| 

في سياق الانتفاضة الأولى، في أواخر الثمانينيات، ازداد اهتمام المبادرات الدولية بالصدمات النفسية عند الفلسطينيين، ضمن سياق يرعى إسقاطاً غربيّاً صريحاً. وتلحظ أستاذة الصحّة العامة في جامعة "بيرزيت" (الضفّة الغربية) الدكتورة ريتا جقمان أن توفير العلاج النفسي والتركيز على الشقّ الطبيّ في الحالة الفلسطينية يساهم بشكل ضئيل في التخفيف من أسباب الصدمات الجماعية.
في المقابل، ترى أنه يجب تسليط الضوء على نقص الأمان، وانتهاكات حقوق الإنسان بدلاً من التركيز على المؤشرات الطبية والجروح فحسب. وتلفت الدراسة إلى ضرورة أخذ السياق الاجتماعي والثقافي والتاريخي بعين الاعتبار في المتابعة النفسية التي يجب أن ترى الشخص ضمن المجتمع، يتعرّض لعنف عسكريّ ويخوض صراعاً سياسياً له أثر في المشاكل الصحيّة العامة.
في مساهمتها بدراسةٍ علمية نشرت في المجلة الدولية "global public health" في تموز 2011، ترى الدكتورة جقمان أن تناول مفهوم الصحة النفسية شكّل بالنسبة إلى الفلسطينيين فرصة لتسليط الضوء على واقعهم الاجتماعي - السياسي وعلى القمع الإسرائيلي. غير أن التركيز على الشقّ الطبّي للصدمات أخفى المعنى الاجتماعي والسياسي الذي ينسبه الفلسطينيون لتجربتهم الجماعية. وفي حين أن وزارة الصحة و"منظمة الصحة العالمية" تحاول تطوير نظام للصحة النفسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن ست منظمات دولية غير حكومية على الأقل تقارب مفاهيم الصحة النفسية وفق الرؤية الغربية، من دون أخذ بعين الاعتبار الخصائص الاجتماعية والجغرافية.
تفترض تلك الرؤية أن الآثار المرضية للحرب تنطوي داخل الشخص ويمكن معالجتها من خلال علاجٍ فرديّ، كأن الشخص يتلقى علاجاً من مرضٍ معيّن وليس من تجربةٍ شاقة مرتبطة بتاريخٍ سياسيّ غير عادل. يظهر مسحٌ في قطاع غزة، بعد حرب 2008، أن نسبة واحد في المئة فقط من الأفراد يشعرون بحاجة إلى التكلم مع اختصاصي نفسي، بينما تفضل الأغلبية التحدث مع الأهل والأصدقاء. وتذكر الدراسة مصطلحات متفاوتة عدّة يستخدمها الفلسطينيون للدلالة على حالتهم النفسية هذه، مثل: مالو إيشي، دبلان، مش مبسوط، مش قادر، هابط، مفيش مروة، تعبان، مكسور، عيّان ومريض.

