| 

في «ما بعد حقوق الإنسان»، يتحدّث الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبن عن اللّاجئين/عديمي الجنسيّة وحقوق الإنسان والدولة القوميّة، كثلاثة متغيّرات مترابطة، تحدّ من بعضها البعض، وتفكّك بعض المسلّمات السياسيّة في العالم الحديث. فيشدّد أغامبن على أنّ اللّاجئ يجب أن يكون نقطة البداية لأيّ تصوّر مستقبلي للمجتمع السّياسي بحكم كونه جسماً سياسياً يقلقل أسطورة حقوق الإنسان في الدولة القوميّة، بعدما فشلت الأخيرة في استيعابه سياسيّاً. فيبقى اللّاجئ التّكوين السّياسي (أو اللّاسياسي) الوحيد الّذي يظهر محدوديّات نظامها السياسيّ العابر، إلى حين انحلاله بالتّمام.
اللّاجئ، كحالة مؤقّتة، لا يستطيع الاشتراك في السّياسة إلى أن تفتح السّياسة أبوابها لتعريفه كجزء منها، كجزء دائم منها. ما لا تستطيع الدولة القوميّة فعله إلّا عن طريق توطينه أو طرده: بالتّوطين، لا يبقى لاجئًا. وبالطّرد، لا يكون ذا وجودٍ سياسيّ. في الحالتين إذاً، لا وجود سياسياً له كلاجئ. في الحالتين، يقوّض اللّاجئ مقدرة دولة القوميّة على التّعامل معه كإنسان (يستحقّ الاستيعاب كغيره) أوّلًا، وكحالة سياسيّة ثانيًا.

هنا قصّة مثالية تجسّد النقاش المؤرق للدولة الحديثة، وهو نقاشٌ تفرضه حال اللجوء:
تمام الزّبيدي هي إمرأة فلسطينية من مواليد الحيّ الأفريقي داخل أسوار البلدة القديمة في القدس. أصبحت تمام اليوم معدودة على عديمي الجنسيّة في العالم، بعدما سحبت منها البيروقراطيّة (التّطهيريّة) الإسرائيليّة وثيقة إقامتها، متذرّعةً بحجّة أنّ تمام لم تقطن في القدس في السّبع سنوات الأخيرة - وبالتّالي، فهي ليست بحاجة لبطاقة هويّتها المقدسيّة. وكانت تمام قد غادرت القدس قبل ثماني سنوات لتلتحق بزوجها صبحي الزّبيدي في كندا، ريثما ينتهي هو من تعليمه في إحدى جامعات مدينة فانكوفر، مفتتحةً هناك مطعمًا لها تقدّم فيه الشيشبرك والمجدّرة والمغربيّة على الطّريقة المقدسيّة، لسعادة أو تعاسة البعض، كلٌّ بحسب ذوقه. لكنّ خبز مطعمها لا يستطيع إشباع البيروقراطية الكنديّة - من دون أوراقها الثبوتيّة، البطاقة المقدسيّة المسحوبة، فلا تستطيع تمام تجديد إقامتها في كندا. كما لا تستطيع العودة إلى القدس. ولا السّفر إلى الأوروغواي أو موريشيوس، بطبيعة الحال. وبينما قد تستطيع هي التّوجّه إلى إيفو موراليس، رئيس بوليفيا المتضامن مع الفلسطينيّين، لمساعدتها، فسيكون عليها إقناع عاملي شركة الطّيران أوّلًا بأن يدعوها تسافر من دون جواز سفر، أو وثيقة سفر، أو بطاقة هويّة.
وبينما تفادى والداها تهجير النّكبة من القدس، وتفادت وزوجها اللّجوء زمن الانتفاضة الثّانية، انضمّت هي في كندا إلى الخليط الجميل من عديمي الجنسيّة وعديمي الإقامة واللّاجئين. وجمال الخليط، أو جماليّته النّظريّة، ينبع من ضعضعته لهيمنة الدولة القوميّة وسلطتها، أيًّا كانت وأينما وُجِدت.. أو ذلك أقلّه، بحسب أغامبن.

