| 

في هذا المقال الذي نشرته "هآرتس" وأريد له أساساً أن يكون حواراً كاملاً مع المغنية نتاشا أطلس التي زارت إسرائيل مؤخراً، يسترجع الصحافي الإسرائيلي – من أصول مصريّة – إيال ساجي بيزاوي ذكرياته عن أبيه، ويسترجع نصوص الكاتبة الإسرائيلية من أصولٍ مصرية هي الأخرى، جاكلين كهنوف، ويفكّر في مفهوم الشرق.
يرسم لوحة أمامنا كدنا ننساها، من ذكريات اليهود العرب في بلداننا. المقال قد يكون مستفزاً في بعض أوجهه، خاصةً في خلاصاته التبسيطية. ولكن قراءته، استعماله، والاشتباك معه، هي أفعالٌ شديدة الأهمية إذا أردنا امتلاك خريطة العلاقات في إسرائيل، وفهمها في دواخل اليهود العرب.

الحقّ أن هذا كان مقرراً له أن يكون حواراً عادياً: حواراً معمّقاً مع المغنية نتاشا أطلس، والتي كتبتُ عنها قبل ظهورها في مهرجات "مديتَرنا.. Mediterrana" في أشدود. تأثرت للغاية استعداداً لهذا اللقاء، الذي أُجّل مراراً وتكراراً بسبب الجدول المزدحم الذي تم إعداده لها في البلاد. في نهاية الأمر، تمكنّا من تحديد ميعادٍ للحوار، فقط في الأمسية الأخيرة لوجودها هنا، قبل طيرانها عائدةً إلى بيتها في لندن بساعات. موضوعان أساسيان أثارا اهتمامي في هذا اللقاء: الأول، أردت فهم ما الذي جعلها تكسر المقاطعة الثقافية لإسرائيل، وتقرر الظهور هنا بعد سنوات من الرفض. والثاني، أردت أن أستوضح منها إن كانت كطفلة كبرت في بلغاريا وانتقلت للسكن في بريطانيا، قذ مرّت عليها سنوات خجلت فيها من جذورها العربية. أردت معرفة إن كان لها هي أيضاً، مثلما للكثيرين من أبناء الجيل الثاني من اليهود الشرقيين في البلاد، سنواتٌ رفضت فيها اللغة والثقافة العربيتين. هل اشتملت سيرتها الذاتية على مرحلة ما من "الاكتشاف"، أرادت فيها العودة إلى أصولها الثقافية التي تم إهمالها، وهل فعلاً تم إهمالها؟
ولكن أراد الله، القدر، النجوم العليا وسائر قوى الطبيعة، أن يخضع أبي للعلاج في المستشفى في وضع حرج قبل اللقاء بساعاتٍ معدودة. لم يكن يمكن تحمّل زيارته في قسم العناية المركزّة، بينما هو مخدر وخاضع للتنفس الصناعي. عرفت أنني أوشك على فقده في الأيام المقبلة، ولم أعرف قط ماذا سأفعل بكل هذا الألم. الفكرة الفورية كانت بإلغاء الحوار مع أطلس. حسبت أن الوضع ربما يشتت انتباهي قليلاً، وفكّرت بأنني لن أستطيع التركيز في الحوار، وإذاً فلا داع مطلقاً له. عندها، فكرت أنه أفضل من الجلوس بلا عمل في البيت، وبأنني بالتأكيد سأجن من الأفكار المزعجة والمخيفة. ثم فكرت أنه ربما يكون غير مناسبٍ وغير محترم. وعندها، تذكرت أنه بالتأكيد سيكون راغباً بأن أذهب إلى هذا اللقاء. وعندها، انتابتني بعض الهواجس والأفكار، وكان قد طُلب منا في المستشفى أن نخلي الغرفة لأن وقت الزيارة انتهى، ووقت اللقاء بأطلس اقترب.
