| 

هنالك سحرٌ ما، بمعناه الطقوسيّ، في وثيقة الاستقلال الإسرائيليّة الموقّعة في مساء الرّابع عشر من شهر أيّار، العام ١٩٤٨. طقسٌ كلاميّ أو شعوذة أو خطابٌ يتعرّف على شيء ما، ويتنكّر له، يفصل جسدًا ما عن أصله. يؤلّهه بصيغته الجديدة ويرتكز عليه في رؤيته لذاته. في وثيقة الاستقلال، وما يتبعها، فيتيشيّة لفكرة دولة إسرائيل المتجسّدة في الأرض وساكنيها، أو من دعاهم الموقّعون بـ"أبناء الشّعب العربي سكّان دولة إسرائيل". وفي الفيتيش ازدواجيّة، طبعًا.


تتحدّر كلمة الفيتيش (fetish) من البرتغاليّة (feitiço)، وتعني "الاشتغال بالسّحر" أو "الشّعوذة"، وقد طوّرها البرتغاليّون من الكلمة اللّاتينيّة (facticiu)، ومعناها "الصَّنيع" أو "المُختَلَق". بحسب وليام بييتز، الذي أجرى دراسة («إشكال الفيتيشيّة»، 1985) عن أصل الكلمة واستخدامها التاريخيّ، تعرّف التّجّار الأوروبيون على الفيتيش في غرب السّاحل الأفريقي في القرن السّادس عشر، وأطلقوا على الأجسام الصّغيرة المتداولة هناك تسمية "فيتيش". (وهنا، يذكّر بييتز بأنه من الصعب تأكيد نظريّته هذه بشكلٍ مطلق، كأيّ دراسة لأيّ أصلٍ آخر). يشي ذلك بأنّ الفيتش ولد في المساحة "عبر - الثقافيّة" الذي خلقها الاتّجار مع الآخر، مشكّلاً دمجًا ما بين عالمين مختلفين.

الفيتيشيّة في التّاريخ

الفيتيش (التّاريخي، المختلف عن التّعريفات الماركسيّة والفرويديانيّة له) هو جسمٌ معبود يرى فيه البعض قوّة متأصّلة قادرة على مساعدة مالكه بطريقةٍ ما. دمية الفودو المستخدمة في سحر الفودو، على سبيل المثال، تعتبر جسمًا فيتيشيًّا. تُغرز فيه الدّبابيس بانتظار تأثيرها المرغوب على الغير، مانحةً مالكها قوّة التّحكّم بمصيرٍ ما. وأطلق الأوروبيّون (الهولنديّون والبرتغاليّون، على الأخصّ) اسم الفيتيش على هذه الأجسام لتأكيد الفارق بينهم كشعب "متحضّر" وبين الإنسان "البدائي" وعاداته في القارّة الأفريقيّة. فعند الاتّجار، لاحظ التّاجر الأوروبّي اختلاق قيمة مغايرة لقيمة الاستعمال للجسم المعبود - الفيتيش - مقارنةً مع إمكانيّات استخدامه العمليّة. أي لاحظ عدم تناسب بين سعر الفيتيش العالي ("ترّهات" غير عقلانيّة بالنّسبّة إليه) وقيمة استعماله. فقد استمدّ الفيتيش قيمته هذه من أهمّيّته الشّخصيّة أو الاجتماعيّة أو الدّينيّة في غرب أفريقيا، وهي قيم لم تتماشَ مع مفهوم التّاجر الأوروبّي للسّوق حينها.
ويحدّد بييتز أربعة جوانب لفكرة الفيتيش. أوّلًا، جسديّة الفيتيش: "حقيقة الفيتيش تكمن في تجسيده الماديّ" لفكرةٍ ما. ثانيًا، اجتزاؤه من لقاء تاريخي بين حضارتين في سياقٍ استعماريّ: "قوّة الفيتيش تكمن في خاصّيّته الابتكاريّة في دمج عناصر مختلفة داخل هويّة جديدة. الفيتيش هو دومًا مركّب مُختَلَق". ثالثًا، ارتكاز الفيتيش على تركيبة اجتماعيّة محدّدة: الفيتيش يتبع "لحالة عبر - ثقافيّة خلقها اللّقاء المستمرّ بين منظومات من القيم التّابعة لنظامين اجتماعيّين مختلفين بجوهرهما". ورابعًا، اعتبار الفيتيش جزءًا لا يتجزّأ من شخصيّة وكيان مرتديه أو مستخدميه: "الفيتيش هو تجربة شخصيّة، تًخْتَبَر حقيقتها كتحرّك جوهري من "داخل" النّفس... إلى جسد محدّد "خارجها"".

