| 

خلال الشهر الماضي، تغيّرت حياة مواطنٍ بلجيكي. الرداء الأبيض وغرف المختبرات، المكاتب النظيفة، الجامعة والطلاب، المكانة المرموقة وهالة الاحترام المستحق، كلها بقيت على حالها، لكن الهدوء ذهب بلا رجعة. كأن صاحب هذه الحياة داس على لغم مضاد للفطرة الانسانية، فحلّ الصخب. صار بروفسور طب الفيروسات مارك فان رانست (49 سنة) على كل لسان. مانشيت في الجرائد وعنواناً أول في نشرة التلفزيون. أخذ ورد، واتهامات من العيار المستخدم لإنتاج الخرس. حملات، انتحال شخصية، وسعي دائب لتشويه صورته.

كان كل شيء عادياً قبل حلول يوم من أيام أواخر تموز الماضي. كان الرجل قد اتخذ قراره بحزم. أجرى العمل الذي أراده بيسر، لم يواجه مطبات، واكتمل في غضون أيام. مع حلول المساء، انتشرت الضجة: 120 من كبار الأكاديميين البلجيكيين في الطب يوقعون رسالة "تدين بشدّة المجزرة" الجارية حينها في غزة. تطالب الجميع، سياسيين وعامة، بفعل شيء "لأنه لا يمكن لإسرائيل الاستمرار في الرهان على بقعة عمياء في ضميرنا".
"بقعة عمياء في الضمير"
أجرت "السفير" مقابلة مع البروفسور الذي يعمل في جامعة "لوفن" المعروفة في بلجيكا. بالمصادفة، جاءت المقابلة قبل بضع ساعات من إعلان الهدنة بين المقاومة الفلسطينية في غزة وإسرائيل. سألناه ما الذي دفع به إلى خوض المبادرة خلال هذا العدوان تحديداً. أجاب ببساطة: "بسبب العدد الكبير من الضحايا الأطفال. ربما في السابق كنت فقط لا أنتبه، لأني لم أكن قد صرت أباً. أما الآن فكلما أرى طفلاً صغيراً يموت هكذا، أسأل نفسي ما الذي كنت سأفعله أنا؟ هذا الموضوع آلمني. كنت أشاهد الحروب السابقة، لكني لم أكن أعلن موقفي بالصوت العالي".
حفلت صفحات الجرائد بنقاش رسالة أساتذة الطب. قنوات التلفزيون صورت تقارير وجمعت ردود فعل. ببساطة: كان حدثاً لا يمكن تجاهله. صحيح أن هناك نشطاء وجمعيات لا تتوقف عن التحرك من أجل فلسطين هنا، خلال العدوان أو خارجه، لكن الأمر هذه المرة بدا مختلفاً تماماً. فالأثر كان مدوّياً.
أطباء غير حياديين
أتى أثر الرسالة مدوياً لأكثر من سبب لعل أبرزها رفعة مواقع مُتبني المبادرة. فقد كان لهم الأثر الكبير بين الناس، على اعتبار أن من يخاطبهم هم أصحاب مهنة الرحمة بالانسان من آلامه.
أدرك موقعو الرسالة تماماً مدى هذه الحساسية، وتعاملوا معها دونما مداورة. كتبوا: "خلال الحرب يحاول الأطباء أن يكونوا حياديين بقدر إمكانهم، لأنهم مقتنعون أن لكل حياة الثمن ذاته. لكن، إذا حصل صراع، لطرفٍ فيه نسبة 95 في المئة من الضحايا، فهذا الصراع ليس عملية حربية: هذه مجزرة".
قدّم الأطباء قضية عادلة للرأي العام، بالأرقام والمنطق. حدثوهم عن أرض "لا ملجأ فيها" من القتل. إن استهداف المشافي بالقصف "بطريقة واضحة جداً هو جريمة حرب".
بعد ذلك، توجهوا إلى مواطنيهم بصيغة المخاطبة المجازية. مئات الآلاف سمعوا كلماتهم هذه: "من بلدان يقومون فيها بمذابح كهذه، لا نشتري برتقال. لا نذهب إلى عطلة هناك. لا نبيعهم أسلحة، ولا نلعب معهم مباريات كرة قدم". ما أثار جنون حرّاس إسرائيل أن أساتذة الطب لم يطالبوا، مثلاً، بمقاطعة أكاديمة. الجريمة، كما قدموها، فاقعة، والرد لا يكون أقل منها: "كأطباء، نحن نطالب سياسيينا بإدانة قاسية لاسرائيل، للجرائم ضد الانسانية التي تقوم بها الآن في غزة. أن تكون إدانة عملية، مع حظر اقتصادي وعسكري".
