| 

التقت "السفير" بأحد المُهرّبين الذين يُسهّلون حلم الهجرة من غزّة إلى أوروبا، وروى الطريق الذي يسلكه الخارجون إلى هجرةٍ غير شرعية في بلاد منافذها إلى العالم مفخخة بالرفض والحصار.
وأفاد المهرّب بأنه يتلقّى مبلغ ثلاثة آلاف دولار من كل شخص يرغب بالهجرة، مُقابل تهريبه من قطاع غزّة عبر الأنفاق الحدوديّة إلى مصر. ومن هناك، يتواصل معه شخص آخر، ويتلقّى منه المال لقاء السفر.
هنا، ننشر تفاصيل الرحلة حسبما يرويها أحد مهندسيها غير الشرعيين، وشهادة شاب نجا من موت محتم على قارب من قوارب الخطر، وبعض الأرقام التي تخبر عن رغبات الخروج وإمكانياته في القطاع المحاصر.


بعد وصول الراغبين بالهجرة إلى مصر، يقوم شخص – غالباً مصري الجنسيّة – بتهريبهم من شبه جزيرة سيناء إلى أحد الأماكن السريّة المُخصصة لتجميع المُهاجرين بمدينة الإسكندرية الساحليّة، استعداداً لانطلاق ساعة الصفر، واستقلال مركب من الميناء صوب شواطئ أوروبا.
لكن، ولخطورة التهريب من الأنفاق، واحتماليّة أن يُلاحق الأمن المصري هؤلاء الأشخاص في سيناء، خاصة مع توتّر الأوضاع الأمنيّة في شبه الجزيرة، فإن بعض المُهرّبين يعرضون على الأشخاص الراغبين بالهجرة دفع مبلغ ألف دولار أميركي إضافيّة، مُقابل أن يتم ختم جوازاتهم بأختام مُزوّرة بعد اجتيازهم الأنفاق الحدوديّة. ويتم ذلك بالتنسيق مع أفراد في الأمن المصري، فمنهم من يقبل من باب زيادة الأمان على الرحلة، ومنهم من يرفض لقلّة المال المُعد للرحلة.
كما يشرح المُهرّب الذي طلب عدم نشر اسمه خوفاً من المُلاحقة الأمنيّة أن بعض الأشخاص الراغبين بالهجرة يقومون بالسفر من غزّة إلى مصر عبر منفذ رفح البرّي بطريقة شرعيّة، ومن هناك ينتقلون إلى الإسكندرية، ويكملون باقي الخطّة كما أعدّها المُهرّب في قطاع غزّة، واطلع المهاجرون عليها بالتفصيل.
كل الطرق يجب أن تؤدي إلى الإسكندرية، حيث تستكمل خطّة التهريب. فبعد تجميع الراغبين بالهجرة في مكانٍ مُحدّد بالقرب من ميناء الإسكندرية، يتوجب عليهم أن ينتظروا إشارة المسؤول عن نقلهم من هناك إلى شواطئ إيطاليا عبر البحر.
يحاول المُهرّب اقتناص فرصة ثمينة تكون الأجواء الأمنية فيها هادئة نوعاً ما لكي يُقل المُهاجرين من شاطئ الإسكندريّة بمراكب صغيرة إلى مراكب أكبر تكون بانتظارهم داخل البحر بعمق حوالي 5 - 10 كيلومترات، أو في المياه الإقليميّة بعيداً عن شاطئ الإسكندريّة. ومن هناك، تبدأ الرحلة إلى سواحل إيطاليا.
تستغرق الرحلة من الإسكندريّة إلى إيطاليا حوالي خمسة أيّام عندما يكون فيها البحر هادئاً. لكن هناك رحلات كثيرة استغرقت أكثر من 12 يوماً، إما بسبب تقلّبات الجو وارتفاع الأمواج، أو بسبب أعطال فنيّة قد تُصيب المراكب التي يستقلها المُهاجرون.
يضع المُهرّبون على متن القارب المُعدّ للسفر أكثر من 150 فرداً، في حين أنه لا يحتمل فعلياً ثقل أكثر من 20 شخصاً. وأغلب المراكب المُستخدمة في التهريب غير مُرخّصة لدى الجهات الرسميّة في مصر، وغير مُهيأة للسفر لمسافات طويلة كحال الرحلة من مصر إلى إيطاليا، ما يُعرّض المُهاجرين لأخطار جمّة في عرض البحر، قد تودي بحياتهم في أي لحظة.
رغم الأخطار التي تحف بالرحلة من بدايتها حتى الوصول إلى شواطئ إيطاليا، إلا أن الكلام المعسول والوعود الكاذبة التي يتحدّث بها المُهرّبون للأفراد الراغبين بالهجرة تجرّ أقدامهم، ثم تطمئنهم أكثر في السفر. ما أن يُصبحوا في المياه، ولا يرون سواها والسماء، تبدأ الحقائق تتكشّف واحدةً تلو الأخرى. ولا يملك المهاجرون وقتها سوى الدعاء كي يصلوا إلى غايتهم على قيد الحياة، ولا يتحوّلوا إلى وجبة دسمة لسكّان البحر.