البادرة العبثية المقلقة
وجود تمام في كندا من دون إقامة مقدسيّة أو كنديّة يحدّد من حقوقها (في الحركة والعمل وغيرها) في كندا، ويحرمها من العودة إلى موطنها. لكنه، في الوقت ذاته، يضعضع من المكانة السّياسيّة للدّولتين الاستعماريّتين، كلٌّ بطريقتها، الإسرائيليّة والكنديّة، بحيث تحتّم عليهما التّعامل مع حالة سياسيّة غير معرّفة في قاموسيهما. فبينما قد تأمل دولة الاحتلال بالتّخلّص من إحدى ساكناتها الأصليّات عن طريق سحب إقامتها، فإنّ الدّولة المضيفة (كندا) غير مؤهّلة، بتركيبتها الحاليّة، لاستقبال هذه البادرة العبثيّة. هي غير مؤهّلة لاستيعاب تمام من دون إثباتات لهويّتها السّياسيّة. فكندا بدورها، كغيرها من الدّول، لم تحدّد بعد دور الإنسان المجرّد سياسيًّا في منظومتها السّياسيّة. أي من المستحيل على دولة القوميّة الحاليّة استيعاب الإنسان كإنسان من دون حصره داخل تعريفات سياسيّة. وبالتّالي، بحكم كون تمام خارجة عن هذه التّعريفات، وبحكم انتقاليّة حالتها، تتجاوز هي الحواجز السّياسيّة التّقليديّة، ولو كان ذلك مجازًا فقط.
ويتبع "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" النّموذج ذاته عند حواره مع اللّاجئ. فبينما يفترض أن يشكّل اللّاجئ الجسم المثالي لتطبيق "حقوق الإنسان"، يصبح اللّاجئ دليلًا على أزمة واقع تطبيقها: الإنسان (ككائن يتمتّع بحقوقه كإنسان) يتقوّض تحديدًا عند تعريته من كلّ شيء عدا بيولوجتيّة. إنسانيّة الإنسان تنهار عندما لا تبقى له غير جسديّته، مع كلّ ما في الأمر من تناقض. بكلمات أخرى، يفقد الإنسان حقوقه الإنسانيّة عندما يفقد مكانته السّياسيّة.
بحسب أغامبن، تتجاهل دولة القوميّة حقوق الإنسان عند فقدانه لكلّ ممتلكاته وذكرياته وبالأخصّ مكانته السياسيّة. تتجاهل الدولة حقوق الإنسان عندما يكون الأخير في أمسّ الحاجة إليها. تتجاهلها عندما يصبح الإنسان (المواطن) لاجئًا (غير مواطن)، أو عندما تنتهي "صلاحيّته" السّياسيّة ويصبح إنسانًا "بيولوجيًّا". وهنا تحديدًا يشكّل اللّاجئ عاملًا راديكاليًّا يضعضع هذه المفاهيم العدليّة - السّياسيّة. فمواجهته - مواجهة إنسان فقد كلّ شيء عدا إنسانيّته، بالمعنى الحرفي للكلمة - توجب على منظّري حقوق الإنسان إعادة التّفكير بمفهوم الحقوق برمّتها. فزعمها بأنّها لا تفرّق بين الإنسان والآخر، بغضّ النّظر عن تعريفه السّياسي، ينهار أمام إنسانيّة اللّاجئ المتجاهَلة.