الأرض وسكّانها كفيتيش الاستقلال

من الممكن تمييز جسمين من الفيتيش في وثيقة الاستقلال الإسرائيليّة. الأوّل هو الأرض الّتي عيّنتها الصّهيونيّة كموطن اليهود السياسيّ، والثّاني هو سكّان الأرض الأصليّون، الفلسطينيّون، امتداد سكّان بلاد الشّام، والّذين دعتهم الصّهيونيّة والوثيقة بـ"عرب إسرائيل". ويبدأ التّوجّه إلى الأرض كفيتيش في مطلع الوثيقة، فيحدّد كاتبوها قيمة المبادلة، أو القيمة الاجتماعيّة والدّينيّة والثّقافيّة لأرض فلسطين، مؤسّسين علاقة الشّعب اليهودي بها استنادًا على توراته. ("نشأ الشّعب اليهودي في أرض إسرائيل، وفيها تمّت صياغة شخصيّته الرّوحانيّة والدّينيّة والسّياسيّة، وفيها عاش حياة مستقلة في دولة ذات سيادة، وفيها أنتج ثرواته الثّقافيّة الوطنيّة والإنسانيّة العامّة وأورث العالم أجمع سفر الأسفار الخالد".) مطلع الوثيقة يجتزئ أرض فلسطين من امتدادها الجغرافيّ بهدف استعمارها، مرتكزًا على اللّقاء بين منظومتين من القيم (قيمة السّكّان الأصليّين في الحفاظ على الأرض وقيمة المستعمر في استغلال مواردها)، ويجعلها جزءًا من شخص عابديها (في أرض فلسطين يلتقي "داخل" الصّهيونيّة الأيديولوجي "بخارجها" الاستعماري).
في مطلع وثيقة الاستقلال، تصبح "أرض إسرائيل" نوعًا من الفيتيش، جسدًا معبودًا يستمدّ قيمته من فكرة الأرض وليس من واقعها. يستمدّ قيمته من قصصٍ عنها وليس عن طريق وجوده فيها. فعلاقة المستعمر بالأرض، في المراحل الأولى كما الحاليّة من الاستعمار، مختلفة، على مستويات عدّة، عن علاقة السّاكن الأصلي فيها. الأوّل يستند إلى فكرة الأرض في مخيّلته (وهي مغايرة لمخيّلة اللّاجئ بفهمها للأرض البعيدة عنه)، والثّاني يستند على واقعه وتجاربه المتوارثة مع الأرض على مدى السّنين والأجيال. فيجتزئ الأوّل الأرض من محيطها، ويحاول الثّاني الحفاظ عليها من هذا الاجتزاء. (وبطبيعة الحال، لا يقتصر الأوّل على اليهودي ولا الثّاني على الفلسطيني العربي. الاستعمار، الرّأسمالي وغيره، لا يقتصر على خلفيّة عرقيّة أو دينيّة واحدة).

الهوية الإسرائيلية، فجأة

ضمن سياق الرّوح الفيتيشيّة هذه ذاتها (تكاد تقترب لروح الدّعابة ببعد كلامها عن الواقع)، يطلق كاتبو الوثيقة على سكّان فلسطين بالعرب السّاكنين في دولة إسرائيل. ("إنّنا ندعو أبناء الشّعب العربي سكّان دولة إسرائيل - حتّى أثناء الحملات الدموية التي تُشنّ علينا منذ شهور - إلى المحافظة على السّلام والمشاركة ببناء الدّولة على أساس المساواة التّامّة في المواطنة والتّمثيل المناسب في جميع مؤسساتها المؤقّتة والدّائمة".). فجأةً، بحركة سحريّة واحدة، على طراز "غمّض عين وفتّح عين"، أصبح الفلسطيني، ساكن الأرض الأصلي، من سكّان دولة إسرائيل.
في هذا التّعريف أيضًا ممارسة للفيتيشيّة. ففي فرض الكلام على شريحة من الواقع (speech act) هنالك تجسيد واجتزاء واختلاق ودمج بين الدّاخل والخارج. هنالك تجسيد لفكرة إسرائيل في جسم السّكّان الأصليّين وكينونتهم (بمنحهم هويّة إسرائيليّة، فجأةً)، واجتزاءٌ لهم من محيطهم في سياق اللّقاء بينهم وبين مستعمريهم، واختلاق لهويّة مشتركة بين الفلسطيني ومستعمره (أصبحا يتشاركان في الجنسيّة الواحدة)، ومحاولة لدمج نظامين اجتماعيّين وثقافيّين مختلفين في جسد واحد (العربي والإسرائيلي).
هنالك أمثلة عدة تدلّ على ارتكاز المستعمر الإسرائيلي على فيتيش "عرب إسرائيل" لضمان استمراريّة وجوده "الدّيموقراطي". فيستخدم هذا الجسم، مثلًا، لتبييض وجهه من أعماله السّوداء أمام العالم "الدّيموقراطي"، في حركة سحريّة واحدة: "انظروا، العرب لدينا يستمتعون بما لا يستمتع به جيرانهم" وإلى آخره من الخدع البصريّة. وتصل بالمستعمر الفيتشيّة حدّ عبادة هذا الجسم على شاشات التّلفزيون، ولو أنّ هذه الشّاشات ملك شعبٍ آخر، ليس بصديق. فتتابع جريدة "هآرتس" الإسرائيليّة برنامج الـ"أراب آيدول" في ستوديوهات بيروت (والّتي تدعوها "هآرتس" في مقالٍ آخر بـ"تل أبيب العالم العربي") معنونةً أحد مقالاتها باسم البرنامج، قائلةً إنّ ""الأراب آيدول" المقبل قد يكون إسرائيليًّا". والعنوان يقصد المشتركَين منال موسى من دير الأسد وهيثم خلايلة من مجد الكروم، بلدتين في الجليل في شمال فلسطين، أو ما اجتزأته الوثيقة كـ"أرض إسرائيل". للمرّة الأولى، يشترك اثنان من "عرب الدّاخل" في البرنامج العربي.

