| 

تأسست «شركة حمودة للألبان والمواد الغذائية» في بلدة السواحرة الشرقية في القدس قبل 25 عاماً، إلا أن العام الحالي كان الأفضل تجارياً لها على الإطلاق، والسبب في ذلك: المقاطعة الفلسطينية للمنتجات الإسرائيلية.
ولربما كان انتشار المقاطعة في الضفة الغربية أمراً عادياً أو متفاوتاً، غير أن المشاركة الواسعة لسكان القدس الشرقية في هذه المقاطعة كان لافتاً للسياسيين والاقتصاديين على حدّ سواء.
تأخذ المقاطعة في القدس الشرقية شكلين أساسيين: من ناحية، هناك عشرات آلاف الفلسطينيين الذين كانوا زبائن دائمين في مراكز التسوق الإسرائيلية في القدس الغربية فانقطعوا عنها تماماً، ومن ناحية أخرى انخفضت مبيعات المنتجات الإسرائيلية في المحال التجارية في المدينة بشكل ملحوظ لمصلحة منتجات فلسطينية بديلة.
الأفضل منذ 25 عاماً
يشرح مدير المبيعات في شركة «حمودة» أمير حداد، أن شهر آب شهد «زيادة ملحوظة في المبيعات وخاصة بعض الأصناف التي كانت الناس قد اعتادت عليها من الشركات الإسرائيلية، وكانت تعتقد أن لا بديل فلسطينياً لها، مثل الحليب والشوكو واللبن الحامض.. هذه الأصناف كانت موجودة عندنا إلا أن المستهلك كان يميل أكثر إلى المنتجات التي تعود عليها منذ زمن، وهي إسرائيلية. ومع ذلك فقد شهدنا مؤخراً زيادة في مبيعات هذه الأصناف وتمكنا تقريباً من تغطية نسبة 80 في المئة من حاجة السوق منها».
ويقدر حداد أن مبيعات شركته في القدس الشرقية قد زادت في شهر آب وحده بنسبة 40-45 في المئة، ولذلك يقول: «نعمل منذ 25 عاماً، ولكن هذا العام هو الأفضل بالنسبة لنا».
وتعكس الأرقام نفسها على مشهد الرفوف في المحال التجارية في المدينة، فبعدما كانت تقتصر تقريباً على المنتجات الإسرائيلية، باتت المنتجات الفلسطينية تنافس وبقوة.
وخلال زيارةٍ لأحد المحال التجارية في بلدة شعفاط، شمالي القدس، دخلت سيدة فلسطينية تطلب عبوة من الحليب الطازج. فوجهها التاجر إلى أحد الرفوف حيث يتكدس الحليب من إنتاج «تنوفا» الإسرائيلية، فبادرته: «شكراً، أنا أريد منتجاً فلسطينياً».
لم تكد تمرّ أيام معدودة حتى كانت منتجات «حمودة» تتقاسم الرفّ ذاته مع منتجات «تنوفا» للألبان الإسرائيلية.
ويشرح صاحب هذا المحل التجاري، واسمه راسم، أن «هناك طلباً كبيراً وغير مسبوق على المنتجات الفلسطينية، الناس تشعر بالظلم الإسرائيلي الواقع على السكان في غزة، وهم يساهمون في مواجهة الاحتلال إن لم يكن بالحجارة فبمقاطعة المنتجات الإسرائيلية».
إسرائيل تراقب.. والمواطن يبادر
لا توجد حملات إعلامية واسعة لتشجيع سكان القدس الشرقية على مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، نظراً لخصوصية المدينة باعتبارها محتلّة ومفصولة عبر سلسلة من الإجراءات الإسرائيلية عن الضفّة الغربية. كما أن الاحتلال الإسرائيلي لا يسمح بحملات شبيهة، غير أن السكان يقاطعون وباطراد.
ويقول وزير شؤون القدس ومحافظ المدينة المهندس عدنان الحسيني: «تستورد الأراضي الفلسطينية من إسرائيل بما يعادل 6 مليارات دولار سنوياً، في الوقت الذي يستوردون هم منا فقط ما يعادل 200-300 مليون دولار سنوياً. وبالتالي، من شأن المقاطعة أن تؤثر عليهم اقتصادياً، وهذا جزء من المقاومة.. هي مرحلة متقدمة من مراحل المقاومة».
لا توجد أرقام محددة لنصيب القدس الشرقية من المشتريات من إسرائيل، باعتبارها إحدى قضايا الحل النهائي وهي غير مشمولة رسمياً في حسابات التجارة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ولكن القدس الشرقية التي يصل تعداد سكانها إلى ما يقارب 300 ألف، تعتبر من الأسواق الهامة للشركات الإسرائيلية، وتنافس فيها تماماً كما في الأسواق الإسرائيلية.
