| 

لكي يتنقل المرء بين الضفّة وقطاع غزّة، فهو بحاجة لاستخراج تصاريح يصدرها الاحتلال. وكذلك هو الحال بين القدس ومدن الداخل المحتلّ. وتلك التصاريح لا تصدر بسهولة، وكثيراً ما لا تصدر "لدواعٍ أمنية". لكن، خلال العدوان على غزّة تمكّن بعضٌ من الجرحى، مثقلين بأوجاعهم، من اختراق هذا الواقع، والدخول إلى الضفّة لتلقي العلاج..

واقع التقسيم ليس بجديٍد على الفلسطينيين، فنكسة العام 1967  وما تبعها من أحداث واتفاقيات حملت معها واقعاً جديداً قسّم الأراضي الفلسطينية إلى مناطق متباعدة، جاعلاً الفلسطينيين في قطاع غزّة في هاويةٍ شبيهة لتلك التي وضعت فيها الضفة والداخل والقدس، كلٌ على حدا. وكانت سلطات الاحتلال قد اتخذت من فوز "حركة حماس" في الانتخابات التشريعية الثانية في العام 2006 وتشكيلها للحكومة الفلسطينية لاحقاً، مبرراً لإحكام سيطرتها على قطاع غزّة، قبل أن تترسّخ هذه الفواصل مع أحداث الانقسام الدامية في العام 2007، خاصةً بعد إغلاق الجانب المصري لمعبر رفح، وهو المنفذ البري الوحيد أمام القطاع إلى العالم الخارجي. ثم فرضت سلطة الاحتلال  حصاراً مُطبقاً على غزة أغلقت معه المعابر التي تربط القطاع بالأراضي المحتلّة والضفّة، وقد طال حركة البشر والبضائع بشكل أساسي.

قصة إسراء

إسراء النملة، ابنة العشرين عاماً، لم تعِ بعد أن حلمها لزيارة الضفة الغربية تحقق، بعدما أصيبت بقذيفةٍ باغتتها وعائلتها أثناء هروبهم من هول القصف في مدينة رفح، جنوب القطاع، صبيحة الأول من آب. كانت نقطة الفصل في حياة إسراء، إذ أيقظتها لاحقاً على واقعٍ مرير لم تخرج من صدمته بعد، إذ وجدت نفسها وعائلتها بأكملها وقد أصبحوا في عداد الأشخاص ذوي الإعاقة، بينما توفي آخرون من الأقارب.
رحلةُ عذابٍ قادتها إلى مستشفى "الأهلي" في الخليل للعلاج، وكانت إسراء تتمنى أن تتمّ هذه الرحلة بظروفٍ أفضل، لكن حسابات العدو الذي يحتلّ البلد والحركة أتت مختلفة.
مدة تقارب الأربع ساعات انتظرتها إسراء عند حاجز بيت حانون ("ايريز") العسكري الذي يقع إلى شمال قطاع غزة، في انتظار السماح لها بالعبور إلى الضفة وكانت اسراء قد حصلت على تصريح عبور بعد تنسيق الصليب الاحمر مع الجانب الاسرائيلي لمرور الجرحى. لم ترأف لها حالتها الصحية الصعبة بالعبور من دون تفتيش، فعاشت الإجراءات إلى جانب جراحها. ويشكل حاجز بيت حانون - إيريز الممر الوحيد للمشاة، الذي يربط بين القطاع والأراضي المحتلة في العام 48، وقد أغلق في العام 2007 فلا تسمح الحكومة الإسرائيلية بعبوره إلا لبعض التجار وموظفي المؤسسات الاجنبية وبعض الحالات الصحية الحرجة. إليه، تضاف أربعة "معابر" تجارية أخرى تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة ولا تفتح بشكل مستمر، لزيادة الخناق على القطاع.

عبورٌ بلا بشر

ما رافق إسراء المصابة من متاعب على حاجز الألم يلازم من تسنح له الفرصة من فلسطينيين والذين يسمح لهم بدخول الأراضي المحتلة وافدين من بقعة جغرافية ما زالت محاصرة مما يزيد عن السبعة أعوام، مارين بمتاعب لا حصر لها.. يقدّمون طلب التصريح قبل مدة تتراوح بين أسبوعين وشهر للحصول عليه، ولا يعني الحصول عليه أن حامله سيعبر إلى الضفّة الأخرى، وإنما عليه أن ينتظر بقلق. عند الوصول إلى الجانب الفلسطيني، يجلس المرء في غرفة الانتظار بعد تسليم بطاقة الهوية إلى الموظف للتأكد من حصوله على تصريح. يتصل موظف الارتباط الفلسطيني بالجانب الإسرائيلي لفكّ السرّ. فإذا كان الاسم حاصلاً على تصريح، يسجل موظف الإرتباط الاسم على الحاسوب، يخرج الشخص، ويمشي قرابة الكيلومتر على الأقدام  في ممرٍ مسيج يلي أول بوابة حديدية من بوابات الحاجز. وفي الحالات المرضية الصعبة، يسمح لسيارات الإسعاف استثنائياً بنقل المرضى حتى نقطة الوصول إلى الحاجز الإسرائيلي، ليبدأ فصل جديد من التفتيش المرهق. في طريق العودة، تعاد الكرة.
عند الوصول إلى حاجز بيت حانون - ايريز العسكري، تتوالى البوابات الحديدية، واحدة تلو الأخرى، ليعبرها العابرون بين الزنزانات الحديدة. فيها، يُفتشون، هم وحاجياتهم. قرابة الربع ساعة يقضيها المرء مشياً على الأقدام بين تلك البوابات، وسط كاميرات مراقبة وأصوات تخرج من الحاسوب ترشده. آلالات إلكترونية وبوابات حديدة، من دون وجود أيّ بشري.
بعد ذلك، يصل المرء إلى نقطة الخلاص لما يستلم تصريح دخول أراضيه المحتلة، من بوابة زجاجية تفصل الوافد عن الجنود الإسرائيليين وجنود آخرين يعتلون البرج العسكري فوق الجميع، مدججين بأسلحة مصوبة تجاه المارين.
عندما يمعن المرء النظر جيداً بالبشر، يلاحظهم يتنفسون الصعداء كأنهم خرجوا من قفص. يستقلون سيارة الأجرة خارج الحاجز، صوب مقصدٍ. تمرّ بهم الطريق بمدن الجنوب المحتلّ، حيث تستقر الحسرة على وطن أخذ منهم قسراً منذ ما يزيد عن الستة عقود.