| 

تعتبر مدينة رام الله مركز ثقل السلطة الوطنية الفلسطينية الإداري والمالي في الضفّة الغربية. وهي تزدحم بأعدادٍ كبيرة من المقاهي الشعبية ومحال الـ«كوفي شوب»، يدلّ تنوّعها وتناقضها إلى ما آل إليه حال الفلسطينيين فيها خلال العقدين الماضيين، أي تحديداً بعد قيام السلطة. فالمقاهي الشعبية كانت حتى زمن قريب أحد مظاهر الأصالة في رام الله. لكن بمرور الزمن ونشأة السلطة، بدأت قوة حضورها في المشهد العام تخفت شيئاً فشيئاً، خاصةً مع بروز مقاهٍ ومطاعم حديثة وأحياناً راقية، تستقطب الجيل الشاب.
تشير بيانات بلدية رام الله إلى وجود ما بين أربعمئة مقهى ومطعم في المدينة، من ضمنها 80 مطعماً كبيراً. لكن الشيء المؤكد أن المنافسة بين المقاهي ومحال الكوفي شوب والمطاعم، اتخذت طابعاً حاداً عقب توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993، وقيام السلطة الفلسطينية الأولى على أرض الضفّة الغربية وقطاع غزّة.

أوسلو: نقطة تحوّل في مظهر رام الله
أدى قيام السلطة إلى إحداث تغيرٍ واضح في واقع المدن الفلسطينية، خاصة رام الله التي فتحت فيها مقار لوزارات ومؤسسات عامة وأهلية وشركات. ما أدى أيضاً إلى هجرة داخلية واسعة من مختلف مدن الضفة نحوها، وطفرة عمرانية بارزة.
وواحدٌ من مظاهر التحول الحياتي في رام الله تمثّل بظهور مقاهٍ ومحال الـ«كوفي شوب»، ومطاعم على الطراز الحديث، تلعب في فضائها الموسيقى الغربية.
ولعل من أبرز الشهادات على تغير حال مدينة رام الله، والواقع الجديد القائم فيها، ما كتبه الصحافي الفرنسي بنجامين بارت، في كتابه «حلم رام الله: رحلة في قلب السراب الفلسطيني»، الذي يتحدث عن المدينة ما بين عامي 2002 و2011، وصدرت ترجمة له باللغة العربية العام الماضي.
قال بارت في كتابه: «عاصمة السراب الفلسطيني، التي تتعرض لاقتحامات الاحتلال الليلية، ومحاصرة بالمستوطنات والحواجز، لا تكف عن محاولة الظهور بمظهر الحياة الطبيعية. فمنذ العام 2007، تفتتح حانة جديدة أو مطعم عصري كل ثلاثة أو أربعة أشهر، ومن هذه المطاعم ما يحاكي الأناقة الباريسية، أو السحر اللاتيني». وأضاف: «إنها الزبد الذي يحاول إخفاء ما يدور في المدينة، التي يوجد فيها مخيمات عدة للاجئين، ويزيد فيها الفقراء فقراً، في حين تتكون فيها طبقات سريعة الثراء، بقرارات فوقية، ترى بوجود مثل هذه الطبقات ضرورة لسلام من نوع خاص، والمقصود في الواقع سلام الاحتلال، وجعله احتلالاً مقبولاً ورخيصاً، بل مربحاً، فكل تدفق لأموال مانحة، هناك طرق كثيرة، ليذهب جزء منها إلى خزانة آخر احتلال، الذي يحظى بالتدليل».
التغيير الذي أصاب واقع رام الله، قاد لظهور مقاه أكثر حداثة من نظيرتها الشعبية، قسم منها «ذكوري»، بينما تميز جانب آخر منها بالاختلاط، أي أنها تستضيف الرجال والنساء على حد سواء.
ويعدّ مقهى «رام الله» الذي فتح أبوابه قبل 10 أعوام، أحد المقاهي التي ارتبطت بشريحة المثقفين، ورغم ذلك لا يلمس زائره أي فارق بينه وبين أي مقهى آخر محتكر من الذكور سوى في طبيعة الزوار.
ويذكر أستاذ اللغة العربية في جامعة «بيرزيت» سابقاً الدكتور سمير التميمي، أن المقهى يستقطب ممثلين، وفنانين، وأساتذة جامعات، معتبراً أن ذلك هو واحد من أبرز المظاهر الفارقة بينه وبين المقاهي الشعبية. ويبين التميمي، وهو من قرية «النبي صالح» شمال غرب رام الله، أنه رغم طبيعة زوار المقهى، لا تقام فيه أية فعاليات ثقافية أو فنية.