وتمنع سلطات الاحتلال الإسرائيلي العديد من المنتجات التي تصل الأسواق الفلسطينية عبر وكلاء فلسطينيين، من الوصول إلى أسواق القدس الشرقية بادّعاء أنها لا تستوفي المواصفات الإسرائيلية. كما أن سلطات الاحتلال تمنع منتجات اللحوم والفاكهة والخضروات من الوصول إلى أسواق القدس الشرقية وتصادرها وتغرم التجار في حال اكتشافها في محالهم التجارية.
في هذا الصدد، يقول مستشار شؤون القدس في الرئاسة الفلسطينية المحامي أحمد الرويضي: «المقاطعة في القدس تختلف عنها في الضفة الغربية. فمثلاً، من الصعب جداً تنظيم حملات للمقاطعة في القدس، بسبب وجود الاحتلال كما أن الأصل في الضفة الغربية هو أن تكون البضائع الفلسطينية لا الإسرائيلية، خلافاً للقدس التي تمنع فيها إسرائيل الكثير من المواد الفلسطينية بداعي عدم مطابقتها للمواصفات الإسرائيلية مثل اللحوم والفاكهة والخضار».
في المقابل، يرى المدير السابق لغرفة تجارة القدس عزام أبو السعود أن «هناك تنوعاً كبيراً في المنتجات الإسرائيلية. والمواطن العربي، على مدى سنوات طويلة، تعوَّد على هذا التنوع. وبالتالي، ففي بعض الأحيان يجد المواطن صعوبة في التغيير، حتى لو كان البديل من المكونات ذاتها. وبالتالي، فإن ثمة ميلاً في القدس الشرقية إلى المنتجات الإسرائيلية التي تعوَّد عليها، وهو ما يفرض تحديات بالنسبة إلى الشركات الفلسطينية لكي تجذب المستهلك في القدس لا سيما أن الأسعار متقاربة جداً».
ولكن حداد يشير إلى تغيير واضح في هذه القاعدة: «الكثير من المنتجات كانت موجودة وكنا نطرحها في السوق، ولكن الطلب عليها كان متدنياً للغاية. فمثلاً، في ما يتعلق بالحليب الطازج، لم تكن مبيعاتنا تتجاوز 200 عبوة أسبوعياً. أما حالياً فقد ارتفعت الكميات إلى 20 ألف عبوة أسبوعياً! والأمر ذاته ينطبق على اللبن، فما كنا نبيعه بكميات قليلة جداً بات الطلب الآن عليه كبيراً».
وأضاف مدير المبيعات في «شركة حموده»: «كانت هذه المنتجات موجودة إلا أن الطلب عليها قليل ولكن الآن الطلب عليها زاد بشكل ملحوظ، كما أن هناك منتجات كنا أوقفنا إنتاجها بسبب قلة الطلب عليها والآن أعدناها إلى خطوط الإنتاج مثل الشوكو الطازج، كما طورنا أصنافاً جديدة للاستجابة لرغبة المستهلك مثل اللبن الحامض بعدما تعوَّد على اللبن الحامض الإسرائيلي». وتابع حداد: «هناك طلب حتى بدون دعاية. وحتى التجار الذين لم يتعاملوا معنا سابقاً، فإنهم أصبحوا يتصلون ويطلبون المواد».
يروي المقدسيون عن حملة المقاطعة بصفتها غير متوقعة، كما أنها غير مخططة، فضلاً عن كونها مفاجئة. ويقول وزير شؤون القدس الحسيني: «الحاصل هو أن السياسة الإسرائيلية فاشلة في كل نواحي الحياة، فقد بدأت باقتحامات الضفة الغربية وخطف وقتل الفتى في القدس، ولاحقاً شن الحرب على غزة.. الناس ضاقوا ذرعاً بالاحتلال، وهم يبتعدون عن كل ما له صلة بالاحتلال. وبالتالي فإن الناس يرضون ضميرهم على الأقل من خلال مقاطعة الاحتلال ومنتجاته. وهذا ما حصل، وهي مبادرة ذاتية تعبِّر عن مكنونات النفس».
رسائل إسرائيلية: عودوا إلينا!
الوجه الآخر للمقاطعة في القدس يتجسّد في مقاطعة مراكز التسوق الإسرائيلية في القدس الغربية. إذ بعدما كانت هذه المراكز تمتلئ بالمشترين من سكان القدس الشرقية، فإنها الآن تكاد تخلو تماماً منهم. ويتلقى السكان في القدس، بشكل متزايد، اتصالات هاتفية ورسائل نصية تدعوهم إلى العودة إلى مراكز التسوق في القدس الغربية مع مغريات تنزيلات كبيرة، أما الشركات الفلسطينية فهي تواجه منافسة شرسة من شركات إسرائيلية ذات إمكانيات كبيرة.
