| 

قبل أن ينجلي غبار العدوان عن قطاع غزّة، طُرحت في تل أبيب أسئلة صعبة، منها: لماذا لم يعالِج المستوى السياسي تهديد الأنفاق في وقتٍ سابق؟ ومن سيدفع ثمن هذا الإخفاق؟ ما هي أسبابه، وإلى متى سيستمر؟
وإذ يتحضّر المشهد الإسرائيلي اليوم لصراعٍ ما بين الجانبين العسكري والسياسي حول المسؤولية سابقاً وراهناً في "إخفاق معالجة الأنفاق" بحسب توصيف قادة مخابراتها وأمنها، يبدو أن الكوابيس ستلازم سكّان المستوطنات المحاذية لعمل المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، بينما أصوات الحفر تجتاح هواجسهم.
إنهم يسعون منذ الانتفاضة الثانية إلى ردم هذه الأنفاق، بالعمل الإستخباراتي وبالتطور التكنولوجي.. لكنهم ما زالوا يجهلون إليها السبيل.

إحدى العمليات التي ظهّرت فداحة هذه الأزمة الإسرائيلية، حدثت في صباح السابع عشر من شهر تموز الماضي، في موقع "صوفا" جنوب القطاع، نفذها 13 عنصراً من "كتائب عز الدين القسّام". عقب تنفيذ العملية، بث جيش الاحتلال شريط فيديو يظهر وثوب مجموعة من كتائب "القسام"، مدعياً أنه تمكّن من قتلهم جميعاً. لاحقاً، نفت مصادر إعلامية عبرية مقتل أفراد المجموعة. وعلّقت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي على المشهد بالقول: "إذا وُجدت ثمة لحظة غيّرت وجهة النظر بالنسبة إلى الأنفاق فهي هذه اللحظة التي خرج فيها 13 مخرباً حمساوياً من نفق إلى قرية صوفا".

"لا داعي للخوف"
عن مشهد وثوب المقاتلين الـ13 من النفق وانسحابهم منه، كتب الصحافي ايتان لندسبرغ على موقع "العين السابعة" المتخصص بانتقاد الإعلام العبري مقالاً بتاريخ 10 تموز الماضي، عنوانه: "وسائل الإعلام غيّبت تهديد الأنفاق"، وقد جاء فيه: "مشهد صعود 13 مخرباً من الأرض ألحق أذىً بالوعي، وطرح الأنفاق كتهديد استراتيجي".
وبخلاف اعتراف لندسبرغ بتقصير الإعلام الإسرائيلي في "ملف إخفاق الأنفاق"، بدأ مبكراً جيش الاحتلال بالتنصل من المسؤولية، استعداداً للمعركة التي ستدور رحاها بين الجيش والمستوى السياسي مع نهاية العدوان. فقال متحدث عسكري لصحيفة "غلوبس" العبرية في 23 تموز الماضي: "المستوى السياسي يتحمّل مسؤولية اتخاذ القرار بشأن التعاطي مع تهديد الأنفاق". وقد جاء ذلك تعقيباً على مقتل ضابط رفيع وثلاثة جنود بنيران مجموعة من "القسام" التي صعدت من نفق أسفل قرية نير عام الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة.
ونقلت "القناة الثانية" عن مستوطن من نيرعام بعد هجوم النفق قوله: "ضابط رفيع قال لنا قبل الهجوم: لا داعي للخوف. الأرض هنا صلبة. وليس مجدياً بالنسبة إلى حماس حفر نفق في هذا المكان".