ما بين البيولوجيّ والسياسيّ
المشكلة تكمن في منظومة دولة القوميّة وتفرقتها بين المواطن (الكائن السّياسي) والإنسان (الكائن البيولوجي). فهذه الحقوق التي من المفترض أن تكون محرّمة وغير قابلة للتّأويل، تصبح مباحة وقابلة للتّأويل عند انفصال الإنسان عن المواطن، أو عند خروج الكائن البيولوجي من نطاق الدّولة السّياسي.
وبما أنّ دولة القوميّة تنظر إلى اللّاجئ/عديم الجنسيّة كحالة مؤقّتة لا غير، يصبح تشريع وجوده داخلها كإنسان مستحيلاً. وتحتّم زمنيّة الحالة، في مفارقة شاعريّة أخرى، انتظار عبورها إلى الاستدامة قبل استيعابها داخل منظومة الحقوق. أيّ، من دون تحويل اللّاجئ إلى كائن سياسي دائم، يبقى الكائن البيولوجي ذا حقوقٍ منقوصة. وهي حال اللّاجئين الفلسطينيّين، والعديد غيرهم، خارج موطنهم. تعريف الإنسان من خلال المواطنة، تعريف البيولوجي من خلال السّياسي، وليس العكس، يحوّل الحقوق لحالة زمنيّة، حقوق تُنسب إلى الإنسان فقط عند استيعابه داخل تجربة المواطنة السّياسيّة (وهي تجربة دائمة التّلاشي).
لكن، أمام شراسة هذه الدّائريّة، يأتي اللّاجئ ليسائل شرعيّة هذه التّعريفات وإسقاطاتها عليه ككائن ما بين البيولوجي والسّياسي، ككائن ينتقل ما بين جزء من الدولة القوميّة (بحكم وجوده الجسدي داخلها) وجزء خارج عنها (بحكم تجاهل سياسيّة وجوده). ما بين كائن يطالب بحقوقه كإنسان وحالة سياسيّة غير معرّفة سياسيًّا. وبالتّالي، بمجرّد وجوده داخلها، يضع اللّاجئ/عديم الجنسيّة الدولة القوميّة وحقوقها أمام أزمة تعريف لذاتها. فيضعضع الأسطورة المُؤَسِّسة للدّولة كجسم قادر على استيعاب الإنسان بجميع أشكاله، ويثبت فشل تطبيق حقوق الإنسان داخل النّظام السّياسي الحالي لدولة القوميّة.

المفاتيح وحنظلة وغيرها
يكشف اللّاجئ أيضاً زيف الفرق المُختَرَع بين الإنسان والمواطن، ليثبت بأنّه، من غير مواطنة، يفقد هو حقوقه كإنسان، وليثبت بأنّه لا فرق بين الإثنين. لا فرق، بنظر الدّولة، بين الإنسان والمواطن. لا فرق بين السّياسي والبيولوجي. الدّولة لا تفصل بينهما. تحتاج الأوّل لتحتوي الآخر. وهو تمامًا عكس ما تدّعيه في أسطورتها.
ومثالًا على ذلك، يذكر أغامبن اللّاجئين الفلسطينيّين كمتغيّر وكجسد ينخر في كيان "الدّولة الإسرائيليّة"، ويغيّرون به عن بعد ومن حيث يقبعون. وجودهم خارج فلسطين وتطلّعهم إليها وجبالها من الخارج، يقلقل، بهدوء، أسطورة دولة القوميّة المبنيّة على أرضهم. المفاتيح وحنظلة وغيرها من الرّموز (التي قد تحتاج التّحديث لإنقاذها من الرّتابة) تستمرّ في الظّهور في لاواعي المحتلّ إلى أن تواجهه في واعيه. أصوات اللّاجئين، التي نادرًا ما تُسمع في ضوضاء الفعل السّياسي، لن تخفت، شاء اللّاجئون أم أبوا. فوجودهم خارج الإطارين السياسي والحقوقيّ هو جلّ ما يحتاجون لقلقلة حالتهم الكافكائيّة الرّاهنة.
بفعل تجريد تمام الزبيدي من مقدسيّتها، تصبح تمام تذكيرًا (محلّيًّا وعالميًّا) لاستحالة وجودها السّياسي أينما كانت من دون استيعابها في "دولتها" الأصل. تصبح تذكيرًا لزيف منطق حقوق الإنسان، وفي الوقت ذاته تذكيرًا لاستحالة الوجود السّياسي للدولة القوميّة اليهوديّة من دون مواجهة تمام في سياقها الإنساني والسّياسي. إذا لم تجدّد إقامتها، ستعيدها كندا إلى القدس، وهو عكس ما تريده السّياسة الإسرائيليّة. وإذا جدّدتها، ستضطر للاعتراف بوجودها السّياسي والتّبحّر فيه، أقلّه نظريًّا.
لكن.. مقابل النّظريّات والمجاز، وأمام جماليّة وصف اللّاجئ كشخصيّة متمرّدة، تبقى حدود دولة القوميّة أشدّ قبحًا وصرامةً من مجاز الفكرة. وتبقى محدوديّة الحركة والعمل أقوى من التّمرّد النّظري. وهنا أيضًا، يبقى اللّاجئ بين البينين، يتمرّد تارةً كفكرة وينقبض تارةً أخرى كجسدٍ منسي منوط بدمغة الختم على ورقة.