"أراب آيدول"

بغضّ النّظر عن محتوى مقال ""الأراب آيدول" المقبل قد يكون إسرائيليًّا" وتفسير كاتبته (العربيّة - الإسرائيليّة؟) لإشكاليّات التْعامل الثّقافي ما بين "عرب إسرائيل" والعالم العربي، (وبغضّ النّظر عن الفيتيشيّة في كلمة "آيدول" - "المعبود") يبقى عنوان المقال تذكيرًا بـ"إسرائيليّة" معبوده (وفي حالة المقال، أصبح العابد والمعبود جسدًا واحدًا). هو لا يريد التّخلّي عن معبوده، وخاصّةً عند بريقه على الشّاشة. ففيتيشيّة الشّيء تكمن في مهابته أو الافتتان بقدراته بغضّ النّظر عن بساطة الأخيرة. فيتعجّب عندما يتقن معبوده العبريّة أو عندما يتفوّق في تعليمه أو عندما يبتعد عنه ويغنّي في برنامج كـ«أراب آيدول». إذ بالرّغم من القيمة الاستعماليّة المنخفضة لهذه الفعاليّات، تبقى القيمة الأيديولوجيّة لها (قيمة المبادلة) تدعو للافتتان والتأليه (ولو الكاذب). وبالطّبع، في أحيانٍ أخرى، يغضب المالك على فيتيشة ويخيّب ظنّه به، كما هي الحال عند مطالبته بحقوقه المتساوية أو تضامنه مع غيره من الشّعب المجتزأ. لكن، وبالرّغم من ذلك، المستعمر لا يتخلّى عنه (فكرةً وتجسّدًا).
ويفسّر بييتز ردود فعل صاحب الفيتيش المتناقضة، كالافتتان والتّقزّز، ويعزوها إلى ازدواجيّة هذا الجسم. فتكمن أهمّيّة الفيتيش، هذا الجسم التّاريخي، الشّيء أو الشّكل، في مكانته كقيمة معطاة داخل المنظومة اللاإنتاجيّة والأيديولوجيّة لمجتمعٍ ما. فالفيتيش يجمع بين قيمتين مختلفتين في جسدٍ واحد. هو لقاء لأفكار عدّة في جسدٍ واحد. والفيتيش، هذا الجسم المتجسّد (من فكرةٍ ما) والمحدّد (الّذي رسمت له حدوده) والمؤرّخ (المجتزأ من التّاريخ) هو أيضًا جسم مُشَخْصن. أي يحمل داخله المقدرة على الابتعاد عن وظيفته كجسم جماعيّ، ليستثير ردود فعل شخصيّة من الأفراد، بمعزل عن الجماعة. ويقول بييتز بأنّ ردّ الفعل الثّائر هذا تجاه الفيتيش لا يتوافق أبدًا مع منظومة القيم الاجتماعيّة الّتي منحته مكانته كمؤشّر (signifier) ملموس. وهنا تكمن قوّة الفيتيش، أو ربّما سحره. ففي اصطدام الفروقات مستحيل التّوافق (في اصطدام العروبة مع فكرة الإسرائيليّة في جسدٍ واحد، مثلًا)، قد ينجلي الفيتيش كمساحة للتشكيل والكشف عن أيديولوجيّات، جسدًا وفكرةً. وفي تصادم القيم، ينجلي الفيتيش كمكان مؤسّس لفهم الأخيرة على أنواعها، تبادليّة كانت أم استعماليّة.