| 

في منزلها الكائن في منطقة الكولا في بيروت، تستقبلك سميرة صلاح بابتسامة واسعة. وعند مصافحتها لك، تدرك من قبضتها المحكمة أن في عروق هذه السيدة يسري عزمٌ لا يلين. يبدأ الحديث فلا يمرّ وقتٌ قبل أن يكتشف المرء أن للحظات النضال سحرٌ لا يأخذ السامعين فقط، وإنما يدركه جيداً من قرّر أن يحيا بشكل دائم في قلب التحديات والخطر، وهدفه النهائي: استرداد فلسطين كاملة، من البحر إلى النهر. سحرٌ، فيه شيءٌ من إدمان الذاكرة.
قصصٌ صغيرة بأسماء كبيرة، ذكريات مراهقة ونضوج، عبارات لا يتوقع المرء سماعها من أبٍ أو أمّ، بلدان وتاريخ كامل يُروى بلسان امرأة كبرت بين زواياه، ... هذه المناضلة تعيش لحظات اليقظة الوطنية منذ أن كانت طفلة تحبو!
اليوم، بعد خمسة عقود من النضال الميداني بين الجماهير، تقاعدت سميرة صلاح من العمل التنظيمي ولكنها مستمرة في العمل النضالي. مع هذه المناضلة المميزة، كان لـ"محلق فلسطين" هذا اللقاء.


حاورها: نبيل المقدّم

* لأي بيت ولدت، وكيف قادك تسلسل الأحداث من فلسطين إلى سوريا فلبنان؟
ـ ولدتُ في طبريا العام 1944، وكان والدي موظفاً في شركة النفط في حيفا، وأحد الوجوه النقابية البارزة في الحركة العمالية في فلسطين. بحكم ظروف عمله في الشركة، اضطررنا إلى السكن في مدينة حيفا لفترة من الزمن، قبل أن نعود إلى طبريا. في ذلك الوقت، كانت فلسطين تغلي بحركات المقاومة ضد الانتداب البريطاني، وكان والدي أحد هؤلاء المقاومين. تخبرني والدتي أنه مرة، أثناء انتقالنا معه في الحافلة من طبريا إلى حيفا، عمد إلى وضع كميّة من الرصاص كان ينقلها إلى الثوار في لفافتي كطفلة، وكان لي من العمر ستة أشهر. وقبل أن نصل إلى نقطة تفتيش للجيش البريطاني حيث يتم تفتيش الجميع بلا استثناء، قام بقرصي فبكيت بشدّة. ولما وصلنا إلى الحاجز وشاهدتني الجندية البريطانية أبكي، طلبت من والدتي البقاء معي في الحافلة وعدم النزول للخضوع إلى التفتيش. بقي والدي في حيفا إلى أن تعرّض لمحاولة اغتيال دبّرها له الانتداب البريطاني ردّاً على دوره في حركات المقاومة. ولكن الرصاصة أخطأته وأصابتني بجرح بسيط في فمي، وكان لي من العمر سنتين. بعد هذه الحادثة، قرر والدي أن نرجع إلى طبريا.
في العام 1948، عندما بدأت العصابات الصهيونية بمهاجمة القرى والمدن والفلسطينية وارتكاب المجازر، قررت قيادة المقاومة خروج النساء والأطفال وبقاء الرجال القادرين على حمل السلاح. فخرجنا أنا وأمي وشقيقتي مع الذين خرجوا، وذهبنا إلى بلدة "الحمة" القريبة من طبريا. بقينا فيها لفترة، وولدت فيها شقيقتي الثالثة التي أسمتها أمي أولاً زينب، ولكن الفرحة بأخبار جبهات القتال التي تتحدث عن انتصارات كبرى تحققها الجيوش العربية دفعت بأمي حينها إلى تغيير الاسم من زينب إلى "انتصار". كنا قد انتقلنا إلى إربد في الأردن، واكتشفنا أن الأخبار كانت كاذبة، وأن اسم اختي يأتي في عز الانكسار والهزيمة. بعد إعلان العصابات الصهيونية قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، انتقلت العائلة إلى دمشق، وسكنا في حي "ركن الدين" وحدنا. وبعد فترة، انضم إلينا والدي وافداً من فلسطين. كانت الظروف الاقتصادية صعبة، فالتقى والدي في أثناء بحثه عن عمل في دمشق بمدير شركة النفط التي كان يعمل لمصلحتها في حيفا. فعرض عليه العمل في فرع شركة "نفط العراق" في مدينة حمص، ووافق. وبذلك، انتقلنا جميعاً إلى حمص، وسكنّا في حي "الخندق الغميق" حيث قضيت سنوات عديدة من طفولتي ومراهقتي.