في نهاية الأمر، من ناحية لم ألغ الحوار ومن ناحية أخرى لم أجره بشكلٍ حقيقي. وصلت إلى مكان اللقاء بنتاشا أطلس مستنزفاً ومنهكاً. كنت بلا طاقة، بلا طموح، بلا أية قدرة على التواصل، بلا تركيز، وبالأساس حزين جداً. لم أخرج جهاز التسجيل، ولا حتى الآيفون لأقوم بالتسجيل، ولا قلماً وكراساً للكتابة، ولا حتى ورقة أسئلة كنت قد أعددتها. أردت فقط الكلام. عادي، حديث إنساني. بسيطة. بدون أن أتكلم عن نفسي أكثر مما ينبغي، وبدون أن أشركها في ما يمر بعائلتي الآن. عادي، فقط الاستماع. أن أحاول الإنصات حتى.
ولكن أبي كان هناك. ليس فقط في أفكاري وأحاسيسي. كان هناك أيضاً في الكلام القليل الذي منحتني إياه أطلس نفسها (في الحقيقة، عبر الأسئلة القليلة التي سألتها إياها)، وبشكل خاص طريقة كلامها. بداية الحوار بيننا كانت بالعربية – المصرية. ولكنها كانت ترد على أسئلة الحوار بالإنكليزية. قالت: "أول لغتين لي كانتا الإنكليزية والفرنسية. ولدت في بروكسل وأمي بريطانية، وعلى مدار أغلب حياتي كنت أسكن في بريطانيا. العربية كانت هناك دوماً، ولكني لم أجتهد بها إلا متأخراً جداً وتعلمت التكلّم بها بشكلٍ أفضل. يمكنني أن أجيب على أسئلة الحوار بالعربية، ولكن الإنكليزية أو الفرنسية أسهل لي".
في ما يخص أبي، الذي ولد في القاهرة وهاجر إلى البلاد عن عمر 18 عاماً، كانت العربية هي لغته الأم. ولكن تعليمه كان بالفرنسية، التي أصبحت بمثابة لغة أمّ ثانية له. وهكذا، في المنافسة الخفيّة والجليّة أحياناً بين هاتين الأمّين، كانت هناك مجالات فضّل فيها الكلام بالعربية، ومجالات أخرى فضّل فيها الإنكليزية، ومتأخراً أكثر انضمت العبرية. لو أُجري حوار معه، من الواضح أنه سيتمكن من الكلام بالعبرية أو بالعربية، ولكن من البديهي أيضاً أنه كان سيفضّل الفرنسية على الاثنتين. وهو اختيارٌ لم يكن عَرَضياً في نظري، وربما كان رمزياً أيضاً بدرجة ما. مثل تفضيل الاختيار الثالث، هذا غير الموجود في الحقيقة، الفرنسية ليست الوطن الأول، مصر، ولا الثاني، إسرائيل.

"لا نريد أن يتحوّل الإسرائيليون إلى عرب"

"مشرقية"، هكذا وصفت الأديبة وكاتبة المقالات اليهودية المصرية جاكلين كهنوف هذه الخلطة الثقافية التي تقع بين الشرق والغرب، بين أوروبا وبلاد العرب. كهنوف، المولودة في القاهرة عام 1917، كانت يهودية من أصل تونسي وعراقي، عاشت في بلدٍ مسلم وعربيّ، واعتنت بها مربية إيطالية ومدرّبة إنجليزية، ودرست في مدرسة فرنسية. لم تعرف اللغة العربية إلا قليلاً (وفق كلامها، فقد حدث هذا بفضل اضطرارها إلى الكلام مع الخدم العرب في بيت طفولتها)، كانت الفرنسية لغة الأم بالنسبة إليها، أما العبرية فتعلمتها مع وصولها لإسرائيل في العام 1954. ومع ذلك، فضّلت كتابة مقالاتها بالإنكليزية. هذه المقالات لم تُنشر بالإنجليزية، وإنما تُرجمت إلى العبرية ونُشرت للمرة الأولى في مجلة "ماسا" للأدب، التي حرّرها يتسحاق بتسلئيل، ثم في مجلة "كيشِت"، التي حرّرها الشاعر والمترجم أهارون أمير.