يقول البروفسور خلال حوارنا معه إنهم لم يكونوا يشتغلون سياسة، بل يتحدثون لغة الحسّ الانساني الذي له تاريخ ومرجعية :"الشيء الوحيد الذي فعلناه هو نداء لتتحمل السياسة مسؤولياتها. أن يتحركوا كما فعلوا مع نظام الأبرتهايد (الفصل العنصري في جنوب افريقيا)، وكان ذلك ناجحاً، لأن الموضوع هو ذاته تقريباً. كما أن أي انسان منا قادر على أن يشكل ضغطاً عبر طريقة استهلاكه، والأمر يعتمد على ضمير كل واحد منا".
غضب "الصالحين من الشعوب"
خرج أنصار إسرائيل عن طورهم وهم يتابعون الاهتمام الإعلامي. يروي البروفسور مارك فان رانست أنه لم يجد أي صعوبة في جمع دعم زملائه، كل من طلب منه التوقيع فعل، وشرح مدى حماستهم للمبادرة. أعاد تقوية معاني ندائهم. تحدث عن سقوط "كل حظر، كل منع" عن إعلان إدانة اسرائيل. استخدم لاحقاً مصطلح "غزوة كوست"، بتحوير من إبادة "الهولوكوست" بحق اليهود. قال إن "اسرائيل استخدمت كلّ رصيدها التاريخي"، معلناً أنه "سقط كلّ الخجل".
الصحافي غيدو يوريس، من مجلة "اليهود الآن" البلجيكية، لم يستطع كتم غيظه. وجّه إلى البروفسور رسالة هازئة، تحت غطاء أسئلةٍ في مقالة، يفوح منها التهديد بالسلاح "التاريخي". جاء فيها: "أود أن أعرف لمقالي كيف حمى والديك وأجدادك اليهود في بلدنا من النظام النازي. هل خبأوا يهوداً، هل ساعدوهم على الهرب، هل اعترضوا ضد النازيين برسالة في جريدة مثلما تفعل أنت الآن؟". بعد هذه "الأسئلة"، يصل الصحافي إلى لبّ غيظه: "إن ردك هام لمقالي، بما أنك تقول إن اسرائيل كان لديها رصيد تاريخي، وأنا أريد أن أعرف أي حصة تملكها عائلتك فيه. أنا لم أجد أهلك في سجل "الصالحين بين الشعوب" (قوائم تكرّم فيها اسرئيل من دافعوا عن اليهود في الحرب العالمية الثانية). من الصحيح أن بعض الناس كانوا شجعاناً وغير موجودين في السجل، وربما رسالة أهلك لم تقع تحت عيني واضعي السجل، فهل كان أهلك فعلاً شجعاناً ولديك بالصدفة نسخة عن الرسالة؟". كمن شفى غليله، يختم يوريس رسالته للبروفيسور: "إذا كان لا يمكنك الرد، سأفترض أن أهلك لم يساهموا بأي طريقة لمنع قتل ستة ملايين يهودي في أوروبا. مع تحيات ملائمة".
الرسالة وضعها فان رانست على صفحته الشخصية على "فايسبوك"، ثم قرأها الآلاف بعدما نشرتها صحف فلمانية (للقسم الناطق بالهولندية الذي يشكل غالبية بلجيكا).
رد البروفسور، ودائماً بكلمات انسانية، بسيطة، ممتلئة بمعناها: "كان والداي أطفالاً صغاراً خلال الحرب، وأجدادي هم أناس بسطاء جداً كانوا يعيشون في الريف ولم يكن لديهم أي اتصال بمواطنين يهود. حاولوا مثل الكثيرين فقط النجاة من الحرب. جدي كان جندياً يقاتل ضد ألمانيا. أجدادي لم يحصلوا على فرصة الدراسة، وبعد الابتدائية ذهبوا مباشرة إلى العمل. لم يقدروا على كتابة رسائل إلى جرائد". سأل البروفسور منتقده عن حاجته لمعرفة ما فعل أجداده قبل أكثر من سبعين سنة. عن علاقة ذلك بمقالات رأي يكتبها اليوم "لأدين فيها آثام القوات الاسرائيلية في غزة". بعد ذلك، يسأل البروفسور مهاجمه: "هل برأيك يصلح فقط لأجداد هؤلاء الموجودين على قائمتك من "الصالحين بين الشعوب" أن يفكروا ويقوموا بتعليقات حول الحكومة الاسرائيلية في 2014؟".
