| 

في ظل وضعٍ اقتصاديّ يزداد سوءاً، يقبل الفلسطينيون على «أسواق الخردة» المنتشرة في أرجاء الضفة الغربية. ويقصد المواطنون هذه الأسواق لشراء سلع مستعملة يأتي معظمها من إسرائيل، كالأدوات الكهربائية المنزلية وأدوات المطابخ والملابس والأحذية والأكسسوارات. ويشهد السوق إقبالاً كثيفاً كل يوم سبت، وهو اليوم الذي يجلب فيه التجار البضاعة «الجديدة» من إسرائيل.
سوق خردة» رام الله والبيرة يقع بالقرب من مسجد عبد الناصر، بين سوق الخضار ومجمّع الحافلات. ولم تهدأ حركة الزبائن فيه منذ أكثر من خمسين عاماً. رصدت «السفير» آراء بعض التجار العاملين في السوق بحثاً عن نشأته، فأوضحوا أن «سوق الخردة» في رام الله كان يسمى «سوق الرابش»، وهي كلمة إنكليزية معناها «قمامة».
يقولون إن الحاجة خلقت هذا السوق، إذ قصدته النساء قبل أكثر من خمسين عاماً وعرضن فيه بضاعتهن المستعملة للبيع، وأصبح السوق في ما بعد مصدر رزق رئيسي لهن.
وأشاروا إلى عاملٍ آخر أسس للسوق، قوامه السياسة الإسرائيلية في التضييق على العمال الفلسطينيين لجهة عدم إعطائهم تصاريح للعمل في تل أبيب. ما أدى إلى عمل العديد منهم داخل هذا السوق والأسواق الأخرى المنتشرة في الضفة الغربية، ما ساهم في ازدهارها. ويبقى العامل المحوري في هذا الإزدهار مرتبط بسوء الوضع الاقتصادي. ولكن، هذه المرة، يبدو أن سوء الوضع بات يمسّ حتى بعمل هذه الأسواق البديلة.
محامون وأطباء
يتفحص رواد السوق باهتمام شديد السلع التي يفكرون بشرائها، فهم يدركون أن الحظ يؤدي دوراً كبيراً في استثمارهم هذا. إذ إن السلع قد تكون غير صالحة للاستعمال، نظراً لكونها مستعملة، كما لا يبدي الزبائن عادةً اهتماماً أمام التجار خوفاً من استغلالهم. ففي أثناء تفحصه لسخان ماء كهربائي سعره 25 شيكلاً، يجادل المواطن محمد النجار البائع، بالقول: «من هون لهون السعر غالي وممكن يكون مش شغّال!». وبعد نقاش دام لنحو نصف دقيقة، يتفق الطرفان على سعر مقداره 20 شيكلاً.
يشرح المواطن لـ«السفير» أثناء سيره في السوق المليء بـ«الشوادر» لحماية المواطنين والتجار من أشعة الشمس: «أنا أعلم أن سعر السخان رخيص لكن الوضع الاقتصادي يجبرني على مفاصلته حتى أوفر كل شيكل»، وأضاف: «آتي إلى هنا بشكل دوري لشراء بضاعة مستعملة وأنظفها وأصلحها إن كان فيها عطل ثم استخدمها».
أما البائع إياد الذي يقف خلف بسطته عارضاً للزبائن الإكسسوارات والأجهزة الكهربائية المستعملة والمغبرة فيقول: «طوال فترة عملي هنا منذ عشر سنوات وأنا أشتري بضاعتي من إسرائيل ثم أعرضها في السوق . أسماء الزبائن لن أذكرها، ولكن موظفين وأطباء ومحامين يأتون كل يوم سبت إلى بسطتي وإلى السوق بشكل عام، ومنهم من يملك المال لشراء البضاعة الجديدة». يؤكد تاجر ثانٍ ـ فضّل عدم كشف اسمه ـ امتزاج طبقات الزبائن الاقتصادية: «نعم، هناك أطباء ومحامون وموظفون يأتون إلى هنا لكن نحن لا نصرح بهذا الأمر بشكل علني».
وعن يوميات الباعة، يحكي الحاج فؤاد غيث الذي يبيع الأحذية وأواني المطبخ، بينما يداه مشغولتان بتنظيف إحدى هذه الأواني: «آتي إلى هنا من القدس في أيام السبت والأحد والإثنين منذ خمسين عاماً حتى أسترزق. ولدي مخزن في السوق، إذ أحفظ بضاعتي داخله».
ويروي عن نمو الأيام على السوق: «لم يعد كالسابق، فالوضع الاقتصادي السيئ أثر علينا. أكثر الأيام التي نسترزق فيها تكون عندما يقبض الموظفون فقط».
ولذلك، يجد عدد من الباعة أن دفع مبلغ قدره ثلاثمئة شيكل شهرياً مقابل حجز موقع لهم واستمرار عملهم في السوق، بالإضافة إلى مبلغ 150 شيكلاً للحرّاس، قد بات عبئاً ثقيلاً لا سيما أن السوق لم يعد يعمل كالسابق، وفق أقوالهم.
من إسرائيل إلينا
يشتري الباعة بضاعتهم من تجّار متخصصين بمجال البضائع المستعملة، يأتون بها من البلدات الإسرائيلية والمدن الفلسطينية الواقعة داخل الخط الأخضر. يعملون على تنظيفها جيداً، وإعادة طلائها إذا احتاج الأمر ذلك.
ويظهر ذلك بشكل واضح في «سوق بيت عوا» جنوب غرب الخليل، الذي يحظى بشهرة كبيرة بين أوساط الفلسطينيين. إذ يبيع التجار هناك سلعاً قيّمة وكبيرة الحجم، كالبلاط والأثاث وغرف النوم والمكيفات والمطابخ والأدوات الرياضية، فيقبل عليه الموطنون بكثرة، ومنهم من يستأجر شاحنة تجارية لنقل السلع التي اشتراها من هناك. فيشرح المواطن العامل علاء عايد من مدينة رام الله إنه ذهب إلى بيت عوا «واشتريت شروة بلاط (الشروة: كمية من سلعة بسعر مخفض) لمنزلي بقيمة ثلاثة آلاف شيكل بدلاً من أن أدفع عشرة آلاف من محل متخصص ببيع البلاط. سأصلّح المكسور منها، يبقى أوفر من الجديد».
تجدر الإشارة ختاماً إلى أن البيانات الرسمية المنفصلة التي أصدرها كل من «جهاز الإحصاء المركزي» ووزارة العمل، تفيد بأن نسبة 48 في المئة من الفلسطينيين من أصل 5.9 ملايين نسمة تعيش تحت خط الفقر الذي حدّد بـ2300 شيكل (650 دولاراً) في الشهر.. فيما لا يتعدى الراتب الأساسي للموظف الحكومي قيمة 1800 شيكل (500 دولار).