ارتدينا زيّ جول جمال

* في حمص كان لك لقاء بجمال عبد الناصر. كيف حدث؟
ـ في العام 1952، قامت ثورة جمال عبد الناصر فتعلقنا بها جميعاً، واعتبرناها محطة مشرقة في عالمنا العربي. في العام 1956، أحدث العدوان الثلاثي على منطقة السويس رد فعل غاضباً في جميع أنحاء العالم العربي، ونزل المتظاهرون الى الشوارع مطالبين بفتح باب التطوع من أجل القتال إلى جانب الشعب المصري. يومها، طلبت مني إحدى مدرّساتي في الصف، واسمها "عناية وفائي"، أن ألقي كلمة أمام حشد من الطلاب والأساتذة ضد العدوان الذي تتعرض له مصر. كانت المرة الأولى التي أواجه فيها جمهوراً. وفي العام 1959، وبعد اعلان الوحدة بين مصر وسوريا، زار جمال عبد الناصر سوريا، ومرّ بمدينة حمص حيث انتظره استقبال شعبي منقطع النظير. في ذلك النهار، قررت أنا وعدد من الفتيات الفلسطينيات أن نشارك في هذا الاستقبال على طريقتنا. فارتدينا فساتين كحلية اللون خيطنا لها عنقاً ابيض، واعتمرنا قبعات كتب عليها "فلسطين"، وقصدنا أن يكون الزي شبيهاً بالزيّ الذي يرتديه رجال قوات البحرية، تيمّناً بالملازم أول بحري السوري "جول جمال"، الذي استشهد في أثناء تصديه لبارجة فرنسية خلال العدوان الثلاثي.
مع وصول جمال عبد الناصر إلى مدخل مدينة حمص، اتخذنا لنا مكاناً قريباً من الساحة التي أعدّت لاستقباله، واعتنينا بأن يكون موقعاً يمكن لعين عبد الناصر أن تقع علينا فيه. وبالفعل، صحّت توقعاتنا. لفت وجودنا وزيّنا نظر جمال عبد الناصر، فأشار لنا بيده كي نقترب منه. وعندما وصلنا بمحاذاته تماماً، قام بمصافحتنا وقبّلنا واحدةً واحدة وقال لنا: "فلسطين أمانة سأحملها معي أينما ذهبت".
وتوالت الأحداث بعدها، فكنا نجمع التبرعات للثورة الجزائرية، وتعرفنا الى "جميلة بو حيرد". وفي العام 1961، أعلن الانفصال بين مصر وسوريا، وكنت من الذين نزلوا في تظاهرات تطالب بإعادة دولة الوحدة، واصطدمنا برجال الشرطة الذين ضربونا. ضُربنا ضرباً مبرحاً، يومها.

