| 

ينتهي فيلم «المطلوبات الثّمانية عشر» بحسرة على ما فات ولم يغيّر، على ما مضى من الانتفاضة ولم يبقَ. الفيلم، بإخراجه المشترك بين عامر شوملي وبول كوان، بإنتاجه المشترك بين فلسطين وكندا، ينتقل بين الماضي والحاضر، لكنّه لا يتطرّق إلى المستقبل. ينتقل بين صور تستعيد الماضي وأخرى تتعرّف إلى الحاضر، لكنّه لا يحلم. كوثائقي، هو يوثّق الموجود (في بيت ساحور وفلسطين) بصلته مع الماضي، لكنّه لا يُوجد بديلًا مستقبليًّا.

يتحدّث عن أوسلو من خلال قصّة بقرات محلّيّات مستوردة، ويتساءل عن مدى صحّة ما خلقته من أملٍ، وبداية ثورة، مع دخولها مدينتهم، وواقعهم. لكن في لبّ هذا الدّمج، بين الصّور "الافتراضيّة" (من الماضي) و"الحقيقيّة" (من الحاضر)، في لبّ هذا اللّقاء، وبالرّغم من الحسرة، تحصل الخليقة. الصّور الّتي تجمع بين الماضي والحاضر تخلق مساحةً للتغيير، تخلق إمكانات جديدة، بالرغم من انسداد الطريق الظاهر. وهي بعض أفكار الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز الّتي يطرحها في كتابه الثّاني عن السينما، والحياة، حقيقةً - «الصّورة-الزّمن».

الصّورة - الزّمن

الصّورة-الزّمن هي الصّورة الّتي تجمع كلًّا من الماضي والحاضر والمستقبل في آنٍ واحد، أو صورةٍ واحدة، وتتخلّى عن مكوّنات الصّورة-الحركة. أيّ، ترتكز على افتراضيّة صورتها، بدلًا عن حقيقة الصّورة الّتي من المتوقّع ومن الواقعي أن تليها. الصّورة-الزّمن تعمد إلى استكشاف ذاتها، قبل استكشاف الحدث الّذي قد يليها. تتعمّق في وجودها الافتراضي بدلًا عن واقعيّة ما قد ينتج منها. أي هي سفر بين الأزمنة بهدف الدّراسة الذّاتيّة. ولعلّ ذلك ما يفعله فيلم عامر وبول. يستعرض صورةً من ماضي بيت ساحور الثّوري، ويدرسه، بفكاهة وحسرة، متنقّلًا بين ماضي الواقع وواقع الحاضر. الفيلم يستعيد، من خلال شخصيّاته، قصّة مقاطعة الحليب الإسرائيلي في بيت ساحور كنموذج للعصيان المدني، والثّوري، الّذي حصل في نهاية ثمانينيّات القرن الماضي. يحاور شخصيّات عاشت تلك الفترة ويستخدم أفرادًا من عائلاتهم لتمثيل ماضيهم في العديد من لقطات الـ"فلاشباك". فيتحدّثون عن ١٨ بقرة جلبوها من كيبوتس إسرائيلي وأسكنوها في بيت ساحور (في الضّفّة الغربيّة) لإنتاج حليبٍ محلّيّ، على أمل تعويضهم عن شراء حليب «تنوفا» الإسرائيليّ. وقد نجحت الفكرة لفترة وجيزة، إلى أن ابتدأ الاحتلال بملاحقة البقرات والمطالبة "برؤوسهنّ" لأنّهنّ "شكّلن خطرًا على الأمن الإسرائيلي". أي، كما كان متوقّعًا، انزعج الاحتلال من اكتفاء المحلّيّين الذّاتي، وخاف من تفشّي هذه الظّاهرة في مدن وقرى أخرى في الضّفّة، مفقدةً إيّاه سيطرته على منتجاتهم، وعقولهم.
وبينما يسرد الفيلم القصّة من خلال تجارب شخصيّاته، يسرد الزّمن قصّة إحباط ما بعد أوسلو. فيكثّف العودة إلى صور الماضي، أو إعادة بناء صور الماضي، ويقفز ما بين صورة الحاضر وصورة الماضي، ما بين الواقع والافتراضي، دالاً على الحنين إلى تلك الفترة - زمن الثّورة والطّاقة والإبداع، زمن التّضامن والتّصدّي، زمنٌ صعب المنال، في حاضرٍ كهذا. الماضي هو التّفكّر، الحاضر هو التّعرّف على اللّحظة، والمستقبل هو الحلم. الماضي والمستقبل افتراضيّين، والحاضر حقيقيّ. جلب البقرات، زرع الخضار، وإبداع السّكّان في التّصدّي للاحتلال أضحت افتراضًا من الماضي، والحاضر هو ما تركه أوسلو من خنوع في نَفَس الثّورة. لكن، في الوقت ذاته، كلّ لحظة حاضرة تحمل في طيّاتها آثار الماضي وإمكانيّة المستقبل. صيرورتها تحمل داخلها إمكانيّة الخلق. والصّيرورة بريئة، يقول دولوز، حتّى المجرمة منها. الصّيرورة (السّامية منها على الأقلّ)، تدع الحياة تستهلكها بدل أن تستهلك هي الحياة. فهنالك نوعان من الطّاقة، بحسب الفيزيائيّين: إحداهما سامية، والأخرى دونيّة. الدّونيّة تستهلك الحياة، والسّامية تدع الحياة تستهلكها. هي دائمة التّجدّد وتعطي بسخاء. هي كريمة، ودائمة التّغيّر، ولذا، كلّ لحظة، كونها "صيروريّة"، تحمل في داخلها افتراضيّة الثّورة. وقد يعود ذلك إلى "كريستالها".

