| 

في هذه الزاوية الأخيرة، تقترح «السفير» على قرّاء ملحق «فلسطين» مقتطفات من أعمالٍ متخصّصة في الشأن الفلسطيني، أو أنتجها فريق عمل فلسطيني، أكانت كتاباً أم كلمات من أغاني فرق موسيقية أو مشاهد وحوارات من أفلام سينمائية...
في كل عدد، تـ/يختار المقتطفات لكم زميل/ة، بخصوصية في الانتقاء تشبه القلم الرصاص الذي يخطّ سطوراً أحبها أو وجد فيها غاية معيّنة، فيتم تشاركها مع قرّاءٍ ربما يكتفون بما أضافته إليهم، أو تغريهم بالذهاب إلى المصدر والبحث عن المزيد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المقتطفات لا تختصر العمل الذي هي بصدده، ولا تقدّم جردة وافية للأفكار الواردة فيه، وإنما تشارك مع القرّاء عبارات بدت لافتة لعين قارئها.
وفي حال ترجمة نصوص من لغتها أصلية إلى العربية، فإن الترجمة تبقى غير رسمية، ولا تلزم العمل الأصلي بمضمونها.
في هذا العدد، ننشر مقتطفات من رواية "أورفوار عكّا" للكاتب الفلسطيني علاء حليحل (راجع المقابلة معه داخل العدد)، الصادرة عن دار الأهلية في عمّان (2014).
يقع الكتاب في 263 صفحة من الحجم المتوسط.


من اختيار: سحر مندور

• فور سماعها نبأ "تجنيد" بائعات الهوى الفرنسيات للمشاركة في المعارك الدائرة في اللّفانت، عرفت أنها ستتطوع فوراً. ستكون جندية من جنود نابليون، ترفّه عن الجنود وتمنحهم دفء جسدها كي يحاربوا بشكل أفضل. (ص 22)

• إذا كنت سترسل شخصاً إلى موته فمن الأفضل أن تجعله يصرخ بحماسة طيلة الوقت كي لا يستمع إلى صوت نبضاته الخافتة الخائفة. (ص 28)

• أحسّ الترجمان بثقل الأرض تحته وهو يتذكر أنه يقف على حطام مدينةٍ أخرى غير التي يعيش فيها الآن ويعرفها. كنائس وصلبان طُمرت وهي تحت أقدامه الآن، وكيف يا عذراء يا سيدة القدرة، كيف الهروب من حضرة هذا القاسي الغليظ؟ بحركةٍ لا إرادية، حرّك الترجمان ابراهيم قدمه اليمنى إلى الخلف قليلاً كأنه يُبعدها عن حافة قبر. (ص 57)

• فمحاولة اغتيال الوالي تستأهل موكباً أكبر وأهيب من مجرد متواطئ أو خائن، فخرجت عكا عن بكرة أبيها، بآلافها الخائفة، كي تسير في الموكب، لا لتبصق على الخائن – كما فعلوا فعلاً وبغزارة – بل ايضاً ليراهم العسس والحرس ومعاونو الوالي ورجاله وأجناده. إنه صكّ براءة علني لا فكاك من الحصول عليه في هذا اليوم، حتى إن المصابين بالطاعون المنبوذين القلائل خرجوا هم أيضاً في الموكب من دون أن يقوى أحد على الاعتراض. (ص 102)

• توقّف عبد الهادي عن الخوزقة وكان يراقب مع الحرّاس والواقفين على المنصة من حوله ما يحدث بتوجّس كبير. رأي رجلاً قويّاً يحمل امرأة فرنسية صغيرة الحجم فوق رأسه بخفة وقوة. كان فستانها ممزقاً بكامله من الأعلى والأسفل، بدت شبه عارية، صاح الرجل والزبد ينطلق من فمه: "إليّ هاظي إلي!". (ص 107)

• فوفاة الغادر الخائن أثناء خوزقته إذلال ما بعده إذلال، خصوصاً أن الجميع كان يترقّب ميتة بطيئة مؤلمة تشفي غليل الباشا وتمنح أهل عكا جميعهم فرصة المجيء والتفرّج والسبّ والبصق. لقد تبدّدت هذه المخططات الضرورية أكثر من أيّ وقت. الدنيا حرب وحصار، ويجب تعليق أحد ما ليكرهه الناس، وإلا فإنهم قد يفكّرون بتوجيه كرههم للوالي الجزّار كما يفعلون عادةً. (ص 118)

• الخُوش بُوشيّة: من خوش الفارسية، أيّ: حسن المعاشرة، وبوش التركيّة أيّ: الخالي من الطمع. تقال للدلالة على العلاقة المفتوحة بين الناس. (هامش - ص 129)

• لقد وصلته بعض الشائعات بأن اسمه يرد في اللائحة التي يدرج الجزّار على تدوينها في ورقة ويضعها تحت مخدّته حين ينام. كأنه يمنح المحكوم عليهم بالموت فرصة أن يتحدّثوا إليه في منامه علّهم يقنعونه بالعدول عن قتله. المعلم فرحي وكلّ عكا يعرفون أن أحداً من الذين ترد أسماؤهم في القائمة الملعونة لم ينجح يوماً في إقناع الجزّار بالعدول عن قراره. (ص 132)