ضرب جنون في المخابرات السورية

* كيف انتسبت إلى "حركة القوميين العرب"؟
ـ كان صلاح صلاح عضواً في "حركة القوميين العرب"، ومن ضمن مسؤولياته الاهتمام بملف النقابات والعمال. بعد انهيار دولة الوحدة بين مصر وسوريا، جاء في زيارةٍ إلى حمص، حيث التقى والدي الذي كان من النقابيين الناشطين في الشركة. أعجب صلاح بشخصية والدي ونشاطه ضمن الحركة النقابية، فطلب منه العمل على تأسيس فرع للحركة في المدينة، فوافق. كان ذلك في العام 1962. وكان صلاح صلاح أول رجل نستضيفه في منزلنا، إذ قضى عندنا فترة من الزمن، وكان حديثه عن النضال والثورة دائماً مفعماً بالأمل. تأثرت به وبوالدي، وانتميت الى "حركة القوميين العرب" بدوري. كان أول نشاط لي في "حركة القوميين العرب" هو تعريف صلاح - بناء على طلبه - على بعض رفيقاتي في المدرسة. وبعد اجتماعات عقدها معهن، تمكّن من ضمّهن إلى الحركة.
كان نشاط الحركة في تلك الفترة محظوراً في سوريا، بسبب وقوفها ضد رئيس الوزراء السوري مأمون الكزبري وحكومته لتأييدهم الانفصال عن مصر. في العام 1964، داهمت عناصر من المخابرات السورية بيتنا واعتقلت والدي بتهمة الانتماء إلى حركةٍ سياسية محظورة. وفيما هم يأخذونه، أومأ إلي بإشارةٍ فهمت من خلالها أنه يريد مني أن أذهب إلى منزل صلاح القريب، وأطلب منه التوراي عن الأنظار حتى لا يقع هو أيضاً في قبضة السلطات السورية. نفّذت ما طلبه مني والدي، إلا أن صلاح لم يأخذ هذا التحذير على محمل الجد، وقرر البقاء في منزله. فجرفته موجة الاعتقالات وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات وبتجريده من حقوقه المدنية لمدة عشر سنوات. ولكنه اسطتاع الهرب من السجن في الليلة التي سبقت تنفيذ الحكم وجاء إلى لبنان.
وعلى الرغم من اعتقال السلطات السورية والدي وصلاح، استمررنا في نشاطنا السرّي في تعبئة الجماهير ضد الانفصال. في اليوم الأخير من العام 1964، طُلب منا الاستعداد لتوزيع "نشرة المقاتل الثوري" التي كانت تصدرها "حركة القوميين العرب"، وكان الوقت المحدد للتوزيع هو منتصف الليل فيما الناس مشغولون باستقبال السنة الجديدة. كانت رفيقتي في هذه المهمة فتاة اسمها "جزوة برقاوي". وبعدما اتممنا ما هو مطلوب منا بنجاح، وفيما نحن عائدون إلى المنزل، خطر لها أن تقوم بـ"توزيع" نسخة من المنشور في مركز المخابرات السورية في المدينة، وقد كان قريباً جداً من منزلها! كان ذلك ضرباً من الجنون سيعرضنا جميعاً للخطر، حاولت أن أثنيها إلا أنها أصرّت.. فدخلت، وكان العناصر يلعبون الورق، فأعطتهم نسخة عن المنشور وخرجت بسلام وكأن شيئاً لم يكن!
بعد ذلك، قرّر والدي العودة للسكن في دمشق. وفي أحد الأيام، وبينما كنت أتمشى مع صديقات لي في "حي أبو رمّانة"، مررنا أمام السفارة السعودية فوجدنا إعلاناً على باب السفارة يطلب مدرّسات للعمل في المملكة من حملة الشهادة الثانوية العامة. فقررنا التقدم لهذه الوظيفة، وبعد عدة أيام قبلت طلباتنا، وكان ذلك في العام 1966. في السعودية، عملت في إحدى مدارس المنطقة الشرقية وسكنت خلالها عند شقيقتي. كان أكثر ما لفتني في تلك الفترة هو نسبة الوعي المرتفع بين الفتيات السعوديات لقضاياهن الاجتماعية، وتوقهن للتغيير. ولكن المشكلة كانت في عدم امتلاكهن الوسائل التي من خلالها يستطعن تحقيق هذا الهدف.

* هل كان لزواجك علاقة بنضالك؟
ـ بعد أربع سنوات قضيتها في السعودية، قرّرت العودة إلى دمشق. في تلك الفترة، التقيت صلاح بعد انقطاع دام حوالي خمس سنوات، شهدت تحوّل "حركة القوميين العرب" في العام 1968 الى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" بقيادة الدكتور جورج حبش، والتي اتخذت من دمشق مقرّاً لقيادتها. كان صلاح من ضمن قياديي "الجبهة"، وعيّنت أنا مندوبةً للجبهة الشعبية في إقليم سوريا. ولكن بسبب ظروف عملي وقتها، كانت أمارس مسؤولياتي هذه فقط خلال إجازة الصيف. وكانت الظروف السياسية في سوريا في تلك الفترة قد تغيرت، فأعلنت دمشق عن فتح حدودها أمام الفدائيين المتواجدين في الأردن، وبات بوسعهم المجيء إلى سوريا عبر الطريق العسكري. فعاد صلاح ليزورنا في بيتنا. مرة، قام بدعوتنا إلى تناول الغداء في مطعم في شارع الصالحية، وهناك فاجأني بطلبه الزواج مني. لم أتردد في القبول، وكان ذلك في 7 آب 1970. بعد الزواج بيوم واحد، جئت برفقته إلى منطقة "بدنايل" في البقاع اللبناني، وحضرت مهرجاناً للجبهة وقف فيه خطيباً.