الصّورة-الكريستال

الصّورة-الكريستال تدمج بين الواقع والمتخيل، فتشوّش فهم المشاهد كما هو متوقّع. فهنالك القليل من المتخيّل في الواقع، والبعض من الواقع في المتخيّل. وقد يتبدّل الإثنان فيصبح الواقع متخيّلًا والمتخيّل واقعًا. في الفيلم المتكلّمون هم، بطبيعة الحال، حقيقيّون - ليسوا متخيَّلين. لقد عاشوا تجربة المقاطعة والانتفاضة على أكملها. خبروها كواقع ويعيشون الآن في الواقع الآني. لكن بحديثهم عن الماضي هم يجلبونه (ويبلورونه) إلى الواقع. السّيدات اللّاتي كن يتناوبن على مراقبة الاحتلال، مثلًا، بينما كانت الأخريات تفصّلن وتخيطن علم فلسطين، السّيّدات اللّاتي كانت إحداهنّ تشتري القماش الأحمر، والثّانية الأخضر، والثّالثة الأسود، لكي تتحاشين شكّ الاحتلال في ما تفعلن، تقصصنّ ماضيهنّ، الّذي أصبح (في صيرورته) متخيّلًا، وتجعلنه واقعًا في لحظة سرده. فتتبادل الصّور (الماضي والحاضر) مواقعها بفعل الوصف الكلامي والارتجاع الفنّي (الفلاش باك) - صورة الماضي تندمج مع الحاضر.
في عمليّة الوصف، يقول دولوز مقتبسًا الكاتب والمخرج الفرنسي ألان روب-غرييه، يتلاقى الاستيعاب والخلق. في الوصف، تتلاقى الصّورة الحقيقيّة (التي تتكوّن في حاضر السّرد) والصّورة الافتراضيّة (التي كانت حاضرة في الماضي) وتحملان في تلاقيهما كلّ شيء. الملاحظة والتّفكّر، الحقيقي والمتخيّل، الجسدي والفكري، أو صورهم، تلصق ببعضها البعض حدّ الالتحام. فعلى سبيل المثال، عندما يسرد ماجد نصّار، أحد المتحدّثين في الفيلم، تجربته مع منع التجوّل، يساعدنا هو على استيعابها ويخلقها في أذهاننا من جديد. يخلق القصّة في الفكر، القصّة التي قد تصبح جسدًا، أو حقيقةً، مرّةً أخرى، إن اقترنت بماضيها. وعندما يتطرّق للتّصدّي للاحتلال بكأسٍ من العرق وأم كلثوم - أم كلثوم الأغنية الواحدة والصّوت الواحد والدّقيقة الواحدة - يخلق في ذهن المشاهد افتراضيّة الماضي وغيابه عن الحاضر، لكنّه أيضًا يخلق إمكانيّة الإعادة، إمكانيّة صيرورة الثّورة، في الوقت ذاته. فما يفصح عنه الكريستال هو الحواضر الّتي تمضي والمواضي الّتي تُحفَظ. الزّمن يجعل الحاضر يمضي لكنّه أيضًا يحفظ الماضي في داخله. حاضر الثّورة الّذي ابتلعه أوسلو محفوظ في خاصّيّة الزّمن. الصّورة الذّهنيّة والمرئيّة، الافتراضيّة والحقيقية تلتحم عند السّرد، أو عند بلورتها في صورة "كريستاليّة"، تجمع ما بين الواقع والمتخيّل.