الرحلة بحسب راكبها

"السفير" تواصلت مع أحد الشبان الذين خرجوا في هجرة من غزة إلى أوروبا، ووصلوا بسلام، فيصف رحلتهم عبر البحر بقوله: "هي رحلة هروب من الموت إلى موت من نوع آخر".
وذكر أنه خلال رحلتهم التي استمرت سبعة أيام، انقلب بهم القارب في عرض البحر، وغرق من الركاب أكثر من 20 فرداً وماتوا على الفور، عدا عن صراخ الأطفال وبكاء الناس طوال أيام الرحلة.
يقول: "كنّا حوالي 170 فرداً، أوّل يوم من الرحلة مرّ بسلام، في اليوم الثاني بدأت الأمواج تعلو وتصطدم بالقارب بشكل عنيف جداً، ما جعل القارب يعلو تارة، وينخفض تارة أخرى. فبدأت المياه بالتسلل إلينا، ورغم أننا كنا نقوم بإخراجها من القارب فوراً، إلا أن التصادم الشديد بين الأمواج والقارب جعله ينقلب في المياه".
يُتابع: "كان سائقو المركب يجرّون معهم مركباً آخر للاحتياط. وفور وقوعنا في المياه، أنقذتنا العناية الإلهيّة قبل كل شيء، ومن ثم سترات النجاة التي كنّا نرتديها، فانتقلنا إلى المركب الثاني، لكن عدداً منّا غرق في البحر".
عند اقتراب المراكب التي تُقل المهاجرين من الشواطئ الإيطالية، وقبلها بحوالي 20 - 50 كيلومتراً، ينقل المُهرّبون المهاجرين إلى قوارب أصغر حجماً لكي توصلهم إلى الشاطئ بأمان. لكن أغلبها ينقلب في البحر، فهي صغيرة جداً، وتحمل أعداداً أكثر من تلك التي تقوى عليها. فيتدخّل خفر السواحل الإيطاليّة، ويعمل على إنقاذهم.
وتؤكد إحصائيّات إيطاليّة أن العدد الإجمالي للمهاجرين الذين تمكنوا من الوصول إلى الشواطئ الإيطالية هذا العام تجاوز مئة ألف شخص. في حين تُشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن قرابة 500 مهاجر لقوا حتفهم في البحر المتوسط منذ مطلع العام، مقارنة مع 700 خلال العام الماضي كاملاً.
بعد الوصول إلى الشواطئ الإيطاليّة، تبدأ رحلة من نوع آخر للانتقال إلى البلاد التي ينوي المُهاجرون الوصول إليها. وتُعدّ السويد، والنروج، وهولندا، وكندا، من أكثر الدول التي يقصدها الفلسطينيون بعد وصولهم إلى إيطاليا. فيها، يتم تقديم طلبات لجوء إنسانيّة، بأسباب الحرب وعدم الاستقرار في قطاع غزّة.

الأرقام في غزّة

تُشير إحصائيّات غير رسميّة في غزّة إلى أن نحو عشرة آلاف غزّي هاجروا من قطاع غزّة إلى أوروبا خلال الثمانية شهور الأخيرة. ومعظم عمليات الهجرة هذه تمّت بطرقٍ غير شرعية، ما أدّى لغرق عددٍ كبير منهم في البحر. كما ألقت السلطات المصرية القبض على كثيرين منهم في أثناء انتقالهم عبر الأنفاق.
وبحسب بعض أصحاب مكاتب السفريات في غزة الذين قابلتهم "السفير"، يلجأ بعض الشباب لطرقٍ أخرى ربما تكون أقل خطورة على حياتهم في سبيل الهجرة، منها تزوير فيزا سياحية إلى أي دولة أوروبية، أو السفر عن طريق "الترانزيت"، أو بغرض الدراسة، وثم طلب اللجوء السياسي أو الإنساني.
ويشير أحدث استطلاع للرأي نفذه "المركز الفلسطيني للاستطلاع" أن نسبة عالية من الجمهور الفلسطيني قيموا أوضاعهم الاقتصادية بالسيئة، والأغلبية ما زالت قلقة من مواجهة عسكرية جديدة في القطاع المحاصر.
ويُحذّر مسؤولون ومؤسسات حقوقيّة في غزّة من تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية من قطاع غزّة إلى أوروبا بصورة لافتة بعد الحرب الأخيرة على القطاع، رغم خطورتها. ويجدون في ذلك عملاً منظماً يستهدف تهجير الشباب، وتقويض صمود المجتمع الفلسطيني.
في التاسع من أيلول أغرق مُهرّبون بشكلٍ مُتعمّد سفينة مُهاجرين في عرض المتوسّط كانت قد خرجت من ميناء بورسعيد المصري في السادس من الشهر نفسه، كانت تُقل السفينة على متنها قُرابة 500 مُهاجر جُلّهم من الفلسطينيين من قطاع غزّة، ومن بينهم عائلات بأكملها، ولم ينجُ سوى بضعة أشخاص تم انتشالهم بعد صمودهم لأيام في البحر. ما شكّل ضربة قاسية لآمال الشباب الراغبين بالهجرة من قطاع غزّة، إلا أن ذلك لم يمنع عمليّات التهريب كُليّاً.
إن هذه الظاهرة، وبغض النظر عن أسبابها ودوافعها، تستوجب العمل السريع والعاجل على تداركها.. خاصةً عندما يعرف المرء أن خلفها يقف أشخاصٌ معروفون تمكّنوا من تهريب أعداد كبيرة من الشباب من دون التعرّض للملاحقة أو المساءلة، إذ تربطهم علاقات "آمنة" بشبكات دولية.