احتاجت كهنوف إلى الكثير من القوة والشجاعة حتى تعلن عن نفسها في تلك السنوات بالقول "أنا مشرقية". بدا في سنوات الخمسينيات والستينيات، وهي السنوات الرئيسية التي نشطت خلالها، وكأن لا شيء أخاف قادة الدولة أكثر من "مشرقة" المجتمع الإسرائيلي. سبق ذلك تاريخٌ طويل من ترسّخ مفهوم "المشرق.. Levant"، الذي استعمل في الأصل كمفهوم جغرافي يصف أبناء الشرق الأدنى، وأصله في الفعل الفرنسي، lever، بمعنى "أن يعلو". أي، المكان الذي تعلو منه الشمس. ولكن، سريعاً جداً تحوّل هذا المفهوم إلى تعبير إدانة، وفق قاموس إبن شوشان على سبيل المثال حيث يستعمل كـ"وصف لشخص ثقافته سطحية وأخلاقه خارجية فحسب، بدون تحضر حقيقي ولا اتزان روحاني".
هذه النظرة لأبناء وبنات الشرق استولت أيضاً على القادة الصهيونيين وزعماء الدولة. منذ الثلاثينيات، عندما زار مندوب الوكالة اليهودية ناحوم فيلنسكي الطائفة اليهودية في القاهرة، كتب لرئيس الوكالة أيامها موشيه شرتوك، أن "في القاهرة يضاف لتعفن المنفي تعفّن المشرق". أكثر من هذا، فقد وجد أنه من الصواب أن يحذر الصهاينة في البلاد بقوله: "حافظوا على روحكم القتالية، على فضولكم، وامتنعوا عن أيّ تغيير من شأنه أن يجعلكم مشرقيين. لأنه من الواضح اليوم لأي مراقب موضوعي أن مشرقة أرض إسرائيل ستشير للفشل النهائي للصهيونية". وأيضاً، في الخمسينيات، مع موجات الهجرة الكبرى ليهود البلدان الإسلامية (تلك المسماة هجرة "جماهيرية")، بدا أن مشرقة المجتمع الإسرائيلي تحولت إلى تهديدٍ ملموس أكثر بكثير. "لا نريد أن يتحول الإسرائيليون إلى عرب"، قال دافيد بن غوريون في هذا الوقت، "من واجبنا محاربة روح المشرق الفاسدة جماعات وأفراداً، وأن نحافظ على القيم اليهودية الأصيلة كما تبلورت في المنفى".

"الربط الأرستقراطي بين الشرق والغرب"

التأثيرات الثقافية الغريبة، خليط اللغات، وتكاثر الهويات –هذه العناصر كلها كانت تعادي الفكرة القومية بشكل عام، والأيديولوجيا الصهيونية بشكل خاص. أرادت هذه الأخيرة أن تخلق هنا هوية "طاهرة"، إسرائيلية ويهودية، كان لونها الحاسم بالطبع هو لون يهود شرق أوروبا. أما كهنوف، المرأة الشرقية التي وصلت لتوّها إلى البلاد فقد تجرأت على قول: "هذا إثراءٌ متبادل، يسمونه في إسرائيل ‘مشرقة‘، أنا أراه إثراء وليس إفقاراً". مقابل جيل البالماح وجيل 1948، تجرأت كهنوف على وضع جيلها، جيل المشرقيين، هؤلاء من أبناء الأقليات الذين عاشوا في بلاد إسلامية وتعلموا على ركبة الثقافة الأوروبية. في مقابل الهوية الطاهرة، التي تبدو وكأنها بريئة من التأثير والهجنة (!)، عرضت هوية "مبقعة"، "مفتوحة على العالم المحيط بنا، كان عربياً أو غربياً. في مقابل الهوية الإسرائيلية التوحيدية والمتصلبة، عرضت هوية أكثر براجماتية، سائلة، تتفكك وتتشكل من جديد في أيّة لحظة.
