| 

لأنغام التسجيل الصّوتي الذي ينبعث في داخل الحافلة التي استقلّها يوميًا، أجلس مصغيةً. أنغامٌ في الحقيقة شنيعة وبها نشاز، تُردَّدُ بلغٍة ولكنةٍ عبريّتين أسماء الشّوارع التي نمرّ بها، والمحطّات التي يجدر بالحافلة التوقف عندها.
أسأل نفسي: لماذا يكون التَسجيل باللغة العبريّة حتى في داخل القرى العربيّة التي يمكن ألا يفهم كبارُها على وجه الخصوص، لغة المحتلّ؟ أجد نفسي مباشرةً مع الإجابة: إنّها شركةٌ إسرائيلية، ولا امتيازات للفلسطينيين في داخل الدولة العبريّة، ولو أنّ وجود تسجيل باللغة العربية داخل الحافلة لا يعتبر امتيازًا.


"إيچد" (تعني "تجمّع") هو اسم شركة الحافلات الرائدة في البلاد. يوجد غيرها، لكنّها الأكثر انتشارًا حيث أسكن. ففي مناطق جبل الكرمل وحيفا، اسم "إيچد" هو الأكثر رواجًا.
"سيدك مسعد هو أول سواق باص في عسفيا"، يقول أبي، ويتابع: "وهو اللي فتح الشارع الرئيسي في الثلاثينيات، من دالية الكرمل مرورًا بعسفيا ووصولًا إلى بيت أورن، الشارع اللي بسمّوه اليوم 672 أو أبا حوشي". "بيت أورن" هي تعاونية زراعية يهودية ("كيبوتس")، تم تأسيسها في العام 1934، وكان قبلها اسم المنطقة تل الزعرور. أما "أبا حوشي" فهو أحد مؤسسي دولة الاحتلال.
في الأربعينيات، "إجت شركة "شاحار" (تعني "فجر") اللي تحوّلت اليوم إلى "إيچد"، وشغّلته لسيدك مسعد معهن، وأعطته أسهم".
"سيدي" هو جدّي.

***

أنا لا أحبّ الحافلات، فيها من التناقضات ما يكفي لجعلي أكرهها، أفضّل التاكسي أو سيارة الأجرة الجماعية التي لم يتبق منها في عسفيا إلا اثنتين وواحدة في دالية الكرمل، حسبما سمعت من حديث السائقين.
أفضّلها لضمان الجلوس فيها ولسرعة الوصول، وطبعًا، لعدم وجود التسجيل الصوتي الذي يرافق سمعي حتى عند محاولة عزل نفسي عنه. فلا أسمع مثلاً أننا في شارع بلفور أو هرتسل، لا أشعر بمرورنا قرب "مستشفى بني صهيون"، ولا أدرك أنني وصلت إلى قريتي، لأن سيارة الأجرة لا تحوي تسجيلاً يقول اننا وصلنا إلى محطة "المقبرة العسكرية".
حين أقصد السّفر شمالاً، أُجبر على سماع عكّو بدلًا من عكّا، وتسفات بدلًا من صفد. أُجبر على الجلوس بجانب جنديّ بسبب الاكتظاظ، لا أدري هو عائدٌ من أين وماذا فعل قبل عودته إلى دياره المزعومة. أُجبر أحيانًا على الجلوس بجانب شاب يرتدي قميصًا نُقش عليه اسم "تسوك إيتان"، وهو الاسم الذي أطلقه الإسرائيليون على العدوان الأخير على غزة.
وأحيانًا أخرى، أُجبر على تبادل الحديث مع مسنّةٍ يهوديّةٍ، تحدّثني عن ولادتها في الشّام أو في رومانيا، وعن مجيئها وأهلها إلى أرض الميعاد.
في غزّة، الوضع آخرٌ. تحدّثني صديقتي سكاب عنه: "غزّة مدينةٌ صغيرة، أتساءل دائماً: ليش هالسجن الصغير بيسمّوه مدينة؟". التّنقل فيها سهلٌ جداً، أينما وضعت قدمك تستطيع إيجاد سيارة أجرة. على الأغلب، الناس العاديون يستقلون هذه السيارات من الشارع لأنها غير مكلفة. أما الطبقة المتوسطة فتعتمد بشكل كامل تقريباً على سيارات الطلب من أي مكتب قريب، فلا تختلط بالناس وتحافظ على الخصوصية. وأحياناً، تستقلها لضمان سكوت السائق مثلاً.
من حديث السائق الذي لا أفق لنهايته، تكون الدقائق الخمسة في سيارة الخط كافية لضمان معرفتك بأخبار البلد، بدءاً من ارتفاع سعر البنزين أو السولار، وصولاً إلى الشيكل الذي "بطّل يوّفي معنا". وهناك سائق يدعو للحكومة، وآخر يسبّها.
تقول سكاب: "قبل الحصار، لمّا كنت بركب سيارة عن الخط، ولا عمري كنت بحس إنه غزة مدينة فلسطينية، وإنه إحنا إلنا علاقة باللي بصير برّا. بس آخر سبع سنين، بالحصار، كانت الأحاديث كلها عن الحاجز، الكهربا، المواتير، السولار، في رواتب ولا لأ؟ و إذا بتمرق ع اعتصام للأسرى، بيحكي السواق: إيش بدهم يعملوا للأسرى؟ القضية انباعت زمان".
أحاديث مكرّرة و مملّة، روتين قاتل: "لو ركبت عشرين مرّة باليوم رايح جاي، رح تسمع نفس الهمّ، ونفس الوجعّ".
ولكن، بعد الحرب، سكت السائق الذي كان يحدثك طول الطريق بحكايات لا تنتهي. "والحكي اللي كان بيزعجك وبذكرك بمأساة غزّة، صرت تشتاقله وبخطرلك تسأل السواق: إيش في أخبار بالبلد؟".