عن ذلك، يقول الرويضي: «كلفة المقاطعة في القدس تقدر بملايين الدولارات حتى الآن. وذلك ناتج عن مقاطعة مراكز التسوق الإسرائيلية والأسواق الإسرائيلية، بالإضافة إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية. وهي ناتجة عن اعتبارات قومية، لكنها أيضاً مرتبطة بالخوف نتيجة الاعتداءات المتكررة من قبل المتطرفين اليهود على الفلسطينيين في القدس الغربية، ورغبة بتفاديها. ونحن نعلم مثلاً أن أحد المحال الكبرى لبيع الملابس في تل بيوت أغلق أبوابه بسبب مقاطعة العرب».
وأضاف: «لقد تزامنت بداية المقاطعة للأسواق التجارية مع شهر رمضان وحلول عيد الفطر، وهي فترة تعتبر ذهبية بالنسبة إلى الأسواق الإسرائيلية.. حتى إنهم كانوا يعطون التصاريح لمئات آلاف السكان من الضفة الغربية للدخول إلى القدس في شهر رمضان، في حين أن إسرائيل كنت تأمل أن يتسوقوا من الأسواق الإسرائيلية».
وعن التضييق على التجار الفلسطينيين، يقول حداد: «مصنعنا في القدس، ومسموح لنا بالتوزيع فيها بشكل طبيعي. ولكن، نعمل منذ 25 عاماً ولم تواجهنا مشاكل كما واجهتنا في هذا الشهر وبطبيعة الحال فإن أغلبها مشاكل كيدية».
وفي مواجهة هذه المغريات، فإن المزيد من المقدسيين يتوجهون الآن إلى أسواق المدن في الضفة الغربية، للتعويض عن المراكز التجارية الإسرائيلية، كما لانخفاض كلفة بعض المنتجات عن سعرها في القدس الشرقية، بما في ذلك الملابس.
المستهلك الفلسطيني غريب جداً
ثمة دافع آخر يكمن خلف مقاطعة المقدسيين للأسواق الإسرائيلية، قوامه الخشية من الاعتداءات التي ينفذها المتشدّدون الإسرائيليون، والتي ازدادت وتيرتها مؤخراً بشكل ملحوظ من دون أن تتحرك الشرطة لكبح جماحها. ما يؤكده الحسيني: «العديد من المقدسيين يقاطعون المراكز التجارية في القدس الغربية بسبب اعتداءات وإساءات وإهانات من قبل المتطرفين اليهود، وبالتالي، فإن الناس ما عادوا يأمنون مشوار القدس الغربية».
ولكن، إزاء تصاعد حملة المقاطعة في القدس الشرقية، فلا السياسيين ولا الاقتصاديين يملكون إجابة محددة حول ما إذا كانت الظاهرة قابلة للاستمرار أو أنها مرتبطة بتطورات سياسية آنية».
ويرى أبو السعود أن «الأمر يحتاج إلى حملة توعية لكي يدرك السكان أنهم يؤثرون فعلاً بالاحتلال الإسرائيلي. فالتقارير الاقتصادية في إسرائيل تشير إلى أن المقاطعة أوجعتهم سواء في أسواق القدس الشرقية أو في الضفة الغربية، إذ انخفضت المبيعات الإسرائيلية بشكل ملحوظ». وأضاف: «ثمة حاجة لأن يقوم التجار العرب بعمل تخفيضات لجذب المستهلكين».
وعن توقعاته، يقول: «أتوقع أن موضوع المقاطعة سيتراجع قليلاً. ولكننا نلاحظ أن هناك ميلاً واضحاً لدى المستهلك الفلسطيني للتوجه إلى المنتجات الفلسطينية، وأعتقد أن تجربة هذه المنتجات قد تجعله يستمر في طلبها. ولكن هناك بعض الناس الذين قرروا مسبقاً أنهم يريدون المنتج الإسرائيلي لاعتقادهم بأنه أفضل».
ويلفت إلى أهمية شبكات التواصل الاجتماعي في هذه العملية: «المناطق التي تسجّل استخداماً كثيفاً لشبكات التواصل الاجتماعي، مثل بيت حنينا وشعفاط ووادي الجوز، يظهر الطلب فيها على المنتجات الفلسطينية ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية أعلى منها في المناطق التي يقل فيها استخدام هذه الشبكات، مثل صور باهر وجبل المكبر».
الرويضي، من جهته، يرى أن «وتيرة المقاطعة مرتبطة بالتطورات على الأرض، لا شك. ولكنني شخصياً أعتقد أنها ستستمر لفترة طويلة، وإن بوتيرة أقل قليلاً».