"أنا عن نفسي"، كتبت في أحد مقالاتها، "أنا مشرقية نموذجية، بمعنى أنني أقيّم بدرجة متساوية ما أخذه من الأصول الشرقية وما أصبح نصيبي من الثقافة الغربية". وأبي أيضاً كان تشكيلةً كهذه بين الأصول الشرقية ونصيبه الذي حازه من الثقافة الغربية. ولم يحز ذاك في إسرائيل، المسماة غربية، وإنما جاء به من وطنه الأول، مصر. ولم يكن يحتاج ليهود شرق أوروبا في البلاد كي يعلّموه ما هي أوروبا وما هي الثقافة الغربية. كان لديه ذلك في البيت. من المدرسة الثانوية الفرنسية في القاهرة، من تأثير الاستعمار البريطاني في مصر، ومن أبناء الطوائف الذين عاشوا وقتها في المدن المصرية الرئيسية، والذين كان على علاقة بهم.
يبدو أن هذه الجملة لكهنوف كانت الأكثر اقتباساً بين كتاباتها. صحيح أنها ظلت بمثابة أديبة هامشية، بل ومجهولة، بالنسبة إلى غالبية القرّاء الإسرائيليين، ولكن الخبراء القليلين الذين عرفوا كتاباتها وتعاطوا معها، أكثروا من الاستشهاد بهذه الجملة، كأنها خلاصة الفكرة المشرقية التي أرادت كهنوف عرضها على دولة إسرائيل كخيار من أجل البقاء في الحيز الشرقي – المتوسطي. "الربط الأرستقراطي بين الشرق والغرب"، هكذا وصفت الصحافية نوريت برتسكي فكرة كهنوف المشرقية، وقال المترجم والناقد الأدبي يورام برونوفسكي عنها إن "قوتها تكمن في ربطها بين الشرق والغرب، غوته مع عبد الوهاب ومع الشاعر يسرائيل فنكاس".
ولكن، في عينيّ، ومع كل السحر الكامن في الربط المتجانس بين الشرق والغرب، بين أوروبا والعرب، ومع كل الغواية في خيار أن نكون "هذا وذاك"، فإن أفكار كهنوف حول الهوية المشرقية لا تتلخص في ذلك. ليس من الصدفة أن تكتب عنها الأديبة رونيت مطلون – وهي الوحيدة في نظري التي تعمّقت حقاً في كتابات كهنوف ونجحت في فهم تركيب أفكارها - أن "إمكانية أن تكون كل شيء، يبدو معناها في أحيانٍ كثيرة ألا تكون شيئاً في السياق المشرقي". وبالفعل، يبدو أن كهنوف في نهاية الأمر لم تشعر بانتماءٍ كاملٍ لأيّ من أنواع الهويات التي نعرفها اليوم، ولم تشعر بأنها في بيتها في أيّ من محطاتها المختلفة، فلم تحس بنفسها مصرية مئة في المئة عندما عاشت هناك، ولا فرنسية عندما عاشت في باريس، ولا أميركية عندما عاشت في شيكاغو ونيويورك، وفي نهاية الأمر، في البلاد، شعرت كأنها بقيت واقفة خارج حدود الهوية الإسرائيلية.