• لقد بدأ الموت الأسود يتفشّى بين أزقة عكا، وقد يفتك بأهل المدينة كما كان يفتك بجنود بونابَرت. كانت هذه الافكار ترعب فرحي حتى الموت، وحين كان يشاطرها مع دي فيليبو وأبو الموت كان يشدّد حتى يبحّ: نحن سنموت أسرع منهم. نحن محاصَرون ومنغلقون على حالنا. سيفتك بنا "السّايب" في أيام. يجب أن نحذّر الناس، أن نوعّيهم ليتقوا المرض. لكن دي فيليبو وأبو الموت كانا يعتقدان أن مثل هذا الأمر سيدبّ الرعب في نفوس الناس وسيرعبهم أكثر من "الفرنساوية" المتربصين بهم في الخارج. ثم إن الناس لن ينجحوا في اتقاء المرض، فهو أقوى وأعتى من أيّ وقاية. لذلك، يجب دفن الموتى بسرعة وسريّة وقتل كلّ من تسوّل له نفسه النطق بأحرف هذا المرض القاتل. (ص 133)

• (...) ثم التفت فجأة إلى يساره حين علا صوت ضحك رجولي صاخب من إحدى النوافذ المواربة، فاقترب بحذر واستطاع أن يلمح بسرعة امرأتين عاريتين تتقاذفهما أيادي الرجال الضاحكين الثملين. إنهما لا شك من الفرنساويات الأسيرات. (ص 134)

• العكاويّون سمّوا القطن الشامي بالذهب الأبيض. (ص 147)

• هزّ الجزّار رأسه مفكّراً. للمرة الأولى منذ الحصار تصيبه حيرة حقيقية. كيف عليه أن يتعامل مع هذا الموقف؟ وهذا فرحي الذي أمامه الآن، هل هو متآمر مع الفرنساويّ؟ هل يغدره يهود عكا؟ لماذا لم يتخلّص منهم مثلما فعل مع المسيحيين؟ (ص 156)

• لم أعد أرى في أوجه الناس إلا الأسئلة. أنظر فلا أرى إلا ملامح غير متّسقة لبشر أنا متأكد من انني أعرفهم، لكنني لا أعرف أحداً منهم. أعتقد أن هذا أصعب أشكال الوحدة على الإطلاق. كبرت عكا مدينتي واتسعت وقويت؟ عمّرتها بأرواح المئات وعليهم أن يشكروني لأنني جعلت لحياتهم (وموتهم) قيمة ستبقى للأجيال القادمة. (...) أنا من منح هذه البقعة النتنة معنى وأهمية. الولاة والملوك هم البشر الحقيقيون، أما من تبقى فهم الحروف الصغيرة الحقيرة التي يكتبون بها التاريخ. نحن التاريخ. (ص 173 – 174)

• انظر ماذا حلّ بمصر منذ قدومه.. جلب المطابع وأدخل المسارح وعلماء الآثار والعمارة والمياه والزراعة. تحت قيادة نابليون ستزدهر الشام وستصبح من أهم الأمكنة. علينا التخلص منه (الجزّار) وتخليص عكا من الدمار. هل نظرت إلى عكا كيف أضحت؟ نصف بيوتها مهدّمة. شوارعها آسنة وقذرة وبلاطها مشقق ومكسر. هل تعتقد أن دحر نابليون سينقذنا؟ سنعلق ثانية في حبل المشنقة الذي سيدليه الجزّار لنا جميعاً.
"تقصد لكَ". (ص 200)

• ... ولم يكن الإعجاب به لأنه عسكريّ ومحنّك فقط، بل لأنه فرنساوي يدافع عن عكّا في وجه الفرنساويين. ورغم شعور دي فيليبو بأن الجزّار يحتقره في قرارة صدره، فإن الناس غمرته بالمحبة والإعجاب. (ص 203)

• "ما بيجي من الغرب شي بيسرّ القلب" كان الجزار يردد على مسامع فرحي منذ ضرب الحصار، كل يوم تقريباً، ولكنه كان مضطراً لاحتمال سميث ودي فيليبو لأنهما يحميانه ويحميان عكا. لكن أكثر ما كان يقلق الجزّار في شخصية القبيدان سميث أنه كان شجاعاً جداً لدرجة التهوّر أحياناً. والجزار يعرف أن أسلم شيء له أن يكون هو الوحيد الشجاع الذي على شفا التهوّر. عندها سيحظى باعجاب الناس وحده. (ص 205 - 206)

• إنهم يعرفون المعادلة، ويعلمون أن جنديّاً حيّاً هو صدفة محضة ما بعدها صدفة. (ص 241)

• فسال الدم في البيوت والشوارع كما يسيل الغيث في الميازيب. (ص 245)