تمنّي المستحيل

عندما ينتهي الفيلم بحسرة سكّان بيت ساحورعلى ما مضى - حسرة أيمن أبو الزّلف وسليم جلال والياس الرّشماوي والعديد غيرهم، كسميرة شوملي، أمّ أنطون شوملي الّذي قتل في نهاية الانتفاضة الأولى برصاص الاحتلال، عندما يتكلّم العديد منهم عن غضبهم على أوسلو، وما فعلته الاتّفاقيّة بطاقاتهم وإبداعهم، وما ضحّوا به من حياتهم، عندما يذكر بعضهم خيبة أملهم (لكن ليس ندمهم) من نضالٍ انتهى (أو يظهر أنّه انتهى)، عندما يتحدّث سعيد أنضوني عن هربه وأصدقائه إلى الصّحراء لتفادي زمامير الفرح باتّفاقيّة أوسلو، لا يسع المشاهد إلّا الجزم بانتهاء الرّوح الثّوريّة وتوضيبها. الزّمن يتجمّد، ويصبح الماضي ماضيا والحاضر عالقا في دائريّة أوسلو، وما يتبعها من مضامين. لكن... لعلّ قراءة كريستاليّة في واقع الحاضر، أو دمجًا بين أزمنة الصّورة قد يساعد على عبور الأزمة/الجمود - والّتي هي حجر الأساس في الحفاظ على شكل النّظام الحالي، أيّاً وأينما كان - أزمة جمود الزّمن (والحالة). لعلّ التحام الحقيقي والافتراضي ببعضهما البعض، لعلّ تمنّي المستحيل، المستحيل الّذي تحقّقه الصّورة-الزّمن، المستحيل الذي يدمج بين الحلم والتّفكّر، هو ما سيؤتي بالثّورة.
الفيلم، والحال الفلسطينية، والعالمية، حقيقةً، يدعو للحسرة. الأزمة الحاليّة المذكورة في الفيلم، وما حصل في الطّريق إليها، لا تُطمئنان. لكن للحسرة أهمّيّتها أيضًا. الاعتراف بالحاضر وبعده عن الماضي (أو المستقبل المتخيّل) قد يجلبان، باعتبارهما وصفًا، كلا الاستيعاب والخلق. للحسرة أهمّيّتها لأنّها تعترف بأنّ حكايات الجنّ الّتي كانت تروى لعامر في صغره، مصوّرةً الفلسطينيّين كأبطال من الرّوايات الملحميّة، هي وصف افتراضيّ لا حاضر له، أو لا تفعيل لافتراضيّته في الحاضر. وصف ينتظر الصّورة-الكريستال - بلورة اللّقاء بين افتراضيّته وواقع صورة أخرى. صورة قد تأتي من الماضي، الحاضر، أو المستقبل، أو قد تدمج بين جميعهم. للأزمة أهمّيّتها لأنّها تخلق مساحةً للإبداع. تخلق مساحةً لصوت أمّ كلثوم لتغنّي وقت منع التّجوّل، ولأوراق اللّعب بأن تتحرّك عندما يُمنع لاعبوها من ذلك. الاعتراف بالأزمة قد يحرّك الزّمن وقت جمود الحركة.