آراؤه لا تتسق مع شخصيته

مثل كهنوف، أبي أيضاً شعر بأنه ليس مصرياً مئة في المئة، على الرغم من أنه ولد وعاش هناك حتى سن الثامنة عشرة. مثلها، كان تعليمه فرنسياً في الأساس ودوماً كان يوجّه عينيه إلى باريس. ومع ذلك، وعلى الرغم من أنه عاش فيها شهوراً معدودة، شعر بأنه غريب عن باريس وغير منتم إليها. ومثلها، كانت أيضاً إسرائيل، إذ دفعته صهيونيته إلى أن يبني فيها بيته، ويؤمن بعدالة وجود هذا البيت طوال حياته. واستمر بذلك حتى بدا له هذا المكان غريباً في نهاية الأمر، وبدت ثقافته له فظة وعدوانية، بلا أي تهذيب عرفه وجاء به من تعليمه الفرنسي المخلوط بالمصرية/العربية وبالقيم اليهودية، التي حتى هي وجد صعوبةً في العثور عليها هنا.
على مدار السنوات، حاولتُ فكّ الشيفرة وأن أشرح أبي لنفسي. وكيف يمكن فهم شخص كانت آراؤه السياسية يمينية ويشير إلى أوري أفنيري، في وقت عدّ فيه الأخير يساراً جذرياً، بوصفه خائناً وعدو إسرائيل؟ وكيف يمكن شرح أنه كان اشتراكياً في جوهره ويصوت لـليكود، لأن روحه تقزّزت من اليسار الإشكنازي، قرّاء جريدة "هآرتس"، التي اشترك هو نفسه بها، منذ الخمسينيات وحتى اليوم؟ وكيف أفسر لنفسي الضربة الوحيدة التي ضربني إياها على يديّ عندما أشرت على طفل عربي في الشارع، وذلك على الرغم من علاقته المتشككة لدرجة مستفزة مع جيرانه؟ وكيف يمكن فهم كلماته الحاسمة، العنصرية أحياناً، عندما كان يحكي عن العرب والمسلمين على مسامعي، بينما هو نفسه يقدر ويحترم أيّ عربي ومسلم يلتقيه، بل وقد تبنّى صديقتي الطيبة "جميلة" ورآها مثل ابنته؟ كيف يمكن التخلّص من "أيديولوجيته"؟ وبشكل عام، أيّ نوع موقف سياسي هو هذا الموقف؟
على مدار السنوات، حظرت أمي عليّ وعليه الكلام عن مواضيع سياسية واجتماعية، فقد كانت تشتعل سريعاً جداً وتصل إلى عراك لفظي وصارم. لم أنجح أبداً في فهم كيف أن أبي، المحب للناس، يستطيع أن يخرج من فمه جملاً صدمتني كثيراً. مع السنوات، بدت كأن هويته – مثل هوية كهنوف ومثل هوية يهود شرقيين كثر - إلى هذا الحد مقسمة ومشققة، فقد حمّلني بنصفه اليساري، الإنساني، المعادي للقومية، لكي يحس بنفسه سليماً قليلاً، فقط ليُشعر نفسه قليلاً كأنه في بيته، ويتخندق في مواقف يمينية، عنصرية، منعزلة ورأسمالية، لم أصدق قط أنه يتبناها في الحقيقة، فهي لم تتسق مع شخصيته ومع جوهره كله.
فقط عندما أصبحنا نحن الاثنين مرتاحين أكثر، ونجحنا في أن يمتنع كل منا عن إشعال النقاش ونار المعركة، أصبحنا سعداء باكتشاف أن لكل الأشياء في الحقيقة أساس معين نوافق عليه. فجأة، عندما أصبح مستعداً لأن يسمع ويتكلم، وجدنا أن هناك عوامل مشتركة غير قليلة لأفكارنا المختلفة. وأصلاً، بفضل عواصف النقاشات بيننا، كان كل منا يعرف جيداً أن ثمة حقائق نسبية في كلام الآخر. وفقط بسبب سخونة المعركة والتناطح، فنحن غير مستعدين الآن للاعتراف بها. وهذا الاعتراف بنسبية الحقائق لم يكن له مكان بيننا إلا عندنا تهدف مناقاشتنا فعلاً، ومن خلال محاولة ورغبة صادقتين، بأن يفهم كل منا موقف الآخر. وقتها، وقتها فحسب، استطعت فهم أبي، هو مثل كهنوف، لا يريد في الحقيقة التمسك بأيديولوجيا واحدة، كاسحة، تبدو وكأنها فاعلة دوماً، ودوماً ما تخدم أصحابها. هذا من وجهة نظره موقف خفيف جداً، بسيط، وغير مركب، لا يجيد التعامل مع الأوتار الدقيقة للواقع.

