| 

تتحدى عائلات فلسطينية كثيرة الاحتلال ببقائها على أرضها، متجاهلةً المشاريع والاتفاقيات التي قسّمت فلسطين إلى مناطق "أ، ب، ج" أو "A. B. C". فيتحدى سكان المناطق "ج" تهديد الاحتلال اليومي لهم بتدمير البيوت والترحيل بحجة أنها مناطق عسكرية مغلقة، كما حصل في خربة طانا شرقي نابلس، حيث هدمها الاحتلال عشرات المرات مُعلناً أنها منطقة عسكرية مغلقة.

يعود هذا التقسيم إلى اتفاقية أوسلو الذي نصت بعض فقراتها على تقسيم الضفة الغربية إلى قطاعات جغرافية تحمل حروفاً أبجدية هي: "أ" أو "A"، وتمثل نسبة 18 في المئة من مساحة الضفّة، وللسلطة الوطنية الفلسطينية السيطرة الكاملة عليها، "ب" أو "B" وتمثل نسبة 21 في المئة من المساحة وتسيطر عليها السلطة الوطنية الفلسطينية تعليمياً وصحياً واقتصادياً وتبقى السيطرة الأمنية لإسرائيل فقط، و"ج" أو "C" التي تمثل نسبة 61 في المئة من مساحة الضفّة وتسيطر عليها إسرائيل سيطرة تامة.

"ضيعة ضايعة" داخل مدينة

المناطق "ج" أو "C" التي تسيطر عليها إسرائيل تماماً، تتوزع في كل أنحاء الضفة الغربية، وقد تكون قرية بأكملها أو جزءا منها أو آلاف الدونمات من الأراضي أو شوارع رئيسية وفرعية أو مواقع أثرية. فيها، تبدو المعاناة جلية: شوارع مليئة بالحفر "لا تصلح لأن تسير عليها الماشية" على حد تعبير السكان، نفايات ملقاة على الأرصفة وأمام البيوت، ومواصلات غير مؤمنة إلا عندما يدفع المواطن مبلغاً مضاعفاً كي يقتنع السائق بالوصول إليها. أما طلاب المدارس فيمكننا القول إنهم "يسافرون" يومياً إلى مدارسهم بسبب المسافة الطويلة التي يقطعونها مشياً على الأقدام. وتعتبر الضاحية العليا الواقعة على قمة جبل جرزيم إحدى هذه المناطق.
لينا طاهر هي طالبة في الثانوية العامة، يضيع أغلب وقتها في طريقها من المدرسة وإليها. تعاني من الحر في الصيف، والبرد والمطر في الشتاء. تقول لـ"السفير": "تقع المدرسة في وسط مدينة نابلس، فنمشي يومياً ما يقارب 8 كلم ذهاباً وإياباً. وإذا أراد أحدنا أن يركب بالتاكسي، يرفض السائق إيصاله بمجرد معرفته أنه يسكن في الضاحية العليا". وتتابع: "باصات الروضة ترفض الوصول إلينا لأن الشوارع سيئة، وبالتالي هناك خطورة على أطفال الروضة من المشي في الشوارع".
إلى طلاب المدارس، تبقى الطريق شاقة بالنسبة إلى مواطني الحياة اليومية أيضاً. فتشرح وفاء عصفور: "نجد صعوبة بالغة في العيش هنا، ففي أيام الشتاء تنقطع المواصلات تماماً، ولا نستطيع الوصول إلى وسط المدينة حتى بسياراتنا الخاصة، وكل من نتوجه لهم من المسؤولين يقول لنا إن المنطقة خارج حدود البلدية". وتضيف: "أحياناً، يعرض علينا المستوطنون الذين يسكنون في مستعمرة بجانبنا، بيع منازلنا بمبالغ باهظة الثمن، لكننا نرفض رغم المعاناة التي نعيشها. توجهنا إلى وزارة الحكم المحلي، وبعد عناء طويل، صدر قرار في شهر أيلول 2011 بفتح الطريق، ولغاية الآن لم يُنفّذ".
تعتبر المناطق "ج" التابعة لمدينة نابلس قريبة جداً من مركز المدينة، ولكن الخدمات المقدمة فيها لا ترقى إلى مستوى الخدمات المقدّمة للخرب النائية. يقول أبو ثائر الشلختي، أحد سكان منطقة الضاحية العليا: "عندما يتساقط الثلج، لا تتمكن جرافات البلدية والدفاع المدني من الوصول إلينا لفتح الشارع أو إنقاذ مريض. وفي إحدى المرات، اضطرت امرأة للإنجاب في البيت لصعوبة وصول سيارة الإسعاف لها. وفي مرة أخرى، وقعت مسنة عندما كانت تمشي في الشارع بسبب الحفر، وأصبحت مقعدة.. تكثر حوادث السير أيضاً للسبب ذاته".
ويتساءل أبو ضياء غنيم عن سبب إهمال الحكومة الفلسطينية للسكان الذين يعيشون في المناطق "ج"، بدلاً من تكريمهم لأنهم لم يتركوا أرضهم، على الرغم من أن الاحتلال يوجّه إليهم دائماً إخطارات جماعية بهدم بيوتهم، وصل عددها آخر مرة إلى 15 إخطاراً. ويقول: "البلدية ووزارة الحكم المحلي غير عاجزة عن شق طريق بطول 1 كم وعرض 7م لا تزيد تكلفته عن 400 ألف شيكل إلا أنه يخدم أكثر من ألف نسمة".


