| 

لا يحتاج الأمر إلى فحص "دي أن ايه" لتأكيد أبوة الغرب لحلّ الدولتين. مع ذلك، تهرّبت حكوماته من الضغط نحوه بجدية على إسرائيل، لمنعها من إماتته تشويهاً قبل الحديث عن تطبيقه. في الوقت ذاته، يكبر مشروع هذا الحلّ مشوهاً في السلطة الفلسطينية. بنت حكمها وأدامته بفضل تعميم الجدوى من أن الحل سيأتي، وسيقدّم منفعة أكيدة.

قضية الاعتراف الأوروبي المتأخر بالدولة الفلسطينية تأتي في قلب هذا النقاش. التلاقي السياسي بين الغرب والسلطة الفلسطينية جعله خياراً، يقبله البعض ويرفضه الآن آخرون. الأمر أقرب إلى خلافٍ داخليّ في بيتٍ زوجية، حيث يتفاوت التقدير حول حجم التهديد الذي تتعرض له الأم قبل الجنين.

"الدواعش" في كل مكان

على هامش مؤتمرٍ حول الأزمات الدولية عقد الشهر الماضي، هنالك من وضع التهديد في مستوى غير مسبوق. في دردشة جانبية، قال مدير مركز "أبحاث" المعني بالشأن الفلسطيني إن محاولة تقسيم المسجد الأقصى تهدد في الصميم النخبة السياسية الفلسطينية. رأى أن تقدّم سياسات اليمين الإسرائيلي هذه، ستجعل الفلسطينيين يصطدمون مرة واحدة بقعر اليأس: "حينها، لن يبقى غير الدواعش. سيستغلون الفرصة ويقولون للفلسطينيين: ها أنتم ترون، لا حلّ ولا أمل أمامكم غيرنا".
تحدثت "السفير" إلى سياسي أوروبي منخرط في نقاشات قضية الاعتراف (فضل عدم كشف هويته)، فأكد أن دعم السلطة الفلسطينية هو أحد أهم محرّكات الأوروبيين. لم يذكر تهديد "داعش" بالاسم، لكنه قال إن "التاريخ يقول لنا إن التطرف يجر التطرف. الاسرائيليون والفلسلطينيون هم بشر في النهاية، وازدياد جنوح اسرائيل نحو اليمين له رد فعل على الجانب الآخر".
السويد لم تخف أن دعم السلطة الفلسطينية هو أحد أهدافها من الاعتراف. مسؤول كبير في الخارجية السويدية قال لنا حين أعلنوا مبادراتهم إن أحد أهم أهدافها هو "دعم القيادة الفلسطينية المعتدلة المهتمة بالتفاوض حول حلّ الدولتين"، مضيفاً: "ونريد تقوية الفلسطينيين عبر جعلهم شريكاً على قدم المساواة في تلك العملية".
لكن مصلحة الغرب لم تحد عن مداراة السلطة الفلسطينية، رغم هامش التهرّب الكبير. فهي تبقى الحامل السياسي لحلّ الدولتين. في هذا الفلك، تستمر في الدوران تقارير مراكز الأبحاث الغربية. "تقوية المفاوض الفلسطيني" شكلت محور تقرير نشرته الشهر الماضي "مجموعة الأزمات الدولية"، وهي مؤسسة بحثية معروفة مقرها بروكسل.
خبراء المجموعة عرضوا واقع قضية اللاجئين، مركزين على تهديده للسلطة الفلسطينية. قالوا إن "الفجوة التي تزداد اتساعاً بين النخب السياسية واللاجئين تنذر بدرجة أكبر من عدم الاستقرار، خصوصاً إذا استولى اللاجئون أو أنصارهم، إذا يئسوا من العملية الدبلوماسية، على المبادرة السياسية". يقولون ان "تهميشهم داخل المجتمعات المضيفة لم يترك لهم خياراً سوى تخيّل العودة إلى بيوتهم السابقة في إسرائيل".
النصائح التي قدمها التقرير أدرجها في هذه الخلاصة: "ينبغي أن يستفاد من التعليق الراهن للمفاوضات كفرصة لإعادة هيكلة الحركة الوطنية الفلسطينية على أساس التمثيل الحقيقي والشامل"، بما في ذلك تجديد قيادات المخيمات عبر الانتخاب. وشدد على أن هذا الأمر يعد "حاسما للتوصل إلى اتفاق بشأن حل الدولتين".
وقرع التقرير جرس الإنذار بين خبراء "الأزمات الدولية" بالقول: "بالنظر إلى الفجوة القائمة بين المواقف التفاوضية الخاصة لمنظمة التحرير الفلسطينية والرأي العام، فإن تقديم تنازلات في قضية اللاجئين، من دون حشد الدعم الشعبي، من شأنه أن يشكّل ضربة قاضية لمصداقية القيادة الضعيفة أصلا".