"مثل الفيتكونغ في فيتنام"

الأنفاق التي تستخدمها المقاومة ثلاثة أنواع: أنفاق الهجمات المعدّة لاقتحام المواقع العسكرية أو لتفجيرها بواسطة ألغام، وأنفاق لتهريب السلاح، وأنفاق الضبط والسيطرة والتوجيه التي تتمركز فيها قيادات المقاومة وتستخدمها لإدارة المعارك.
الأنفاق التي تطرد النوم من عيون جيش الاحتلال والمستوطنين أكثر من سواها، هي تلك الهجومية التي استخدمتها المقاومة لتنفيذ هجمات خلف خطوط الجيش منذ بداية العدوان. وقال الباحث الإسرائيلي المختصّ في الشؤون الاستخبارية رونين برغمان: " بحسب منظومة الاستخبارات الإسرائيلية، استخدمت الأنفاق للمرة الأولى في نشاط تخريبي في شهر أيلول/سبتمبر من العام 1989، عندما هرب رجل "حماس" محمود المبحوح باستخدام نفق حفر بسرعة أسفل الحدود إلى مصر بعدما اكتشفت المخابرات أنه قتل جنديين".
أما قائد وحدة "يهلوم" السابق المتخصصة باقتحام الأنفاق وتفجيرها عيتاي شيلح فقد كشف: "نعلم أنهم يملكون هذه القدرات. ومع ذلك، فوجئت جداً من عظمة هذه الأنفاق ومن الانتشار الكبير لهذه الكمية منها!".
وأقرّ رونين كوهين، وهو رئيس سابق لشعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان"، بأن استخدام الأنفاق خلال الجولة الحالية من المواجهة شكّل مفاجأة لجيش الاحتلال، قائلاً: "المفاجأة جاءت من عمق توغل الأنفاق داخل إسرائيل، ومن الإدراك فجأة أنه بإمكان عدد كبير من المخربين الخروج من الأنفاق".
وتحدث ضابط سابق في جهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك" عن أنفاق المقاومة قائلاً: "حتى الآن، يدور الحديث عن عشرات الكيلومترات من الأنفاق تحت غزّة تربط ما بين مقار القيادة العسكرية فيها. لقد أدركوا أنهم، لمقاتلة الجيش الإسرائيلي إذا دخل إلى غزة في عملية برية، يجب امتلاك أنفاق تمكّنها من الخروج من ثقوبها، مثل الفيتكونغ في فيتنام".
ويفسر ضابط "الشاباك" تركيز المقاومة على حفر الأنفاق بالتالي: "لقد أدركوا أنها أداة إستراتيجية قادرة على كسر التوازن، ولذلك انتقلوا إلى تطوير هذه الأداة كثيرا".

لا أقل من فضيحة
وكانت بداية استخدام المقاومة للأنفاق الهجومية في بداية الانتفاضة الثانية. استذكر ذلك قائد وحدة "يهلوم" السابق عيتاي شيلح بالقول: "بداية خطر الانفاق ظهرت مطلع الانتفاضة الثانية، حين بدأوا بالحفر تحت مواقعنا العسكرية".
وبعد سقوط قتلى بصفوف جيش الاحتلال جراء الأنفاق الهجومية، أدركت إسرائيل وجود مشكلة يجب علاجها، وطلبت وزارة الجيش من شركات إسرائيلية في العام 2001، اقتراح حلول تمكّنه من العثور على الأنفاق، ولكن تلك المساعي لم تثمر.
وباءت محاولات تدمير أنفاق تهريب السلاح خلال انتفاضة الأقصى بالفشل، رغم العقبات التي وضعتها إسرائيل وقناة المياه التي أقامتها والجدران التي بنتها. وتفوقت المقاومة على ذلك بالحفر في مسافات أشد عمقاً، وفشلت محاولة إسرائيل استيراد حفّار من الولايات المتحدة الأميركية قادر على الحفر في عمق 15 متراً بسبب عقبات بيروقراطية.
وبعد نجاح المقاومة بأسر الجندي جلعاد شاليط إثر اقتحام موقع عسكري عبر نفقٍ في العام 2006، طرحت وزارة جيش الاحتلال عطاءً لتطوير منظومة متخصصة بالكشف عن الأنفاق. ووقع الاختيار على شركة طرحت بعد سنوات منظومتها العلاجية، غير أن هذه المنظومة فشلت فشلاً ذريعاً بعدما تمّ نشرها على الحدود مع قطاع غزّة.
واعترف قائد وحدة "يهلوم" السابق عيتاي شيلح بأنه أدار وشارك في عشرة مشاريع لم تفلح في إيجاد حلّ لتهديد الأنفاق، مضيفاً: "لذلك، أنا أدرك حجم التحدي".
وبحسب، الباحث الإسرائيلي رونين برغمان، فإن إسرئيل تدرك حجم الأنفاق ولكن هذه المعرفة مبنية فقط على الجهد الاستخباري، مشيراً إلى أن "هذا التهديد تم تعريفه كتهديد مركزي منذ 14 عاماً، وحتى الآن الصناعات التكنولوجية المتقدمة والمنظومة الأمنية في إسرائيل لا تزال غير قادرة على إيجاد حل.. وهذا الأمر لا يمكن وصفه بأقل من فضيحة".