تحرس الحكيم متخفية بزيّ ممرضة

* بعد الزواج، سكنتما في مخيم عين الحلوة لتواجد عائلة صلاح فيه منذ خروجها من فلسطين. كيف كانت تلك المرحلة؟
ـ انتقلنا إلى المخيم سنة 1970، وبقيت فيه حتى العام 1973. وعلى الرغم من ظروفهم القاسية، والغارات المتكررة للطيران الإسرائيلي على بيوتهم، استطاع سكان مخيم عين الحلوة المحافظة على سحرهم وروابطهم العائلية. اعتدنا في المخيم على ألا نتناول الفطور والغداء إلا والعائلة مجتمعة. وأقصد بالعائلة والدي وصلاح وأشقاءه وشقيقاته الذين كانوا ينضمون إلينا. وكان البيت الذي نسكنه واسعاً، ويضمّ حديقة كبيرة، وكان ملاصقاً لبيت الشهيد ناجي العلي. وكانت والدة صلاح تقول لي دائماً: انصرفي إلى النضال واتركي لي أمر تربية الأولاد.
ما زلت أذكر الزيارات التي كان يقوم بها الكبار في السن إلى والد صلاح في منزله للتشاور في شؤون المخيم وشجونه. كانوا يجلسون في مكانٍ كنا نطلق عليها اسم "الديوان". في المخيم أيضاً سمعت الكثير من القصص عن المعاملة القاسية التي كان يتلقاها السكان من المكتب الثاني (المخابرات اللبنانية) والدرك الذين كانوا يمنعون القاطنين في المخيم من سقف أسطح منازلهم بالباطون ويفرضون عليهم البقاء تحت ألواح "الزنكو". فكانت المنازل تطوف في الشتاء، وتتحول إلى أفران في الصيف. كما كانت التجمعات ممنوعة لأكثر من ثلاثة أشخاص. في العام 1973، توفيت شقيقة صلاح وجاء جورج حبش لتقديم واجب التعزية. وبعد مغادرته، قصفت إسرائيل بيتنا بصاروخ مباشر من الجو، فدمرته ولكن أحداً منا لم يصب بأذى. العناية الإلهية شاءت أن نكون كلنا في ذلك الوقت في منزل والد صلاح للمشاركة في تقبل العزاء.

