| 

كتبت فلسطين بدماء شعبها، رجالاً ونساء وأطفالاً، واحدة من أعظم الملاحم الإنسانية... وهي لا تزال تبذل من روحها لتثبت حق أهلها في أرضها التي كانت أرضهم عبر التاريخ، قديمه والمعاصر.
ليس من بيت في مدن فلسطين وبلداتها وقراها إلا وقد سقى أهله أرضه وجدرانه بدم واحد أو أكثر منهم، وربما بدماء عائلة كاملة، بعجائزها ونسائها وأطفالها فضلاً عن الرجال، عزلاً قضوا ضحايا المجازر المنظمة للعصابات الصهيونية ثم للجيش الإسرائيلي، الذي يشهد له تاريخه بأنه الأعظم وحشية في التاريخ الإنساني.
بل ان هذا الشعب الذي يرفض الهزيمة والاستسلام للاحتلال الاستيطاني وكأنه قدر لا راد له، قد أعاد بناء العديد من مدنه وقراه أكثر من مرة، وهذه غزة هاشم شاهد وشهيد... وها هم أهلها الذين جاؤوها بمعظمهم "لاجئين" من أنحاء أخرى من فلسطين يحاولون الآن ـ وفي ظروف قاسية قل فيها النصير ـ ان يعيدوا بناء ما هدمته الحرب الإسرائيلية الرابعة أو الخامسة أو السادسة، والمفتوحة بعد، في كل حال.
من المفارقات ان ننتبه إلى الزيادة الأسطورية لمداخيل الدول النفطية العربية من عوائد ذهبهم الأسود التي ترافقت مع تناقص مساعداتهم لشعب فلسطين، ولو من منطلق بحت إنساني وبغض النظر عن الرابطة القومية ووحدة المصير وحقيقة ان إسرائيل كانت وما زالت وستبقى العدو القومي، بل والوجودي، لجميعهم، من ادنى الأرض العربية إلى أقصاها.
ان أهل النفط يتصرفون مع ذهبه الأسود بمنطق انه "ملك العالم كله" ويحاذرون استخدامه لنصرة قضاياهم المحقة، بعنوانها الفلسطيني، بعدما استوعبوا درس اغتيال ذلك الملك الشجاع، فيصل بن عبد العزيز، الذي اندفع ذات لحظة حماسة ووعي بالخطر الإسرائيلي على بلاد العرب جميعاً، ومنها ـ بالتأكيد ـ المملكة العربية السعودية، فاتخذ قراره التاريخي بوقف تصدير النفط حتى توقف إسرائيل حربها العدوانية على كل من مصر وسوريا (والعرب جميعاً) في مثل هذه الأيام من العام 1973.
ولقد سقط الملك فيصل شهيداً في المعركة المفتوحة لاستخلاص الحقوق العربية المنتهكة والمنهوبة في النفط كما في فلسطين.
على ان استشهاده قد "أثمر" تحريماً لاستخدام العرب نفطهم في خدمة قضاياهم المحقة في طلب الحرية واستقلال القرار السياسي وبناء الغد العربي الأفضل بقدراتهم، ومنها ثرواتهم الهائلة في مجالي النفط والغاز، والتي تسهم في رفاه الدول المتقدمة، وأُولاها الولايات المتحدة الأميركية... كما ان بعض هذه الثروات يذهب ـ ولو بطريقة غير مباشرة ـ إلى إسرائيل فيعزز تفوقها العسكري والعلمي على العرب مجتمعين، ومن ضمنهم، بطبيعة الحال، أصحاب الثروات الخرافية التي تحويها أرضهم ومياههم الإقليمية من النفط والغاز.
ولأننا ما زلنا نعيش في أجواء الذكرى الحادية والأربعين لحرب أكتوبر ـ تشرين المجيدة، والتي أجهضت قبل اكتمال الهدف العظيم منها، أي طي صفحة الهزيمة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتوكيد القدرة عبر اجتماع العرب أو أكثرهم بذلاً وتضحية في مواجهة العدو الإسرائيلي، فلا بد من الإشارة إلى ان نتائج تلك الحرب قد أكدت القدرة على إلحاق الهزيمة بهذا العدو، وأثبتت كفاءة الجندي العربي إذا ما توفرت له القيادة السياسية ومن ثم العسكرية المؤمنة بحقها في أرضها والتي تحترم هذا الجندي المقاتل حتى الاستشهاد توكيداً لأهليته على حماية وطنه وصولاً إلى حقوقه كمواطن في دولة له، أي إلى الحرية والكرامة والحياة التي تليق به.
لا ينفع الأسف أو الأسى على هدر النتائج الباهرة التي بشرت بها الأيام الأولى من تلك الحرب التي شهدت مجموعة من الانجازات التاريخية التي تراجعت ـ مع الأسف ـ إلى خانة الأحلام، ثم تهاوت مع إقدام السادات على وقف الحرب متخلياً عن شريكه السوري، وعن أخطر الأهداف التي جمعت بين الدولتين الشقيقتين وعنوانها تحرير كامل الأرض العربية المحتلة، أقله الأراضي المصرية والسورية.