ما هو؟

تم تصنيف "اضطراب ما بعد الصدمة" كمرضٍ نفسيّ في العام 1980. تعود جذور ذلك إلى حرب فيتنام، إذ ساعد تعزيز هذا المفهوم على أن يحصل المحاربون الأميركيون القدامى على رعاية طبية متخصصة، توفّر لهم تبرئة أخلاقية وشرعنة بصفتهم ضحايا. وفي المقابل، مكّن هذا المفهوم ضحايا الجرائم النازية في هولندا من الحصول على التعويضات أيضاً، فلا ينطوي مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة على الاستجابة الطبية فحسب، بل لديه نواح سياسية واجتماعية.
"اضطراب الكرب التالي للرضح" هو، بكلمات أقل تلبّكاً، "اضطراب ما بعد الصدمة" (Post Traumatic Stress Disorder). وهو اضطرابٌ نفسيّ ينتج عن صدمةٍ نفسيّة أو ماديّة، ومن الشائع أن يتعرّض له الجنود في أثناء الحروب، أو ضحايا الاختطاف والتعذيب والكوارث وأسرى الحرب... فيعاني الفرد من القلق واسترجاعٍ ذهني للأحداث على شكل كوابيس ليلية وصعوباتٍ في النوم وفرطٍ في اليقظة. يتجنّب الفرد الأمور أو الظروف المرتبطة بالصدمة، من دون أن يكترث عاطفياً لما يدور حوله.
ليس الأشخاص الذين عاشوا صدمةً وحدهم من يتعرّض لاضطراب ما بعد الصدمة، بل أيضاً الأشخاص الذين شهدوا حادثة معينة، كاغتصاب أو تعذيب وغيرهما، أو تهديد. ويطال الاضطراب مختلف الفئات العمرية، وترتكز المتابعة النفسية على العلاج السلوكي الذهني، وأحياناً على الأدوية.
ولكن، في بعض الحالات، يتم التركيز على اضطراب ما بعد الصدمة لتحويل الضائقة من معاناة اجتماعية وسياسية إلى مرضٍ طبيّ، فيتمّ حينها التركيز على الأعراض من دون التعمّق في الأسباب التي أدّت إليها. فيؤدي التركيز على اضطراب ما بعد الصدمة لدى سكّان غزّة مثلاً، والأطفال منهم على وجه الخصوص، إلى إهمال جذور المشكلة في فلسطين، وعدم تخصيص المبالغ المالية في القطاعات المناسبة، وإسقاط حقّ الأفراد في العدالة الاجتماعية والسلام والاستقرار من المعادلة الطبية، ومعه يسقط الدفاع عن حقوق الإنسان ومحاربة العنصرية والفقر والاحتلال. وإذ يعارض مختصّون كثيرون في المجال نمط انتشار مفهوم اضطراب الصدمة وآلية التركيز عليه، تراهم يواجهون تهميشاً في المجتمع الدولي.

نسب الانتشار.. ونقدها

في العام 2004، أشارت الدراسات البحثية إلى أن نسبة 20.4 في المئة من الأفراد في شرق أفغانستان ونسبة 23.5 في المئة من الأفراد في كوسوفو، عانتا من اضطراب ما بعد الصدمة.. بينما لم تتجاوز نسبة انتشار الاضطراب نسبة 5.6 في المئة في السويد ونسبة 1.3 في المئة في أستراليا.
وتشير نتائج البحث العلمي الذي أجرته الاختصاصية في الصحّة النفسّية في "الجامعة الأميركية في بيروت" البرفسورة ليلى فرهود وفريق عملها، إلى أن نسبة انتشار الاضطراب في جنوب لبنان سجلت 17.8 في المئة. وقد بلغ عدد المشاركين في الدراسة تسعمئة وواحد وتسعين شخصاً من عشر بلدات جنوبية، عايشوا على الأقل حادثاً واحداً مرتبطاً بحرب تموز التي شنّها العدو الإسرائيليّ في العام 2006 على لبنان.
وتذكر دراسة علمية أجريت في العام 1995، أن سبعمئة ألف شخص في البوسنة وكرواتيا عانوا صدمة نفسية شديدة تحتاج علاجاً، وأن اضطراب ما بعد الصدمة سجّل المشكلة الصحية الأساسية في يوغوسلافيا. ولحظ تقرير "يونيسف" في العام 1996 أن اضطراب ما بعد الصدمة يهدّد ملايين الأطفال الذين عايشوا الحروب في السنوات الأخيرة.
أما في قطاع غزّة فقد لحظت دراسة نشرت في "the European child & adolescent psychiatry journal" في العام 2008 أنه من الممكن أن تعاني نسبة سبعين في المئة من الأطفال في قطاع غزّة من اضطراب ما بعد الصدمة.
في مقابل هذه الأرقام القاطعة، تتحفظ الطبيبة النفسية في مستشفى "أوتيل ديو" والعضو في "الهيئة الطبية الدولية" الدكتورة هلا كرباج على نسبة انتشار اضطراب ما بعد الصدمة في الدراسات، إذ لا تلائم ترجمة الاستبانات (questionnaire) جميع المجتمعات وخصائصها. ويشير الطبيب النفسي ديريك سمرفيلد إلى أنها ليست مسألة ترجمة بين لغتين مختلفتين بل ترجمة بين عالمين. فتوضح كرباج أن اضطراب ما بعد الصدمة يصيب بعض الأشخاص والفئات ولكن ليس بالمعدلات المرتفعة التي تسجلها الدراسات العلمية. وتفرّق كرباج بين المرض النفسي والاضطراب النفسي الذي يظهر لفترة معينة بسبب مرحلة قاسية. إذ يشعر الفرد بعد الحرب بالإحباط، بالخسارة، بالخوف من المستقبل، ولكن هل يعتبر ذلك مرضاً أم أنه رد فعل طبيعيّ على الحالة غير الطبيعية التي عاشها؟
ترى كرباج أن التدخلات الطبية تتركز بعد الحروب على الشخص باعتباره مريضاً نفسياً، بدلاً من أن تهدف إلى إعطاء معنى لمعاناة هؤلاء الأشخاص ودعمهم في صراعاتهم في مجتمعاتهم، وتعزيز أوضاعهم الاقتصادية والعمل على الحدّ من العنف الذي يتعرّضون له. إذ يختلف ردّ الفعل بين شخص وآخر، ويرتبط مباشرة بالحاضر الذي يعيشونه. فكلما كان الحاضر المعاش أفضل، تسارعت وتيرة التخلّص من ذيول الحرب السلبية.