وتشير بيانات تاريخية إلى أن بعض المقاهي التي كانت موجودة في السابق، وارتبطت بالمثقفين، كانت تشهد نشاطات فنية وثقافية متنوعة، مثل معارض الفن التشكيلي، لكن على ما يبدو فإن بروز العديد من المراكز الثقافية أدّى إلى اختفاء هذا الدور من المقاهي، بل وإغلاق معظمها.
ويذكر الباحث المهتم بالقضايا الثقافية محمود البدوي أنه لم يعد هناك أي دور يذكر للمقاهي الثقافية، إن جاز التعبير، بل إن معظمها اختفى عن الوجود مع التغير الذي شهدته رام الله عقب نشوء السلطة: «كثير من المقاهي الثقافية وحتى مسارح كانت مقامة كما هو معروف في أبنية قديمة، بالتالي جرى هدمها لإقامة عمارات ومبان تجارية حديثة في رام الله، كما حصل مع سينما دنيا التي أقيمت العام 1945 وكانت أولى صالات العرض السينمائي في الضفة، وهدمت بعد 53 عاماً من ذلك التاريخ (1998)، تحت ذريعة ركود السوق وهجر الناس لشباك التذاكر».
عموماً، فإن رام الله عرفت خلال الفترة التي تلت قيام السلطة، ظهور «كوفي شوب» ومطاعم خاصة على أسطح الكثير من العمارات الحديثة، نجحت ولا تزال تنجح - في استقطاب الكثير من الفتيات والشبان.
هذه المطاعم والمقاهي التي عرفت باسم «الروف»، انفردت عن غيرها، خاصة في السنوات التي سبقت اندلاع انتفاضة العام 2000، بإقامتها حفلات مختلطة، واستضافتها لفنانين فلسطينيين من الضفة، والخط الأخضر.
وتحرص مثل هذه المطاعم والمقاهي حالياً على إقامة حفلات واستضافة فنانين محليين خلال فترات معينة مثل رأس السنة الميلادية، وعيد الحب، وغيرهما.
وبالنسبة إلى العديد من المتابعين، فقد كان إنشاء مثل هذه المطاعم والمقاهي أحد المظاهر الدالة على التغير الذي تشهده رام الله، بل إن اتهامات وجهت لبعض هذه المطاعم والمقاهي بإدخال ثقافة غريبة على رام الله بحكم طبيعتها المختلطة وتقديمها للمشروبات الكحولية، واقامة حفلات رقص. ما أدى مثلاً في بعض الحالات إلى قيام عشرات الشبان، خاصة خلال سنوات ما قبل الانتفاضة الثانية، باقتحام غير مطعم، وتكسير محتوياته، تحت ذريعة أنها تشهد أعمالاً لاأخلاقية.

فلنبدأ القصة من ماضيها، عبر زيارة أقدم المقاهي في العاصمة الإدارية لفلسطين، رام الله.

«فلسطين» و«البرازيل»
يبدو وسط رام الله أقرب إلى مركز تجاري تمتزج فيه المباني القديمة بأخرى حديثة، تعلوها لافتات الكترونية في مسعى لشدّ انتباه المارّة لمحالٍ تجارية متنوعة حديثة وأنيقة. في قلب هذا المشهد، تبرز مقاهٍ شعبية، يعود تاريخ إنشاء أبرزها، كمقهى «فلسطين» ومقهى «البرازيل» المجاور له، إلى العام 1955.
وعلى عكس المطاعم ومحال الكوفي شوب، فإن المقاهي الشعبية تعتبر «ذكورية» بالمطلق، تتوجه للرجال فقط وتستقبلهم، حتى يكاد يستحيل رؤية امرأة داخلها، ما يفسر ربما انصراف الكثير من الناس عنها.
يستطيع زائر أيّ من المقهيين تلمّس مدى قدمهما من مظهرهما العام. ففي كلاهما، ترى العين كباراً في السن، ينفثون دخان سجائرهم أو الأرجيلة و«التمباك».
