| 

المحال التجاريّة في غزّة غالباً ما تتنوّع بضائعها ما بين تلك الإسرائيلية، والفلسطينية، وأخرى تركيّة، ومصرية. قلّما تجد محلاً خالصاً بالمنتجات الوطنيّة المحليّة، إذ يفضّل المتسوقون المنتجات الإسرائيليّة والتركيّة لاعتبارات عديدة، أهمها عدم ثقتهم بالمنتج الفلسطيني المحلي، واعتباره أقل جودة عن غيره من المتوفر في الأسواق.
لكن، مع إشهار الفلسطينيين لسلاح المقاطعة الاقتصادية في وجه إسرائيل، وتنظيم العديد من الحملات الشعبيّة الرامية إلى تحقيق هذا الهدف، خاصةً في مدن الضفّة المحتلّة، بدأ سكّان غزّة بشكل تلقائي مقاطـــعة منتجات المحتل، بدافعٍ أخلاقيّ أولاً. إذ لم تتكفل جهة رسمية أو غير رسمية بالدعوة للمقاطــــعة، وإنما هم أيقنوا أن الفائدة المالية من شراء المنتجات الإسرائيلية تذهــــب للجيش الذي يقصف غزّة ليلاً نهاراً.
في ظل الحصار المالي والاقتصادي الذي يفرضه الاحتلال على القطاع منذ صيف 2006، بدأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة في السابع من تموز الماضي. السلطات الإسرائيلية خلال الحرب لم تُغلق المعابر التجارية التي تربط القطاع بالداخل المحتل إلا لُماماً، وواصلت إدخال البضائع والمنتجات لتجّار غزّة عن طريق معبر «كرم أبو سالم»، الواقع شرق القطاع. منه، يستلم تجّار غزّة بضائعهم، ومن ثم يقومون بتوزيعها على تجّار التجزئة، وأصحاب المحال الكبيرة في القطاع.
التجارة مع إسرائيل.. خلال الحرب
لا شك في أن التجّار والموزعين عملوا تحت ظروف أمنية غاية في الصعوبة خلال الحرب، خاصة عند نقل بضائعهم عبر الشاحنات الكبيرة من معبر أبو سالم، ومنه إلى المحال التجاريّة. إذ كان مُحيط المعبر يتعرض لعشرات قذائف الهاون التي تُطلقها المُقاومة.
مع ذلك، استمر العمل على نقل البضائع الواردة من المعبر الوحيد الذي يُفتح أوقات الحرب إلى الأسواق الغزيّة. وبينما أغلقت معظم المحال أبوابها بفعل القصف والحالة الأمنية الخطيرة، كان آخرون يُجازفون ويفتحون أبواب محالهم أمام المتسوقين. وهؤلاء هم الذين كانت تَرِدْ إليهم البضائع - وقت اشتداد القصف - من إسرائيل. أما في الأوقات التي كانت تشهد تهدئة لساعات مُعينة، فأغلب المحال كانت تفتح أبوابها أمام السكّان المتعطشين للتزوّد بحاجياتهم الأساسية قبل أن تنتهي الهُدنة المُعلنة.
خلال الشهر الأوّل من الحرب التي استمرت خمسين يوماً، كان متوسط عدد الشاحنات التجارية التي تدخل غزّة عبر «كرم أبو سالم» حوالي ستين شاحنة، من أصل مئتين وخمسين شاحنة كانت تدخلها قبل الحرب. وفي الأيّام الأخيرة من الحرب، بدأت تزداد أعداد الشاحنات تدريجياً، لتصل إلى 100- 120 شاحنة في اليوم.. علماً بأن عدد الشاحنات التي كانت تدخل القطاع من المعبر ذاته قبل العام 2007، أي قبل فرض الحصار على القطاع، بلغ حوالي خمسمئة شاحنة يومياً. ما يعني أنه في أفضل الأحوال سمحت إسرائيل بإدخال ما نسبته 50 في المئة فقط مما كانت تسمح به سابقاً.