* كيف تقيّمين فترة عملك في المخيم؟
ـ في مخيم عين الحلوة، عينتني قيادة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" مسؤولة عن شؤون المرأة. وكانت المهمة الأولى لي الإغاثة، عندما قصفت طائرات العدو مخيم النبطية دمرته تدميراً كاملاً ولم يتم إعماره حتى الآن. أذكر يومها أننا تجمعنا ليلاً، وذهبنا إلى هناك. كان منظر الجثث والدماء والأغراض المتناثرة أكبر من أن يوصف. في العام 1972، عقدت "الجبهة" مؤتمرها العام في مخيم البدواي في منطقة طرابلس، قبل بدء جلسات المؤتمر مازح جورج حبش صلاح بالقول: "أريد أن أتعرف على هذه المناضلة التي قررت أن تغامر وتتحملك". وبعدما سمع مداخلتي في أثناء الجلسة، سمعته يقول له: "بالفعل، أحسنت الاختيار". وكان شرفاً لي أن يختارني جورج حبش بنفسه عضواً في اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية. ومنذ ذلك الوقت، نشأت علاقة مميزة مع جورج حبش استمرت حتى وفاته. كان إنساناً بكل ما في الكلمة من معنى، ليس فقط في تعامله مع رفاقه في "الجبهة"، بل مع الناس جميعاً. أذكر في تلك المرحلة، لما مرض جورج حبش مرضاً شديداً وأدخل الى مستشفى "الجامعة الأميركية" للمعالجة. فكلفت أنا ورفيقة مناضلة اسمها وداد، أن نسهر على أمنه. فكنا نجلس طوال النهار عند مكتب الاستقبال المحاذي لغرفته (الريسبشين) متخفّين بزيّ الممرضات. كانت مهمة دقيقة وحساسة نجحنا في أدائها. بعد انتهاء مناوبتي، كنت أذهب للإطمنان على شقيقة صلاح التي كانت ترقد في مستشفى "أوتيل ديو" في حال حرجة، وأقضي الليل عندها للعناية بها. وفي أحد الأيام، وبعد انتهاء مناوبتي، دخلت إلى غرفته لأستأذنه بالمغادرة، فسألني عن المكان الذي أذهب فيه ليلاً بعد انتهاء مناوبتي. أخبرته بأمر شقيقة زوجي، فما كان منه إلا أن استدعى طبيبه المعالج، وطلب منه العمل على نقلها إلى "الجامعة الأميركية" لاستكمال علاجها. كل ذلك حتى يوفر علي عناء الذهاب في الليل وحدي الى مستشفى "أوتيل ديو".
مع اندلاع الحرب الأهلية في العام 1975، كنت قد أصبحت مسؤولة مكتب شؤون المرأة في "الجبهة". وكنا نعمل ليل نهار على الاهتمام بشؤون المهجرين من مخيمي تل الزعتر وجسر الباشا ومناطق المسلخ والكرنتينا وغيرها. في العام 1978، وبحكم مسؤوليتي هذه، توجهت الى مكتبنا في مدينة صور. وما أن وصلت، حتى طلب مني المسؤولان العسكريان للجبهة في منطقة صور ماهر اليماني وأحمد أمين العودة فوراً إلى بيروت، إذ توفرت لهما معلومات عن خطة اسرائيل بتنفيذ اجتياح واسع تصل فيه الى حدود جسر القاسمية. رفضت المغادرة وأصررت على البقاء، وكانت إحدى الرفيقات المقاتلات، واسمها "نهلة"، تشجعني على هذا الموقف. وأذكر أنها قالت لي: "إبقي ولا يهمك، وإذا حدث شيء سأحملك على كتفي وأخرجك من المنطقة عبر النهر". وهكذا كان، وبقيت ساهرة طوال الليل برفقتها. ولكن الاجتياح لم يتم في تلك الليلة.