"لم يعد لي أي شيء معهم".. ثم بكى

بعد سنوات طويلة من محاولات فهم أبي وشرحه لنفسي، وجدت أن كهنوف في مقالاتها تجيد صياغة الأشياء أفضل مني ومنه. ووجدت أنه، في نظرها أيضاً، مثلما في نظر أبي، كل حادث وحادثة يحتاجان لبلورة الموقف من جديد، من خلال التفكير في السياق الفوري. ولا يمكن لأية أيديولوجية كبيرة توفير هذا، وهي ليست إلا هروباً إلى تفكير مثالي صلب لا علاقة له أصلاً بالحياة. أما التصلّب الفكري، هذا الذي لا يساوم، غير المستعد للاعتراف بوجود روايات أخرى، بديلة، فهو العدو المؤكد للهوية المشرقية. وهكذا، حتى لو كان الربط بين الشرق وبين الغرب، بين غوته وعبد الوهاب هو أساس وجود الهوية المشرقية، ففي رأيي، ليس هناك اقتباس أكثر صحة ومناسبة لوصف جيل المشرقيين من ذلك الذي صاغته كهنوف نفسها، وكانوا وفق كلامها محترمين دائماً وعرفوا جيداً أن "الإنسان، بكل عدم قيمته، أكثر أهمية من المبدأ، بكل قداسته".
وربما بسبب هذه الفكرة، لم تستطع كهنوف في نهاية الأمر استبطان الفكرة القومية بشكل حقيقي، على الرغم من أنها واضحة من كتاباتها كونها حاولت. وربما بسبب هذا، لم ينجح أبي في نهاية الأمر بأن يكون إسرائيلياً حقيقياً، على الرغم من أنه أراد ذلك جداً. وجود حقيقة واحدة ووحيدة، مطلقة ومتصلبة، تبدو دُغري وتسبارية ، ما تقوله في أيّ ظرف يبدو كما لو كان الحقيقة الوحيدة، والكلام الغارق في الغضب والحنق – كل هذه الأشياء بدت في نهاية الأمر فظة إلى عينيه ومناقضة للمرونة الفكرية، ولمكان وضع علامات التشكك، وللتهذيب الذي يستلزمه السياق المشرقي. على مدار السنوات، في كل مرة سافرت فيها إلى القاهرة، كنت أتوسل إليه أن يأتي معي. ولكنه كان يرفض دائماً. "لم يعد لي أيّ شيء معهم"، كان يقول بوجه منغلق. "كنا سوياً، كان الأمر جيداً، شكراً، انفصلنا، ومن وقتها وأنا أنتمي إلى هذا المعسكر، إسرائيل". دوماً، كان يكرّر لي حكايته عن اليوم الذي تركوا فيه القاهرة، يوم رمت الجارة المسلمة "قُلة" ماء من الشرفة، في فعلٍ يرمز إلى الطرد: اذهبوا ولا تعودوا. كان يقول لي: "في هذا اليوم، أقسمت ألا تطأ قدماي مصر إلى الأبد".