بسبب الأوضاع الخطيرة في القطاع خلال الحرب، لم يكن السكّان يأمنون الخروج والتسوّق، رغم حاجتهم المُلحّة لشراء مزيداً من المنتجات الغذائية الأساسية، خاصة أنهم كانوا أحياناً يُحاصرون لأيامٍ طويلة في بيوتهم، تحت وطأة القصف. كذلك هي الحال بالنسبة إلى أغلب أصحاب المحال التجاريّة، فكانوا يجدون في التهدئة التي تُبرم لساعات معدودة فرصة لالتقاط أنفاسهم، وشراء ما يلزم لما تخبئه الأيام المقبلة عليهم.
حين فُرض الحصار على غزّة، ابتدعت إسرائيل قائمة منتجات محظورة من الدخول إلى غزّة، وأسمتها القائمة السوداء. وتضمنت: مواد البناء، الحديد، الأسمنت، الحصمة، مواد التنظيف، المواد الكيميائية، الآليات الثقيلة، الأجهزة الطبيّة والصناعية، الشاحنات، المواد الخام بكافة أنواعها»، وغيرها من المنتجات التي تدّعي إسرائيل استخدام المقاومة لها في حفر الأنفاق. وفي الوقت ذاته، استمرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سياستها بالحدّ من تصدير المنتجات الصناعية والزراعية من قطاع غزّة إلى الخارج.
كل البضائع والمنتجات التي ترد إلى قطاع غزّة تتم عبر صفقات بين تجار في القطاع وتجار فلسطينيين في الضفة الغربيّة. وأحياناً، كانت تتم بين تجار من غزّة وإسرائيليين يعملون في الداخل المحتل. ورغم الأوضاع الأمنية وظروف الاحتلال، إلا أنه أحياناً كان يخرج تجار غزّة لمقابلة نظرائهم الإسرائيليين، والاجتماع سوية خارج حدود غزّة، ولطالما رفض فلسطينيون كثر هذه السياسة التي وصفوها بأنها «تطبيع مع الاحتلال».
وبطبيعة الحال، لا يأتي الحرص الإسرائيلي على استمرار التواصل التجاريّ مع غزّة من باب مراعاة الظروف الإنسانية التي يتعرّض لها السكّان، أو سعياً للتخفيف عنهم كما يدّعي الناطقون باسم إسرائيل، بل لاعتبارات تجاريّة واقتصادية. فإسرائيل لا ترغب بأن يتزعزع أي ركنٍ في اقتصادها بفعل حرب غزّة، لا سيما أن القطاع يشكّل تربةً خصبة للاقتصاد الإسرائيلي.
.. والمقاطعة ولدت خلال الحرب
تسجّل التقارير الاقتصاديّة تغلغلاً واجتياحاً واسعين للبضائع الإسرائيلية في الأسواق الفلسطينية، حيث يبلغ حجم التصدير الإسرائيلي للأسواق الفلسطينية حوالي ثلاثة مليارات دولار سنوياً، ويأتي السوق الفلسطيني في المرتبة الثانية للمنتجات الإسرائيلية بعد الولايات المتحدة، ما يعني أن ميزانية دولة الاحتلال وميزانية وزارة جيش الاحتلال تتغذى إلى حدّ كبير مما يدفعه كل فرد من أبناء الشعب الفلسطيني من أثمان للبضائع الإسرائيلية التي يستهلكها.
وفق تقريرٍ نشرته صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية في آذار/مارس 2014، فإن هناك علاقات تجارية كبيرة بين إسرائيل وغزة: خلال عام 2012ـ، بلغ حجم البضائع الإسرائيلية التي بيعت إلى غزة بنحو 1,3 مليار شيكل، ما يمثل لإسرائيل سوقاً مُربحاً كبيراً جداً، ودافعاً اقتصادياً للاستثمار في سوق غزة، بحسب الصحيفة.