الغرب "مرعوب".. وسئم من الدفع

رغم الانشغال بالانتفاضات العربية على الديكتاتوريات الحاكمة، كان القلق الأوروبي في أوجه على مصير الشريك الفلسطيني، وقد تسرّب ذلك في مناسبات عديدة. في آذار 2012، كانت لجنة المانحين للسلطة الفلسطينية، أي أوكسيجين السلطة المالي، تعقد اجتماعا في بروكسل. ديبلوماسي حضر الاجتماع، قال لنا بعد خروجه إن الغرب "بات مرعوباً الآن على السطلة الفلسطينية، لأن البديل عنها سيكون إما "حماس" أو الاسلاميين الأصوليين. هذا سيناريو كارثي بالنسبة إليهم".
مصير السلطة مرتبط بمصير حلّ الدولتين، وهو مشروعها السياسي الوحيد. تبنته حتى قبل سنوات من توقيع اتفاقية "أوسلو" (1993)، التي جعلت مسار الدولتين الوجهة الوحيدة لمفاوضات السلام. خلال السنوات التالية للاتفاقية، أنشأ الغرب، مع دول عربية، نظام إعاشة لما بات يعرف بالسلطة الفلسطينية. تشكلت لجنة المانحين الدوليين، وتكررت اجتماعاتها لتلبية حاجات التمويل.
مضت مهلة الخمس سنوات التي وضعتها "أوسلو" كفترة انتقالية للوصول إلى تسوية دائمة والانتقال بسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني إلى سلطة دولة. ثم مضى أكثر من عقدين على المنوال الاسرائيلي ذاته: مزيد من الاحتلال، العدوان، الاستيطان.. كلها جرائم وانتهاكات بعين القانون الدولي.
خلال تلك السنوات، صار المانحون يضعون لتمويلهم عنوان "دعم بناء المؤسسات الفلسطينية"، وفق منطق أن الدولة آتية، ويجب أن يكون لديها مؤسساتها التي تنهض بها. في السنوات الأخيرة، صارت علامات نفاد الصبر تظهر بوضوح. أصوات من داخل الدول المانحة قالت إن المؤسسات الفلسطينية صارت جاهزة، بل أفضل من مؤسسات دول كاملة العضوية في الأمم المتحدة.
في تشرين الثاني من العام الماضي، كان لـ"السفير" حديث عن ذلك مع ايسبن بارث إيد، الذي كان قد غادر للتو منصبه كوزير لخارجية النروج ورئيس للجنة المانحين لفلسطين. قال حينها إن المانحين الدوليين "سئموا من الدفع سنة بعد أخرى لقضية لا تتحرك".
مجمل هذا النقاش شكّل ضغطاً متزايداً على الأوروبيين، فهم طالما فاخروا بأنهم أكبر مانحي السلطة الفلسطينية. تلك الأموال تأتي من الخزائن العامة التي يملأها المواطنون الأوروبيون عبر الضرائب. صارت محاكم أوروبية مختصة تبحث في نجاعة هذا التمويل. صار سياسيو أوروبا يقفون وجهاً لوجه أمام جبل التناقضات: يدعمون بناء مؤسسات الدولة التي لا يضمنون أنها ستأتي. الأهم، أنهم لم يقوموا بحراكٍ حاسمٍ لوقف تدمير ما يعتبرونه "الحلّ الوحيد". لم يمارسوا على إسرائيل ضغوطاً رادعة، رغم أن أدوات التأثير كثيرة بين أيديهم، وهم أكبر شريك تجاري لها. مع كل إعلان لتوسيع الاستيطان الذي يعتبرونه "غير شرعي"، كرّروا التحذير من أن ذلك يهدّد حلّ الدولتين عبر جعل الدولة الفلسطينية "غير قابلة للحياة".