أصحاب كلا المقهيين هم من اللاجئين، أتوا رام الله من مدينة اللدّ، ويبدون اهتماماً واضحاً بأدق التفاصيل. لذلك مثلاً، يجد المرء صور مؤسسي المقهيين معلقة على جدرانهما بعدما طواهم الموت. كما تبرز المقاعد الخشبية التي يجلس عليها روادهما، بينما تغيب أي مظاهر ديكور مميزة أو خدمة الانترنت التي تقدمها محال الكوفي شوب الحديثة. حتى أن مقهى «فلسطين» يلفت النظر بنشارة الخشب المنتشرة على أرضيته، وهي ترش يومياً من أجل الحفاظ على نظافة المكان، لكون النشارة تمتص الأوساخ والمياه. ويشرح صاحب المقهى الحالي ماجد أبو خديجة أن «رشّ النشارة هو استمرار لعادة قديمة دأب عليها والده الذي أنشأ مشروع المقهى بعد سنوات عدة من نزوحه القسري عن مدينة اللدّ، إثر احتلال العصابات الصهيونية لها في العام 1948.
وأقام مشروع المقهى والد أبو خديجة «الراحل» وشريك آخر له، واختارا تسمية المقهى باسم «فلسطين» نظراً للأثر البالغ الذي خلّفه فيهما تشريدهما من اللدّ، ورؤيتهما لوطنهما يقع تحت الاحتلال.
يرتاد مقهى «فلسطين» ونظيره «البرازيل» كبار السن لاعتبارات قد تتصل ليس فقط بطابع المقهيين وتاريخهما، بل لموقعهما أيضاً، إذ يقع كلاهما بالقرب من سوق رام الله والبيرة المركزية المعروفة باسم «الحسبة».
من الجدير الإشارة هنا إلى أن محافظة رام الله والبيرة تضم نحو 80 قرية، ويبلغ عدد سكان مدينة رام الله وحدها بحسب بيانات بلديتها نحو 70 ألف نسمة، ليصل هذا العدد في ساعات النهار مع وفود الموظفين المقيمين خارح المدينة وأبناء القرى وبعض المخيمات الأخرى، ناهيك عن مواطني بعض المدن الأخرى مثل القدس التي تقع إلى الجنوب من رام الله ونابلس التي تقع إلى شمالها، إلى نحو 150 ألف نسمة. فيجد كبار السن الوافدون من الريف بالذات، في هذين المقهيين ملاذاً لهما نظراً لقربهما من مركز البلد.
ويعتبر المواطن محمد حمارشة (59 عاماً) هو أحد الزبائن الذين يتردّدون بشكلٍ شبه يومي على مقهى «البرازيل»، منذ 10 سنوات. وهو من قرية «يعبد» الواقعة في جنين» شمال الضفّة، انتقل إلى العمل في رام الله منذ سنوات عدّة، ويجد في الوقت الذي يقضيه مع أصدقائه - وبعضهم أساتذة مدارس متقاعدون يقطنون في قرى تقع في محيط رام الله - متنفساً للترويح عن الذات. يقصد المقهى لمقابلة أصدقائه وتناول شؤون الحياة المختلفة معهم. وفي حديثه عن مقاهي رام الله، يروي حمارشة أن الكثير من المظاهر المتعلقة بالمقاهي قديماً لم يلحق بها ليختبرها، مثل ظاهرة «الحكواتي» التي كانت معروفة قبل نحو 100 عام، ليس في فلسطين فحسب بل في بلاد الشام بشكل عام، كما تؤكد مصادر تاريخية.
ويقول حمارشة: «الحكواتي، كما أخبرني أبي الراحل منذ سنين طويلة، كان بمثابة المنبر الثقافي للمجتمع، خاصةً أن معدّلات المتعلمين لم تكن مرتفعة كما هي الآن. فكان يسهم في الارتقاء بثقافة الناس عبر الأحاديث والقصص التي كان يرويها في المقاهي».
تصدح من المقاهي الشعبية أصوات أغاني أم كلثوم، وغيرها من فناني «الزمن الجميل» كما يحلو للبعض تسميتهم، خاصة خلال ساعات المساء. وهي تقدّم مشروبات معينة على مدار العام مثل القهوة والشاي، أما خلال الصيف فتركز أكثر على عصائر البرتقال والليمون والرمان، بينما في الشتاء تقدم مشروبات ساخنة مثل السحلب والقرفة وغيرهما.