على أن الحقيقة المفجعة ان الأيام الأولى لهذه الحرب التي شكلت بشارة بنصر عربي مؤزر، قد انتهت مع قرار السادات الخروج منها بشروط مهينة لدماء الشهداء من ضباط الجيش المصري وجنوده البواسل، قبل ان تكون خيانة لشريك الدم في هذه الحرب، الجيش السوري، وسائر المقاتلين العرب الذين تقاطروا إلى الميدان من مختلف ديار العرب، مشرقاً ومغرباً: فالدبابات العراقية جاءت على جنازيرها لتدخل مباشرة المعركة الأسطورية في الجولان، والطائرات الليبية والجزائرية قد شاركت بفعالية في حماية "العبور" وتقدم الجيشين المصري والسوري لتحرير المحتل من الأرض...
... وبينما كانت قيادة العدو الإسرائيلي في غاية الارتباك، فوجئ العالم كله بقرار السادات وقف الحرب بعد اختراق جبهته عبر ثغرة الدفرسوار التي كشفت مصر جميعاً بما يعجز العقل عن تفسيره، وان حاول هنري كيسنجر ان يوضح بعض ما خفي أو اخفي عمداً، ليظهر قاسياً في صراحته الجارحة عبر مفاوضات السلام التي قادتها الإدارة الأميركية وسلم فيها السادات بالشروط الإسرائيلية جميعاً، معلنا، وبشكل منفرد وبتجاوز لحقوق العرب الآخرين، وبالذات شريكه في الحرب، سوريا، فضلاً عن الفلسطيني الذي منع من المشاركة وان كان قد تحمل بعض الخسائر في قضيته وفي حقوقه في وطنه فضلاً عن أحلامه في التحرير.
[ [ [
ليس هذا حديثاً في الماضي وعنه، فها نحن نعيش نتائج اغتيال النصر المحتمل في حرب أكتوبر ـ تشرين، والتي جاءت أقسى من الهزيمة الأولى في ميدان المواجهة مع العدو الإسرائيلي في حرب حزيران 1967، بل وأقسى من نتائج الحرب الإسرائيلية الأولى فوق أرض فلسطين في العام 1948.
وإذا كانت الحرب الإسرائيلية الأولى قد انتهت بإقامة الكيان الإسرائيلي، والحرب الثانية قد مكنت لهذا الكيان وان هي أعادت الوعي بحقيقة هذا الجسم السرطاني المزروع في الأرض العربية وكشفت طبيعته كقاعدة أمامية لقوى الاستعمار الغربي بذريعة دينية مرجعها أساطير ملفقة عن علاقة "يهود العالم" بفلسطين، فإن الحرب الثالثة قد أكدت الحقيقة القاطعة في وضوحها: ان إسرائيل هي العدو القومي للعرب جميعاً، في حاضرهم كما في مستقبلهم.
ان إسرائيل هي خلاصة جمع العنصرية المعادية للعرب والامبريالية بالقيادة الأميركية التي تستهدف السيطرة على العالم كله، والتي وجدت في الأرض العربية ـ أو ما تسميه "الشرق الأوسط" ـ مركزاً ممتازاً لمباشرة خطتها: ففي القلب منها الكيان المزروع بالقوة والذي تتوفر له دائماً أسباب الدعم لتعزيز قدراته حتى يكون أقوى من العرب مجتمعين، ثم ان هؤلاء العرب يندر ان يجتمعوا على قرار، فإذا ما حدث ان اجتمعوا بمصادفة قدرية فليس أسهل من شقهم باستخدام الثروة مقابل الثورة، فإن هي لم تكف فهناك الطائفية وسائر أمراض الهزيمة كالإقليمية والكيانية والفرز بين الفقراء الطامعين بثروات أشقائهم الأغنياء...
على ان أخطر الأسلحة التي يمكن ان تفتك بوحدة العرب وتجعلهم معسكرات مقتتلة إلى يوم الدين هي: المذهبية..
وها ان العرب يندفعون بوعي أو من دون وعي، نحو هذه الدوامة الدموية المؤهلة لأن تشطبهم من التاريخ وتجعل المطالبة بعودة الاستعمار ـ جواً وبحراً وأرضاً في غد مقبل ـ مطلباً "شعبياً" يعجز عن رفضه "الوطنيون" بينما يلجأ إليه حكام العجز أمام العدو من الاستشراس في وجه شعوبهم، على ما نشهد في هذه الأيام السوداء.
مع ذلك لن تيأس الشعوب العربية ولن تستسلم، وهذه غزة المثل والمثال، ومن قبلها المقاومة في لبنان التي انتصرت، معززة بالتفاف شعبها وبدعم سوري (وإيراني) غير منكور، فضلاً عن التفاف شعبي عارم، أكد ـ مرة أخرى ـ وعي المواطن العربي في مختلف أقطار المشرق والمغرب بأن إسرائيل هي عدو حاضره ومستقبله، كما كانت عدو ماضيه القريب، وان داعميها بالسلاح والمال وإنجازات التقدم العلمي وفي طليعتهم الولايات المتحدة الأميركية لا يمكن ان يكونوا غير ما كانوا عليه بالأمس، وغير ما هم عليه الآن: حلفاء عدوه وفي موقع "العدو" لأمانيه في الحرية والعزة والكرامة.
والكفاح دوار... مهما تزايدت أعداد المقاتلين في صفوف داعش، التي يمكن اعتبارها بخلفيتها وشعاراتها الإسلامية الوجه الآخر لإسرائيل، العدو بالأمس، والعدو اليوم، والعدو في المقبل من الأيام.