صاروخٌ لم ينفجر

* كيف عشت الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، وماذا تذكرين منه؟
ـ نهار الخامس من حزيران 1982، بدأت اسرائيل عملياتها بقصف جوّي للمدينة الرياضية. في ذلك النهار، كنا نجهز لاحتفال تكريمي للشهيدة "تغريد بطمة". وفجأة، ظهرت طائرات في الجو تبين أنها إسرائيلية راحت تقذف حممها في محيط المدينة الرياضية، وعلى منشآتها مباشرة. قررنا فوراً إلغاء الاحتفال، وتوجهت الى مخيم شاتيلا القريب حيث كانت توجد روضة للأطفال تابعة للجبهة الشعبية. كانت أصوات الانفجارات تشتد، ومع ذلك لم أبارح المكان حتى تأكدت من أن جميع الأطفال وصلوا إلى منازلهم سالمين. كان منزلنا لا يزال في منطقة طريق الجديدة، لكن استهداف اسرائيل للمنطقة أجبرنا على الانتقال إلى منطقة الحمراء، حيث سكنا في شقةٍ مفروشة ولكنها كانت خالية من الأثاث، فكنا ننام على الأرض.
كنت أترك أولادي، رشا وربيع ورولا ورماح، في المنزل، بينما أعمل في إغاثة النازحين وإيوائهم. استمررنا على هذه الحال مدة ثلاثة أشهر إلى أن أسفرت المفاوضات السياسية التي قادتها الولايات المتحدة عن اتفاق يقضي بخروج مقاتلي "منظمة التحرير" من بيروت، مقابل رفع إسرائيل حصارها عن العاصمة. عشية تنفيذ الاتفاق، جمع الدكتور جورج حبش كوادر "الجبهة" ومسؤوليها وخيرهم بين البقاء في بيروت أو الخروج منها، فاختار صلاح البقاء. وكان ذلك إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من حياتنا. لم يطق أولادي بعد انتهاء الحصار أن يظلوا بعيدين عن منزلهم في طريق الجديدة، فأصروا على العودة إليه، ورضخت أنا وصلاح لطلبهم. ذهبت قبل العائلة لإعادة تأهليه، فاستقبلني مالك المبنى عند المدخل وصارحني بعدم رغبته بتجديد عقد الإيجار لنا مبرراً ذلك بالخوف على حياتنا وحياة السكان من أي استهداف إسرائيلي للمبنى. رضخت لرغبته، وزرت الشقة لأتفقد المحتويات. وما أن غادرتها ووصلت على بعد مئتي مترٍ منها، حتى سمعت دوي انفجارٍ هائل. التفت ورائي فرأيت أن صاروخاً إسرائيلياً قد سقط على المبنى ولكنه لم ينفجر.
لم يمض وقت طويل على رفع الحصار الإسرائيلي عن بيروت حتى اغتيل رئيس الجمهورية بشير الجميل في 14/ 9/ 1982 بانفجار. وفي النهار الثاني، بدأت القوات الإسرائيلية بعملية اجتياح للأحياء الغربية للعاصمة. كانت هناك تعليمات مسبقة أعطتها "الجبهة" لقياداتها التي قررت البقاء في بيروت باللجوء الى بعض المنازل الآمنة في حال قررت إسرائيل الدخول الى بيروت، بعد خروج مقاتلي "منظمة التحرير الفلسطينية". يومها، قال لي صلاح، وكانت القوات الاسرائيلية قد بدأت تقترب من كورنيش المزرعة: الجيش لا يمتلك الخبرة التي يمتلكها عناصر الموساد في التدقيق بالوجوه والأسماء، لذا يجب أن تسيري بجانبي. فسيري بجانبي إلى أحد المنازل الآمنة ولا تظهري على وجهك أي علامة من علامات الارتباك". تمالكت نفسي إلى الحد الأقصى، وسرت بجانبه إلى أحد المنازل المحددة سلفاً. ولكن صاحبه اعتذر عن استقبالنا بحجة الخوف على صلاح، وعرض إيصالنا بسيارته إلى أي مكان نختاره. فاختار صلاح منزل محسن دلول، الذي استقبلنا بالترحاب ورفض استضافة صلاح وحده وأصرّ على أن يرسل سائقه لاحضار بقية العائلة.
في أثناء وجودنا في منزل محسن دلول، كانت قد بدأت أخبار المجازر في صبرا وشاتيلا تنتشر، فطلب مني زوجي الذهاب الى هناك لمعرفة ما يحدث بالضبط. توجهت الى مخيم شاتيلا برفقة القاضية نجلا كنعان، فوجدنا الجيش اللبناني يطوق المكان ويمنع الدخول. عدت أدراجي وأخبرت صلاح بما شاهدت.