ولكن، عندما جاء لزيارتنا صديق مصري، كان يعمل سابقاً في السفارة المصرية في إسرائيل، وسأله عن يومه الأخير في القاهرة، انفجر في البكاء. كانت هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها يبكي، وانتظرت حتى يعود ويحكي مجدداً حكايته عن الجارة وقُلة الماء. بدلاً من ذلك، حكى أبي لهذا الصديق عن بوّاب البناية الذي احتضنه وهو خارجٌ بحقيبته، وطلب منه أن يبقوا في مصر. حكى كيف بكا الاثنان، الواحد على كتف الآخر. لم أسمعه قط يحكي هذه الحكاية، وبالتأكيد لم أر أبي متأثراً هكذا من قبل. عندما سألته أين اختفت قصة الجارة وقُلة مائها، قال أنه، في الحقيقة، هذا حدث وهذا أيضاً حدث. ولكن علينا أن نعرف أي قصة نحكيها ومتى ولمن.
"على مدار السنوات"، قالت لي نتاشا أطلس في الحوار القصير الذي أجريته معها، "كنت أقاطع إسرائيل وأرفض المجيء هنا للظهور في حفلات. ولكن، عندما عرفت شاباً فلسطينياً متزوجاُ من يهودية إسرائيلية، تغير شيء ما في داخلي. فجأة، بالتحديد هذا الوعي الشخصي، العرضي، جعلني أفكر بأنني قد أحتاج أن أسلك طريقاً آخر. سهل جداً أن تقاطع. أسهل شيء أن تقول أنا لا أريد إسرائيل ولا أريد معرفة إسرائيليين ولا أريد المجيء هنا للظهور في حفلات. وعندئذ، ماذا سيحدث؟ بماذا سيفيد هذا؟". ومثل مشرقية نموذجية لخصت كلامها قائلة: "في هذا الموقف، ثمة شيء ما متصلب ولا يقبل التسوية، أتشكك في أنه سيخدم الهدف. أنا ضد سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين، وضد الاحتلال. هذا واضح. ولكن مقاطعتي حتى اليوم لم تفد بأي شيء. ربما يكون الطريق الطريق الصحيح بالتحديد هو المجيء هنا والظهور وترديد رأيك في الموضوع. بالطبع سأدفع على هذا ثمناً باهظاً. بالتأكيد لن تمكنني معاودة الظهور في مكان مثل بيروت، وربما حتى لن أستطيع الدخول إلى لبنان. ولكن هذا هو الثمن الذي سأضطر لدفعه. لا يمكنني القول إن هذا بالضرورة هو الشيء السليم. ولكني أعرف أنني رغبت في تجربة شيء ما آخر يختلف عن المقاطعة التي كنت أنتهجها حتى الآن".
بعد يومين من لقائي مع أطلس، رحل أبي، المشرقي الأخير في حياتي. لم أتقبّل جميع آرائه ورؤاه في حياته، ولا الآن أيضاً. ولكن من الواضح لي أنني سأظل مديناً له على شيء واحد دائماً: على كونه علمني أن هناك "جانباً" و"جانباً آخر"، عن كونه زرع فيّ احترام الإنسان كما هو حتى لو لم أتفق معه، على أنه مكنني أكثر من مرة بالاعتراف بوجود حقائق نسبية والتعامل معها، وباختصار، على أنه منحني للأبد - مع كل أفكاره المتناقضة والمتصادمة – قليلاً من المشرقية المطلوبة لكي أعرف أن حياة الإنسان قيمتها أكبر من أية فكرة. بالتحديد في هذه الأيام، التي نتمنى فيها جميعاً العثور على المخطوفين أحياء وإنقاذهم، والتي تثور الأنفس فيها وأي كلمة تزعزع العتبات، بالتحديد في هذه الأيام أعتقد أنه يمكن التوقف للحظة ومحاولة الإصغاء للحقائق، حتى وإن لم تكن إلا نسبية، التي يقولها أيضاً الطرف الثاني. ولا يكون هذا الفعل "معادياً لإسرائيل"، وإنما العكس بالضبط. من خلال إيمانٍ بأن هذا سيؤدي لسلامة الأطفال. لأن حياتهم، برأيي، يجب أن تكون قيمتها أكبر من أي مبدأ.

ترجمة: نائل الطوخي