ممكن.. غير ممكن

تتحمل وزارة الحكم المحلي مسؤولية تقديم الخدمات للمواطنين الفلسطينيين في كل أنحاء الضفّة الغربية. وعلى الرغم من منع الاحتلال لسكان المناطق "ج" من تحسين ظروف حياتهم، إلا أن الوزارة تستطيع تجاوز هذا المنع ومساعدتهم، كما حصل في بعض المناطق. وبحسب السكان، فالاحتلال لا يعيّن مراقباً على الوزارة كي تعجز عن شقّ شارع.
ولكن، يؤكد رئيس بلدية نابلس غسان الشكعة أن البلدية لا تستطيع تقديم الخدمات للمناطق "ج" التي تقع داخل مدينة نابلس لأنها خارج المخطط الهيكلي لحدود البلدية، "وبالتالي، هي ليست من صلاحياتها حسب القانون الفلسطيني.. ولو قدّمت البلدية أية خدمة، سيأتي أحدهم وبكل سهولة ويتهمها بإهدار المال العام".
يختلف الرأي لدى المدير العام لوزارة الحكم المحلي سمير دوابشة، إذ يقول إن "البلدية بإمكانها تقديم الخدمات رغم أنها غير ملزمة حسب القانون الفلسطيني، لكنها تستطيع المساهمة مادياً في شق طريق الضاحية العليا"، مؤكداً أن "مشكلة التأخر في هذا الشارع كان بسبب عدم توافر التمويل، بالإضافة إلى أن الجهات الأجنبية المانحة ترفض أن تباشر بأي بناء في المناطق "ج" من دون الحصول على تصريح موافقة من إسرائيل".
ويشدد دوابشة على ضرورة إيجاد حلّ يضمن الحياة الكريمة لسكان مناطق "ج"، لأنهم "يتعرضون لمعاناة شديدة، وتستطيع الوزارة تجنيبهم إياها إذا قررت العمل بالخفاء". يقول: "وزارة الحكم المحلي تقف عاجزة أحياناً. ففي منطقة فروش بيت دجن في شرق نابلس، لا نستطيع بناء عيادة طبية تنقذ الأهالي والأطفال الذين يتعرضون للدغ العقارب والأفاعي ويموتون أحياناً بسببها، كما أن الاحتلال يمنعنا من تمديد الكهرباء وشبكات المياه وشق الطرق".
ويضيف: "حاولنا شق شارع في منطقة اليانون لكننا أيضا لم نستطع، حيث يمنع الاحتلال أهالي تلك المنطقة من الوصول إلى أراضيهم التي تقدر بـ20 ألف دونم".


"شارع الموت"

يعاني المواطنون الفلسطينيون الذين يسكنون في المناطق "ج" من مشاكل تدوم لسنوات بسبب جهل المسؤولين وإهمالهم. ويؤكد المسؤول د. س. (فضّل عدم ذكر اسمه) لـ"السفير" على وجود تقصير من قبل وزارة الحكم المحلي في مساعدة هؤلاء المواطنين، حيث إن الاحتلال قد يغلق بعض الطرق في تلك المناطق وينسى وجودها، لكن الوزارة لا تملك الجرأة الكافية حتى لإزالة ساتر ترابي قد يسهل حركة آلاف المواطنين.
ويكشف عن جهل في وزارة التخطيط على مستوى التفريق بين المناطق "ج" والمناطق "ب"، كما حصل في شارع حوارة الذي يربط بين نابلس ورام الله ويُطلق عليه لقب "شارع الموت" لكثرة الحوادث التي يشهدها، بشكل شبه يومي. يقول د.س.: "بقيت وزارة الحكم المحلي ووزارة التخطيط تتعامل مع شارع حوارة على أنه ضمن المنطقة "ج" وترفض القيام بأي إصلاحات فيه أو بناء جسور للمشاة تفادياً لحوادث السير، ليتبين في ما بعد أنه يقع ضمن المنطقة "ب" التي تملك السلطة فيها زمام الأمور ما عدا تلك الأمنية. إن جهل المسؤولين يكشف أنه لم يكن لديهم الاهتمام الكافي بمخططات المناطق الفلسطينية، وبالتالي تسببوا بموت عشرات المواطنين".
ويكشف د.س. لـ"السفير" عن تلكؤ سلطة الأراضي الفلسطينية في استلام آلاف الدونمات من الأراضي التي سلّمتها إسرائيل لها في عدة مناطق، إذ لم ينفّذ موظفو السلطة لغاية الآن الإجراءات اللازمة للاستلام. ويوضح أن "تلك الأراضي تعود ملكيتها لفلاحين فلسطينيين ومزارعين ينتظرون الوصول إلى أراضيهم لاستصلاحها والعمل فيها".
قد لا يخطر ببال أحد أن بعض المناطق التابعة للسلطة الفلسطينية "أ" أو "A" يتوسطها شارعٌ رئيسي يعتبره الاحتلال واقعاً ضمن المنطقة "ج" أو "C"، تماماً مثل شارع فيصل الذي يبدأ من مدخل مدينة نابلس ويمتد إلى عمقها. وقد عمد الاحتلال إلى تقسيم الضفة الغربية بهذا الشكل ليعيق قيام دولة فلسطينية في المستقبل، ويحكم السيطرة على الأراضي ويسهل العمليات الاستيطانية، ويسيطر على المواقع الأثرية التي يتركز وجودها في مناطق "ج".