تاريخ الصحة النفسية في فلسطين
في عرض لتاريخ الصحّة النفسية في فلسطين، تشير دراسة أجرتها الدكتورة ريتا جقمان إلى أن الإدارة البريطانية أنشأت في العام 1922 مستشفى حكومياً للأمراض النفسية في بيت لحم، بهدف إيواء "المجانين في المصحّات"، بحسب تعبير المرحلة. مع الاحتلال العسكري للضفّة الغربية وقطاع غزّة في العام 1967، لم تطبّق تدخلات الصحّة النفسية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتوافرت بعض خدمات العيادات الخارجية للمجتمعات تحت الاحتلال في أواخر السبعينيات.
في المقابل، وعلى الرغم من تزايد أثر الطب النفسيّ الأوروبيّ، ظلّ المجتمع المحليّ متمسّكاً بعاداته الخاصة، مثل طرد الأرواح الشريرة من نفوس المرضى. وحتى العام 1980، لم يهتم الممارسون الصحيّون ومقدّمو المساعدات الإنسانية إلا لماماً بالصحّة النفسية للفلسطينيين. ولكن، شهدت الانتفاضة الأولى (1987) تزايد التركيز على الصدمات النفسية واستيراد مفهوم اضطراب ما بعد الصدمة. اعترفت وزارة الصحّة الفلسطينية، بعد اتفاق اوسلو (1993) وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، بضرورة الاهتمام بالأمراض النفسية، وصدرت الإحصاءات الأولى في العام 2000 حول انتشار الأمراض النفسية. وبيّنت التقارير السنوية الصادرة بين العامين 2001 و2005، زيادة معدل انتشار الاضطرابات النفسية مثل الفصام واضطرابات الشخصيّة والإدمان وغيرها.
وترتكز المشكلة الأساسية في تطوير نظام مستدام للصحة النفسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، على الاعتماد على تمويل المنظمات الدولية التي تمتلك أجندات وأولويات محددة لا تأخذ بعين الاعتبار، بشكلٍ تام، الرؤية والاستراتيجية للمجتمع المحلي.