***

للمرّة الأولى، ومن دون تخطيط أو تفكيرٍ مسبق، أرفعُ نظري خلال الدقائق الأولى لمسار الحافلة، وهذا ما أجده أمامي: تغيّر في المسار منذ بداية الطريق الذي تسلكه الحافلة في أيام الجمعة، فتختار لها وجهةً تمرّ عبر في حيّ وادي الصليب، أحد الأحياء المهجّرة في حيفا، ولا تمرّ في "الهدار". ألاحظ تفاصيل هذا التغيير الذي قد يكون مرتبطاً بتوقف العمل في مساء السبت، للمرة الأولى فقط. إذ تبدأ طريقها بالقرب من وادي النسناس، حيث سكن المبدعون محمود درويش وراشد حسين وتوفيق فيّاض. كيف لي أن أتعامل مع الأمر وكأنه عادي؟ كيف لي أن لا أشعر بروح واحد منهم تصعد إلى الحافلة عند توقّفها في شارع الخوري مثلاً؟

***

- شو رأيكو نطلع ع القدس؟
- كيف بدنا نطلع؟ وهيك بدون تخطيط؟
- منطلع بالسيارة، اليوم السبت مهو فش مواصلات!

للسبت نكهةٌ أخرى في دولة الاحتلال. نكهةٌ تتطلب من الجميع أن يلغوا مشاريع معيّنة، لصعوبة توفّر سيارة نقل في أمسيات الجمعة وأيام السبت.
في ذاك السبت، توفّرت سيارة. جمعنا أنفسنا بشكل تلقائي، وتوجّهنا إلى القدس. مررنا بقرب قرية أم الزينات المهجّرة، وتجمّع "الياكيم" السكاني الذي أقيم على جزء كبير من أراضي قرية دالية الكرمل، عبورًا بمركز فلسطين بجانب قرى المثلث.
وصلنا إلى القدس. أخطأنا الطريق ودخلنا إلى حيّ للمتدينين اليهود.
- ولك إطلعي من هون بسرعة! ممنوع تفوت سيارات على هذا الحي يوم السبت! إسا بيقتلونا!
أنا قلت ذلك لصديقتي بنبرةٍ ملؤها الذعر، وكنا في هذه الأثناء نتلقى نظرات غضب من اليهود، من طفلٍ يبلغ من العمر سبع سنوات وحتى الرجل البالغ للثمانين من عمره. كان الحيّ مليئًا بالمتديّنين، رجالًا ونساءً.
تحسّباً، أخرجتُ من حقيبة يدي علبة الغاز المسيل للدموع. كانت قد أعطتني اياها عمَتي لأدافع بواسطتها عن نفسي في حال وقوعي في مشكلة.
فتح صديقي الشبّاك ليسأل أحدهم عن المخرج. ظلّ يسأل ويسأل من دون أن يلتفت أحد إلينا بإجابة. غرقتُ في الضحك ولم أجرؤ على أن أرفع رأسي حتى أصبحنا خارج الحي تمامًا. ضحكتُ خوفًا.

***

انتهى الكلام عند بلوغنا حاجز قلنديا، بعدما قررنا التوجه إلى رام الله. إذ أوقف الجيش حافلةً جانبًا، كُتب عليها بالعربية: "القدس- رام الله"، وراح يفتّش كلّ من كان على متنها. لا أعلم إذا سمحوا لهم بالدخول بعد ذلك. لا أعلم.
يغمرني هناك حنينٌ مختلف لتفاصيل لم أعشها، لم أتعرّف إليها عن قرب. حنينٌ إلى أماكن تسكنني من دون أن أسكنها.
أفضّل أحيانًا أن أكتفي بتخيّلها.. أو أتوقُ إلى ذلك.