من مخابرات إلى أخرى

* بعد الانسحاب الاسرائيلي من بيروت، بدأ فصل جديد من القصة. بماذا تميّز؟
ـ أرسل صاحب المبنى لنا يعلمنا بأنه يوافق على تـأجيرنا المنزل من جديد شرط أن نصلح أضرار الصاروخ على نفقتنا. فوافقنا وعدنا إلى بيتنا من جديد.. لكن من دون صلاح الذي كان قد أصبح ملاحقاً من المخابرات اللبنانية، من دون أن يكون هناك أي مبرر قانونيّ لهذه الملاحقة. فهو، بعد انسحاب المنظمة، أصبح عضواً في اللجنة المكلفة برعاية شؤون الفلسطينيين الذين قرروا البقاء في بيروت. وفي مرة، غلبه الشوق إلى عائلته فقرر المخاطرة والمجيء إلى المنزل للإطمئنان علينا، متجاوزاً التحذيرات التي كانت تصله بأن البيت مراقب. لم تمضِ دقائق على دخوله المنزل حتى حضرت عناصر الجيش، وفتشت المنزل، واعتقلته. كان الكثير من الذين يعتقلون في تلك الفترة تختفي أخبارهم ولا يعود يُعرف عنهم شيئاً، فخفت أن يصيب صلاح المصير ذاته. فخرجت على الفور إلى الشرفة، ودونت رقم السيارة ونوعها، ومن ثم اتصلت بجريدة "السفير" وأبلغتهم بالتفاصيل. فنشرت الجريدة الخبر في اليوم التالي، وربما يكون ذلك قد ساهم في بقاء صلاح حيّاً.
بقي صلاح معتقلاً حوالي ثلاثة أشهر، نال خلالها على يد مخابرات الجيش صنوفاً قاسية من التعذيب الجسدي والنفسي. وكان ذلك في العام 1983. أول مرة شاهدته خلال اعتقاله، كان يبدو ضعيفاً جداً وشاحباً، فقد الكثير من وزنه، ولكن معنوياته كانت مرتفعة. وكانت السلطات اللبنانية قد اتخذت قراراً بترحيله، فطلب مني أحد الضباط إحضار ثيابه وجواز سفره، وحذرني من مغبة إبلاغ أحد بموعد الترحيل تحت طائلة اعتقالي أنا وعائلتي. كانوا يخافون من أن تنفذ "الجبهة" عملية لتحريره. ولكن الأمر لم يكن وارداً بالنسبة إلينا في تلك الظروف.
كان موعد الترحيل عند الحادية عشرة مساء، فذهبت أنا والعائلة وأخذنا معنا والدته لتوديعه. بعدها، ظلت أخبار صلاح مقطوعة عنا كلياً لحوالي ثلاثة أشهر، إلى أن سُمح لنا بأمر من رئيس الحكومة شفيق الوزان بإصدار وثائق سفر، فسافرت أنا أولاً إلى تونس، ومن ثم لحق بي الأولاد. وبعد فترة قضيناها في تونس، قررنا جميعا السفر الى دمشق حيث بقينا هناك حوالي ثلاث سنوات. في تلك الفترة، بدأت مرحلة نضالية جديدة في العمل النقابي والجماهيري، وشكّلنا لجان المرأة الفلسطينية، وعقدنا المؤتمر الأول في العام 1986.
لما قررت قيادة "الجبهة" تعيين صلاح مسؤولها في لبنان، عدنا إلى بيروت. وكان صلاح عضواً في قيادة "العمل الوطني الفلسطيني" التي تضم عدداً من الفصائل الفلسطينية من بينها حركة "فتح". فاعتبرت القيادة السورية صلاح متعاوناً مع ياسر عرفات الذي كان على خلافٍ شديد مع الرئيس حافظ الأسد في تلك الفترة. فجرى اعتقاله من قبل الأمن السوري في أثناء توجهه إلى دمشق، وأمضى في السجون السورية مدة أربعة اشهر لم نعرف عنه خلالها أي خبر حتى أفرج عنه.
يوم الإفراج، ذهبت مع أولادي إلى دمشق بمساعدة من النائب السابق نجاح واكيم، الذي أمّن مرورنا عبر الخط العسكري. هناك، اتصلت بالدكتور جورج حبش الذي طلب مني ملاقاته في منزل الشهيد أبو علي مصطفى الذي حضر بعد قليل من وصولي، وبصحبته صلاح. وكان الأمر بالنسبة إلي مفاجأة غير متوقعة وفرحة لا توصف. بعد هذه المحطة، أرسلت قيادة "الجبهة الشعبية" صلاح مجدداً إلى تونس، حيث بقينا لفترة من الوقت قبل أن نعود مجدداً إلى بيروت، ويتم تعييني مديرة لدائرة اللاجئين. فكان من مسؤولياتي الاهتمام بعملية إنماء المخيمات.
كانت المهمة صعبة في ظل وجود قرار سياسي التزمت به الحكومات اللبنانية المتعاقبة بترك البنية التحتية للمخيمات على ما هي عليه من الإهمال تحت حجة الخوف من التوطين. ومع ذلك، فعلنا وما زلنا نفعل ما في وسعنا من أجل تحسين الوضع، وبقيت في موقعي هذا حتى العام 2009.
منذ خمس سنوات، تقاعدت من المهام التنظيمية.. من دون أن أتقاعد من العمل النضاليّ الذي سأستمر فيه ما حييت.