوتوبيا".

السفر بين اللهجات

من الموجع أن ترتبط فكرة "اليوتوبيا" بالأماكن الغريبة، على الرغم من السؤال الدائم: "كيف نعرّف الغربة؟". بالتأكيد كلٌّ منا يحمل تعريفه معه، وهناك مَن يلتقي بالغربة في أشدّ الأماكن دفئًا أيضًا. لكن الأمر المؤكد، على الأقل بالنسبة إليّ، فإن ما يتعلق بالتعريف ليس الغربة، وإنما الفضاءات التي فيها متسعٌ للحركة، والسفر بين مكانٍ وآخر. ما يمكن لمسه في كثير من الأحيان عبر لقاءاتٍ ببشر يتحدّثون لغتك بلهجاتٍ مختلفة، لا يمكن أن تسمعها تحت شباك بيتك ولا في بارك المفضل في حيفا.
الموجع أيضًا أن كلّ المشاهد الواردة أعلاه حقيقية، حصلت في مدينة تحتضن إحدى الغاليريهات التي استضافت معرضاً فنّياً كُتبت فيه جملة "غرباء في كلّ مكان" بلغات عديدة، وبالعربية. لكنها أيضاً مدينة من المدن التي، وبرغم غربتها وأشياء عديدة أخرى، منحتنا الشعور لفترة محددة ومؤقتة، في لقاءٍ جماعيّ بين أفراد من العالم العربي، في الشارع أو في بيت أو بالبار. أبلغتنا كيف يمكن للعالم أن يكون، لو لم تكن الأنظمة الاستعمارية وأعوانها.. وكيف يمكن لنا أن لا نكون غرباء، نحن الغرباء في أوطاننا حتى.