| 

تواصل النائبة الفلسطينية خالدة جرار رفضها تنفيذ الأمر الإسرائيلي الصادر في العشرين آب/أغسطس الماضي بإبعادها من رام الله إلى أريحا، مستمرّةً بالاعتصام في مقرّ المجلس التشريعي في رام الله بمساندة مؤسسات حقوقية ونواب ونشطاء من كافة الفصائل الفلسطينية.
حرب الإبعاد هذه ابتدأت مع دخول عسكر الصهاينة إلى فلسطين في العام 1948، استمرت مع مرور السنوات وعند المفاصل التاريخية، واليوم هو استمرار لهذا الأمس. فما هي هذه الممارسة؟ وإلى أين تمضي بنا؟

يشرح رئيس "جمعية الحق لحقوق الانسان" شعوان جبارين لـ"السفير" أن "العصابات الصهيونية مارست سياسة الابعاد بحق المواطنين الفلسطينيين بعدما مهّد لها عدد كبير من المفكرين والسياسيين الصهاينة في كتاباتهم وآرائهم المحكية منذ بدء نشاطات الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين". فبعد هزيمة الجيوش العربية أمامها في العام 1948، "وجدت العصابات الصهيونية، مثل "الهاغاناة" "والأرغون" "واشتيرن" "والبالماخ"، فرصتها لطرد الفلسطينيين وتشريدهم عبر ارتكاب سلسلة من المجازر وهدم القرى الفلسطينية، فتشرّد نحو 750 ألف فلسطيني عن مدنهم وبلداتهم وقراهم إلى مخيمات اللجوء، في انتهاك صريح للأعراف والقوانين الدولية والإنسانية".
في العام 1967، وفي أعقاب احتلالها لما تبقى من الأراضي الفلسطينية، أبعدت اسرائيل آلاف المواطنين الفلسطينيين، لتواصل بعد ذلك عمليات إبعاد النشطاء السياسيين من كافة التنظيمات الفلسطينية خارج وطنهم، كأداة عقاب لهم ولأقربائهم وذويهم. وهو ما عاشه مبعدو كنيسة المهد في العام 2002 اللذين أبعدوا إلى غزة وبعض الدول الأوروبية، فيما تتواصل عملية إبعاد أربعة نواب في المجلس التشريعي وهم أحمد عطون ومحمد أبو طير والنائب محمد طوطح والوزير السابق في حكومة حماس خالد أبو عرفة من مدينة القدس إلى رام الله، منذ نحو عامين .

زوار الفجر

تروي العضو في المجلس التشريعي الفلسطيني وعضو المكتب السياسي في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" خالدة جرار لـ"السفير" كيفية تبلغها بأمر الاخلاء: "في العشرين من آب/أغسطس، اقتحم جنود إسرائيليون منزلي فجراً، وأبلغوني بأني ممنوعة من الإقامة في رام الله لمدة ستة أشهر، وطلبوا مني الذهاب الى مدينة أريحا والبقاء فيها حتى تاريخ 19 فبراير 2015، وأبلغوني بضرورة تنفيذ الأمر خلال 24 ساعة".
وأوضحت جرار أن الجنود سلموها قراراً من المحكمة العسكرية الإسرائيلية يتهمها بأنها "تشكل خطرًا على أمن المنطقة، ولا بدّ من وضعها تحت الرقابة الخاصة"، وهو اتهام مفتوح وغير محدّد، ما جعلها تجهل تفاصيل التهمة الموجهة إليها. طالبها الجنود بالتوقيع على القرار، فرفضت. وترى جرار أن القرار مستفز ومستهتر، وهو استمرار للاعتداءات التي يرتكبها الاحتلال بحق النواب وكافة الفلسطينيين مهما كانت مواقعهم. وأضافت: "لن أنفذ أمر الإبعاد، ومن حقي البقاء في مكان سكني".
وتصنَف مدينتا رام الله وأريحا ضمن منطقة "أ" التي تتولى مسؤولية الإدارة الأمنية فيها السلطة الفلسطينية، وفق ما نصّ عليه اتفاق أوسلو الموقع بين "منظمة التحرير الفلسطينية" وإسرائيل في العام 1993.
يذكر أن خالدة جرار هي أول نائبة منتخبة عن "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وقد كلّفها المجلس التشريعي بملف الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. يشار هنا إلى أن ملف الأسرى يشمل أسرى أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني، وعددهم 36 وفقاً لدائرة الإحصاء في وزارة الاسرى والمحررين، من بينهم رئيس المجلس القيادي في "حركة المقاومة الإسلامية – حماس" عزيز الدويك، والأمين العام لـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" أحمد سعدات، والقيادي في حركة فتح النائب مروان البرغوثي.


"أيّاً كانت دواعيه"

من جانبه وصف عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" عزت الرشق قرار الاحتلال بإبعاد خالدة جرار بـ"إهانة" جديدة للسلطة الفلسطينية، لأنها تقطن في منطقة تصنّف على أنها تخضع للسيطرة الأمنية والسياسية للسلطة. تصريحات الرشق هذه جاءت عبر صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك"، وقدر عبّر فيها عن استنكار "حماس" لقرار الاحتلال بإبعاد النائب جرار ـ واجداً في ذلك ما يشير إلى أنه "لا قيمة للاتفاقات التي وقعتها السلطة مع الاحتلال".
وأكد النائب في المجلس التشريعي عن حركة "فتح" محمود العالول لـ"السفير" أن دولة الاحتلال وقواتها الحربية لا تملك أي صلاحية أو ولاية لممارسة عمليات نفي وإبعاد لمواطنين فلسطينيين محميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949، لافتاً إلى أن سياسة الإبعاد غير القانونية وتشكل مخالفة جسيمة للمادة (147) من اتفاقية جنيف الرابعة، وجريمة حرب بموجب المادة (85) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق بالاتفاقية.
وطالبت "مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الانسان" في بيان "الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة الوفاء بالتزاماتها الواردة في المادة الأولى من الاتفاقية والتي تتعهد بموجبها بأن تحترم الاتفاقية وأن تكفل احترامها في جميع الأحوال، كذلك التزاماتها الواردة في المادة 146 من الاتفاقية بملاحقة المتهمين باقتراف مخالفات جسيمة للاتفاقية".
وذكّر بيان "الضمير" إلى أن عمليات إبعاد الفلسطينيين عن وطنهم بعد العام 1967 لم تتوقف، لكنها سارت بشكل متعرج، وتصاعدت خلال انتفاضة 1987 بشكل فردي وجماعي، ثم تراجعت بشكل ملحوظ بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994، حتى اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول 2000. لكنها وتيرتها سرعان ما تصاعدت خلال انتفاضة الأقصى، لا سيما لجهة الإبعاد من الضفّة إلى قطاع غزّة.
ووفقاً للتفسير الدولي، فإن الإبعاد القسري يعني نقل الشخص رغماً عنه داخل أو خارج الحدود الوطنية، ما يشكل ممارسة قسرية غير قانونية للأشخاص المحميين، وانتهاكاً خطيراً وخرقاً فاضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة، والمادة 147 منها التي تعتبره جريمة حرب وتقول: "يحظر النقل الجبري أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى محتلة أو غير محتلة أياً كانت دواعيه".