"كيف جاءت إسرائيل؟"

بعد المبادرة السويدية، تبنّى مجلس العموم البريطاني أيضاً الاعتراف بالدولة الفلسطينية. لكن قراره أتى غير ملزم لحكومة بريطانيا المحافظة، والتي تبرّر رفضها الاعتراف بوجوب أن يأتي كنتيجة للتفاوض، وليس عبر إعلانات "من جانب واحد".
عرّابة هذا الموقف هي واشنطن، وتؤيدها فيه حكومات "المسيحيين الديموقراطيين" (اليمين المركزي) الممسكة بالسلطة في الكثير من دول الاتحاد الأوروبي. الدول الأوروبية الأخرى تخضع لضغوط نادي الرافضين الوازن، الهادفة لمنعها من اللحاق بالسويد. مع ذلك، أعلنت برلمانات عديدة نيّتها المضي لخطوة تصويت رمزية، كما حصل في لندن.
سألت "السفير" الباحث في "مجموعة الأزمات الدولية" نيثين ترول عن الرياح التي تدفع هذه الموجة السياسية الأوروبية. فأكّد أن السبب الرئيسي هو محاولة تحريك العملية التفاوضية المتوقف: "حين كانت عملية السلام جارية، رضخت أوروبا للطلب الأميركي بألا تضغط على إسرائيل. اليوم، حين لا تجري عملية سلام، ومع وجود وزير خارجية أميركي يريد تجديدها، ضغط أوروبي كهذا ينظر إليه كثيرون على أنه وسيلة لحثّ اسرائيل كي تنخرط مجدداً فيها، وكي تدفع الثمن الذي طالب به الفلسطينيون من أجل تجديد المحادثات".
"حزب العمال" المعارض هو الجهة التي طرحت مشروع قرار الاعتراف على النواب البريطانيين. تم تبنيه بغالبية هائلة: دعمه 274 نائباً، بينما عارضه 12. تحدثنا إلى سياسي من الحزب عن دوافعهم، وهو عضو البرلمان الأوروبي والعمدة السابق لبلدية مانشستر أفضل خان. الرجل يقع في قلب هذا النقاش، فهو نائب رئيس اللجنة الداخلية للامن والدفاع في البرلمان الأوروبي. يقول موضحاً رؤيتهم: "نحن في حزب العمال نؤمن بحلّ الدولتين، لذلك نريد دفعه للأمام. لدينا موقف سابق بأن اسرائيل جاءت إلى الوجود من فلسطين، سيكون من غير المنطقي بعدها عدم قبول فلسطين. إذا لم يكن هناك فلسطين، فكيف جاءت اسرائيل؟". أما الدافع الآخر للاعتراف كما يقدمه فهو: "ما حصل في غزة أحدث تحولاً واضحاً في الرأي العام، فبعدها صرنا نشعر بأن هناك دعماً عارماً لمبدأ أن هذه القضية يجب حلها، نأمل أن تحريك قضية الاعتراف سيوجه رسالة لإسرائيل بأن العالم لن يتركها تأخذ السلام رهينة".
اللجوء إلى الاعتراف يأتي أيضاً كخيار، خوفاً من الإفلاس. فحلّ الدولتين هو الرصيد الوحيد في الغرب. ناقشت "السفير" هذه المسألة مع استاذ القانون الدولي في "جامعة بروكسل الحرة"، البروفسور فرانسوا دوبيسون. فقال: "هذا صحيح، سيكون هنالك افلاس"، قبل أن يعلل ذلك بأن "الأجندة الوحيدة الآن للمجتمع الدولي هي حل الدولتين، لم أرَ أي دولة في العالم تقول الآن انها تريد دعم حل الدولة الواحدة، لأنه سيكون تحولاً هائلاً في السياسة الدولية كما لم ينادِ به أحد حتى حكومة فلسطين".