خلال هذه المعارك، كان الابتزاز عبر قائمة "الصحالين" يواجه بصدمةٍ كبيرة، ومن هولندا البلد الجار الذي يتحدث اللغة ذاتها. الإعلام البلجيكي نشر، كما فعلت وسائل إعلام عالمية، قصة الرجل التسعيني الذي أعاد وسام "الصالحين" لإسرائيل. قال إنه لا يقبل أن يحمل تكريماً من حكومة تفعل ما يراه في غزة. هذا الرجل، للمصادفة، له حفيدة متزوجة من فلسطيني مهاجر، والأخير قُتلت عائلة شقيقه وأطفاله تحت القصف الاسرائيلي.
لم تتوقف فزاعات اسرائل عن محاولة ترهيب البروفسور. مما فعلوه كان إنشاء بريد الكتروني باسمه، وبعث الرسائل منه لتشويه سمعته. الدروع البشرية لم يوفروها: كتب 180 مريضاً، أغلبهم يهود، رسالة إدانة لرسالة الأطباء. يقول لنا فان رانست تعقيباً على ذلك: "هذا فعلاً ليس معقولاً، كل شخص ينتقد اسرائيل يبذلون جهوداً هائلة ليجعلوا صورته سوداء تماماً".
لكن ذلك لم يجعله يتراجع خطوة واحدة، كما يقول: "بالعكس، فقد تصلب موقفي، لأن الردود عنت أن رأينا صحيح. إذا لم يكن هناك ردّ على النقد فهذا يعني أن النقد ليس أكثر من مديح مغلّف. النقد يؤلم عندما تكون له أرضية صحيحة".
120 زائداً واحداً
أوردت رسالة الـ "120" بروفسوراً إشارة إلى مناشدة أطلقها زميلهم، الطبيب النرويجي مادس جيلبرت. وكان الأخير قد أطلقها من مشفى "الشفاء" في غزة حيث عمل هناك لعلاج المصابين. الرجل صار وجهاً مألوفاً بعد ظهوراته المتكررة في وسائل إعلام دولية. اقتبسوا من مناشدته: "كأطباء، لمرة واحدة، نحن لا نطلب ضمادات ولا إبر. لا ترسلوا فرقاً طبية، فالتدخل الطبي الأهم الذي يمكنكم القيام به الآن، هو أن تضغطوا على إسرائيل لإيقاف القصف ورفع الحصار".
قابلنا الطبيب جيلبرت حين خرج من غزة ناقلاً شهاداته عن فظائع شرحها، ومرفقاً إياها بصور التقطها بنفسه. قال لنا وقتها إنه لا يجب انتظار الحكومات لتتحرك: "أعتقد أنه، في هذا العالم، كل واحد منا يحتاج لأن يقف، ويقرر ما هو الصح وما هو الخطأ، ما الذي سيقبله وما الذي لن يقبله، ثم علينا فعل شيء. كل واحد يمكنه فعل شيء".
السلطة الفلسطينة كرّمت جيلبرت يومها بمواطنة فخرية. صحيح أنه تقدير، لكن لأيّ حاجة؟ أمثاله على وجه التحديد هم من يثيرون جنون فزاعات اسرائيل، لأنهم يقدمون شهادة: الآخر الإنسان. بقاؤهم في ذلك الموقع المحصّن بذاته، أليس أفضل لفلسطين وجهدهم لأجلها؟
في رده على رسالة الصحافي المغتاظ، كتب البروفسور فان رانسنت أن الإجابة الحقيقية على أسئلته الموتورة، تكمن في الحاضر ومستقبله، وليس الماضي. ختم بأن مبادرته، وتحركه الآن، سيكونان الردّ "حين سيسأل صحافي في مجلة "فلسطين الآن" حفيدتي، بعد 71 سنة، ما الذي فعله جدّها لفلسطين خلال الحقبة السوداء لـ"غزة كوست" في 2014".