ولكن، مع تصاعد الحملات الشعبيّة الداعية لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بعد مرور ثلاثة أسابيع على بدء الحرب، استغنى سكّان غزّة عن مُعظم المنتجات الإسرائيلية تلقائياً، مثل: حليب تنوفا، عصير التبوزينا، حفاظات الأطفال سريتش، صابون هاواي، مسحوق الغسيل تايد، اللبن الإسرائيلي شمينت، قهوة عيليت، ... أضف إليها منتجات كالشيبسي، وشامبو الشعر، والمشروبات الغازية، والأدوية. تم استبدالها جميعها بمنتجات فلسطينية وأخرى تركيّة ترد عن طريق معبر «كرم أبو سالم» من خلال شركات استيراد في الضفّة الغربيّة. وسحبت هذه المنتجات البديلة البساط من تحت المنتجات الإسرائيلية، وتوقف استيرادها إلى غزّة، وضاعف التجّار من كميات المنتجات الأخرى البديلة، على حساب المنتج الإسرائيلي الذي بقى على بعض رفوف المحلات من دون إقبال من المتسوقين، حتى بعد إطلاق عدّة حملات وعروض مُغرية لشرائه.
الأنفاق كانت حلّاً
ترد المنتجات الفلسطينية إلى سوق غزّة عن طريقين: إما عبر المصانع المحليّة الموجودة في القطاع، والتي تصنع منتجات مثل بسكويت العودة، قهوة ديليس، ومزاج، وبدري وهنية، مكسرات أبو اسكندر، زيت زيتون أبو حميد، طحين السلام، بيونير للمعلبات والمنتجات الغذائية، آيس كريم العريس، صناعات غذائية، مشروبات غازية، شيبس.. أو عن طريق المصانع الفلسطينية في الضفة الغربية، والتي تُصدّر لغزة منتجات مثل عصير كابي الطبيعي، منتجات ألبان الجنيدي.
وخلال فترة عمل الأنفاق الحدودية بين قطاع غزّة ومصر بشكله الطبيعي، كانت فرص نجاح مقاطعة منتجات الاحتلال في أسواق غزّة كبيرة جداً، بسبب توفّر عدّة بدائل أخرى من المواد التي تدخل القطاع يومياً. لكن، في فترة الحرب، يعتمد السوق المحلي بشكل كبير جداً على المنتجات الإسرائيلية، بجانب بعض المنتجات الفلسطينية ذات الجودة المقبولة، وأخرى تركيّة ومصريّة يُفضّلها المواطنون عن المنتجات الفلسطينيّة.
ومنذ أن شنّت إسرائيل عدوانها على القطاع، تعمّدت الطائرات الحربيّة استهداف أغلب المصانع والمنشآت الحيويّة في قطاع غزّة، ما أدّى إلى تدميرها وشل حركتها، وتكبيد أصحابها خسائر مالية فادحة. وبحسب إحصائية أوليّة أجراها «اتحاد الصناعات الغذائية في قطاع غزة»، فإن العدوان الإسرائيلي على القطاع تسبّب بتدمير واسع لمصانع المواد الغذائية، مُخلّفاً خسائر بقيمة 150 مليون دولار. وقد رصدت مؤسسات حقوقية تدمير 250 منشأة اقتصادية في غزّة، من بينها 180 مصنعاً، أغلبها تُصنّع مواد غذائية، وأخرى خاصة بمواد التنظيف.
وقد أثّر هذا الاستهداف بشكل واضح على القدرة الإنتاجية لهذه المصانع خلال الحرب. إذ غابت الكثير من المنتجات الفلسطينية مثل مُعلبات بيونير، والمشروبات الغازية، والطبيعية، وبسكويت العودة، عن الأسواق، وارتفعت أسعار أخرى حتى الضعف، وبقي المواطن حائراً ما بين مقاطعة منتجات الاحتلال، وغياب وارتفاع منتجات بلده، نتيجة الاستهداف المباشر لتلك المصانع الفلسطينية في غزّة.