فوائد الاعتراف

يوم إعلان السويد الاعتراف بدولة فلسطين، كان لـ"السفير" حديث مع المحامي الفلسطيني صلاح عبد العاطي الذي كان يزور عاصمتها استكهولهم. وقد قال مدير الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الانسان إن النقاش السياسي حول جدوى الاعتراف بات عملياً خلفهم، "لأن المطالبة بحق لا تسقط حقاً آخر. إنها جسر بين المرحلة والاستراتيجيا. كما أن الطلب الفلسطيني للاعتراف تم تضمينه القرارات الدولية الجوهرية حول الحقوق الفلسطينية". يمكن للمحامي الشاب الاستغراق طويلاً في الحديث عن المكاسب، فهو عرضها في دراسة مفصلة من 18 صفحة.
وعدت السلطة الفلسطينية بأن الاعتراف بالدولة يتيح الانضمام إلى 255 اتفاقية وهيئة دولية، وكل ذلك ضروري للضغط على حكومة إسرائيل. هناك الآن 136 دولة تبنت الاعتراف، من أصل 193 دولة هي الأعضاء في الأمم المتحدة.
جمعيات مدافعة عن حقوق الفلسطينيين في أوروبا تؤكد أن الاعتراف يدعم عملها، ومنها "الجمعية البلجيكية الفلسطينية". في حديث مع "السفير"، تقول مديرتها نادية الفرخ: "نعتقد أن الاعتراف هو خطوة جيدة للفلسطينيين، حتى لو لم تحل كل المشاكل بما فيها إيقاف الاحتلال". بالنسبة إليها، العنوان العريض للفوائد: "الاعتراف يعطينا إمكانيات أخرى لممارسة ضغوط أكبر على السلطات في بلجيكا وفي الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن فلسطين دولة وهناك عدوان على الدولة وليس على الأراضي".
مع ذلك، أوصلت حيثيات الاعتراف إلى تضارب أولويات بين السلطة الفلسطينية والجمعيات الحقوقية. الأخيرة تضغط خصوصاً من أجل انضمام فلسطين إلى "نظام روما الأساسي"، ما يعني الالتحاق بالمحكمة الجنائية الدولية واللجوء إليها لمحاكمة اسرائيل على جرائم الحرب التي ارتكبتها. لكن القيادة الفلسطينية تنظر للقضية، بالدرجة الأولى، كأدلة سياسية، وافقها الآخرون أم خالفوها، وليس من منظور حقوقي.
لا تعلن السلطة بالطبع أن خيارها وتقديرها السياسي يؤجلان الانضمام. تواجه الضغوط بمبررات هشّة، وعندما تحاصر بالمنطق والوقائع تستقوي بأنها صاحبة الإنجاز. تذكر جميع من يطالبونها بجني المكاسب بأنها هي من حصّلت الاعتراف بالدولة، وتحملت شتى الانتقادات والشتائم حين مضت إليه.
هذه المحاججة تعطي المعنى لقول طيفٍ أوروبيّ إن الاعتراف بالدولة ضروري لتقوية السلطة الفلسطينية. تقوية ضد المنتقدين، الخصوم، وضد ارتطام الفلسطينيين بقاع مثل اليأس "الداعشي". لهذه الأسباب، يقول السياسي أفضل خان لمن يقللون من فوائد الاعتراف الملموسة: "لا يمكنك التقليل من أهمية إعطاء الناس أملا".