كوابيس الليل

وفي ظل عجز التكنولوجيا عن كشف الأنفاق، ألمح ضابط رفيع بـ"الشاباك" شغل منصب رفيع ذي صلة بقطاع غزة، إلى أن الاستخبارات تواجه عقبات في جمع معلومات إستخبارية لتحديد مواقع الأنفاق. وأضاف ضابط "الشاباك": "خمسة أشخاص فقط يشاركون بالحفر، وهم فقط يعرفون مكان الحفر، وهم حصراً من رجال "القسّام". والحفر قد يستغرق ما بين 9 و10 أشهر. وبسبب التكتم والتزام الحذر، قد يستغرق الحفر عامين".
وفي العام 2010، أقيم في "إدارة البحث لتطوير الوسائل القتالية والبنى التحتية التقنية" في وزارة جيش الاحتلال مشروع خاص، يضم طاقمه أكاديميين وباحثين، هدفه إحداث انطلاقة في مجال معالجة تهديد الأنفاق. وتوصل الطاقم في استنتاجاته إلى ضرورة البداية من الصفر، عبر بناء منشأة عسكرية لأغراض علمية، يلي بناءها الشروع بتطوير منظومة جديدة.
في شهر كانون الثاني /يناير من العام 2011، تم تعريف القتال تحت الأرض خلال مداولات في وزارة الجيش، كتحدٍّ معقّد ومحدق. وفي العام 2012، تم تعريف هذه المهمة كمشروع طوارئ لإزالة العقبات البيروقراطية.
وطبقاً لما ذكره مصدر رفيع في إدارة أبحاث تطوير الوسائل القتالية في جيش الاحتلال، فإن المال لم يكن العقبة التي حالت دون تحقيق النجاح.. فقد تم بناء ميدان اختبارات واستثمرت فيه مئات الملايين من الشواكل، ولكنه لم يخرج بحلّ ناجع للأنفاق.
في خلاصة الأمر، يمكن استعارة وصف مستشار رئيس أركان جيش الاحتلال السابق لشؤون الـنفاق يوسي لنجوتسكي، لنتيجة التعاطي الإسرائيلي مع تهديد الأنفاق بـ"الإخفاق". وهو المصطلح ذاته الذي تستخدمه إسرائيل لتصوير فشلها في حرب العام 1973. ويكمل المستشار محدّداً: "إن معالجة الدولة لخطر الأنفاق إخفاقٌ على مستوى رئيس الأركان ووزير الأمن".
بعد أقل من أسبوعين على نهاية العدوان على غزّة، وفي خطوةٍ جاءت لاستيعاب الانتقادات الموجهة إلى الحكومة الإسرائيلية فيما يُعرف بـ"ملف التعاطي مع إخفاق الأنفاق"، خصّصت إسرائيل مبلغ 750 مليون دولار لبناء منظومة جديدة أطلقت عليها اسم: "المجرفة الحديدية"، هدفها الكشف عن أنفاق "حماس" و"حزب الله".
لقد باتت هذه الأنفاق كابوساً يلاحق جيش الاحتلال، ويطرد النوم من عيون سكان المستوطنات المحاذية للحدود مع لبنان، خاصةً بعد إدّعاء العشرات من هؤلاء السكان سماع ضجيج صادر من أعماق الأرض في الليل. يقولون أن المقاومة اللبنانية تحفر أنفاقاً هجومية.