ورغم الطابع القديم الذي تمتاز به هذه المقاهي، فإن بعض مظاهر الحداثة أخذت بالتسلل إليها، سعياً لاستقطاب الجيل الشاب من جهة، ولإظهار القدرة على منافسة محال الكوفي شوب والمطاعم من جهة ثانية. فيتجلى هذا الطابع «الحداثي» في شاشات كبيرة معلقة في أركان مختلفة من كلا المقهيين، في ما يبدو كمحاولة لتقليد المحال الجديدة التي تبث مباريات كرة القدم، خاصة الدوري الاسباني والانكليزي وغيرهما من الدوريات الاوروبية التي ازداد الهوس بها، خاصة إثر إنشاء قناة «الجزيرة الرياضية» (بي ان سبورت حالياً)، التي كانت تبث مباريات الدوري الاسباني مجاناً في السنوات الثلاث الأولى عقب افتتاحها.
وقد أقر أصحاب مقهيي «فلسطين» و«البرازيل» بقيامهم بنصب الشاشات من أجل استقطاب الشبان من هواة مباريات كرة القدم إليهما. وإذا كان أبو خديجة نصب الشاشات قبل أربعة أشهر، فإن الشاب العشريني معتز الشافعي، وهو أحد أصحاب مقهى «البرازيل»، يشير إلى أن وضع الشاشات في «البرازيل» تمّ قبل نحو عامين، في مسعى لجلب الشباب إلى المقهى.
وأقرّ الشافعي بأن الإقبال على المقهى تراجع عقب اندلاع الانتفاضة الثانية في العام 2000، ما عزاه في أحد جوانبه إلى كثرة المقاهي، خاصة الكوفي شوب، في رام الله، وهي تستقبل الجنسين.

«عائلي» كبديل عن مقاهي الرجال
إن افتتاح المقاهي «كوفي شوب» الحديثة، الذي هدأ بعض الشيء خلال سنوات الانتفاضة، عاد ليشهد انتعاشة من جديد إثر الهدوء الذي شهدته الضفّة، مثلما قال بارت في كتابه. مقهى «زيارة» الذي أقيم قبل ستة أشهر، هو أحد هذه المشاريع التي وجدت لاستقبال العائلات والنساء بالذات، خاصة من طالبات الجامعات والموظفات.
«زيارة» هو مقهى له ساحة خارجية، وفيه مقاعد جلدية، تنتشر الشاشات في مختلف أركانه، بينما يتوسطه ركن يشغله عامل موكلة إليه مهمة إعداد مناقيش الزعتر والجبنة والبيتزا، على مرأى من الناس. يقول صاحب المشروع شادي الريماوي، وهو من إحدى القرى الواقعة غرب رام الله: «هذا الكافيه عائلي، ونادراً ما نستقبل شباناً (ذكوراً) هنا، والجودة التي نوفرها تشمل كل ما نقدمه». يبلغ سعر الأرجيلة في هذا المقهى نحو 7 دولارات، أي بمقدار يفيض عن ضعف ثمنها في المقاهي الشعبية العادية، بينما يتراوح سعر الشطائر التي يوفرها ما بين 7-12 دولاراً، ورغم ذلك فإن الريماوي يعتبر أسعاره أقل بكثير من مقاه أخرى مماثلة، يصل سعر الأرجيلة فيها مثلاً إلى 12 دولاراً: «المقاهي والمطاعم هي المتنفس الوحيد المتاح أمامنا، والمقاهي بالذات من الناحية الاجتماعية من أفضل الأماكن لقضاء جلسات هادئة، والتعارف، والتواصل بين الأصدقاء». ويردف: «يمكن لمجموعة من الصديقات أن يقضين وقتاً هنا، ضمن جو نفسي مريح أكثر من المنازل، عدا عن إمكانية الاستفادة من الخيارات التي نوفرها من الطعام الأجنبي والأوروبي الذي نعدّه بشكل متقن».
من جهتها، شرحت المواطنة المقدسية ميس عدوين، الآتية من القدس مع زوجة شقيقها أميرة لتدخن الأرجيلة في «زيارة»، أن «مثل هذه الأماكن توفر خصوصية للنساء، عدا إمكانية التحاور والتواصل بين الأصدقاء». أما أميرة فتعترف بوجود «أماكن مشابهة في القدس، إلا أننا نحب القدوم إلى رام الله.. وعلى فكرة، نحن لا ندخن الأرجيلة دائماً، لكننا نحب أن نذهب إلى المقاهي وأن نتحدث في أمور مختلفة».