| 

ما إن توقفت صورايخ الاحتلال ودباباته عن ضرب غزّة، حتى بدأت المناكفات السياسية في فلسطين وخارجها حول جدوى الحرب، ما حققته ولم تحققه المقاومة. تياران أساسيان في قراءة وقف إطلاق النار برزا على السطح: الأول يقول بأن الحرب قد جرّت الويلات على الفلسطينيين في غزة، وادّعت أن إطالتها لم تكن سوى اتجار سياسي بالدم يستهدف إخراج "حماس" من مأزقٍ مفترض بعد خسارتها "الإخوان المسلمين" في مصر، وخسارة سوريا وإيران قبل ذلك. وكذلك، تأتي أصوات الصحافة المصرية التي رأت كل ما حدث من زاوية دور مصر، لتتهم "حماس" بتقزيم ذلك الدور من أجل إرضاء قطر وتركيا. في المقابل، راح التيار الثاني يحتفل بإنجاز الانتصار، معتبراً وقف إطلاق النار انجازاً متميزاً لصمود غزّة ومقاومتها ضد أكبر الآلات العسكرية في المنطقة، مقدّماً المبررات الإيديولوجية لموقفه. ضمن استقطاب كهذا، يتطلب الأمر وضع خطوط عامة لماهية الهدنة في سياق الاستعمار، فلسطينياً على وجه التحديد. وضع هذه الخطوط يتيح لنا الخروج من مأزق التحليل السياسي من زاوية مصالح الدول حيناً، أو تضخيم كل حدث وتجربة أحياناً، كاعتباره "النصر" مع "أل" التعريف، وليس نصراً ضمن معركة أوسع وأطول عمراً.


لا شك بأن ما حققته المقاومة في معركتها في غزّة من صمود جليّ وإيقاع خسائر "كبيرة" بجيش الاحتلال، يعتبر تحولاً نوعياً، بالمقارنة مع معارك سابقة خاضها الفلسطينيون ضمن نضالهم الطويل. وهنا، لا نتحدث عن الاستعدادية للتضحية، بل عن نموذجٍ جديد جمع بين "الاستعداد" للتضحية و"الإعداد" للمعركة. ومن ضرورات الإنصاف استحضار النموذج الذي قدمه "حزب الله"، سواء في تجربة تحرير الجنوب، تلك التجربة التي ألهمت الفلسطينيين خلال الانتفاضة الثانية، أو في تجربة حرب تموز التي يسترشد بها مقاومو غزّة، من ناحية الإعداد الكافي للمواجهة والتخطيط لخوض معركة توقع الخسائر بالعدو. ولكن، تجاوزاً لمأزق تمجيد التجربة التي يجب البناء عليها وتطويرها، يتطلب الأمر إخضاع هذه التجربة لمنطق العمل السياسي الذي يجب أن يكون حاضراً لدى حركات التحرّر في السياق الاستعماري.

حلقة صغيرة نحو السياسيّ

كان أهم الانتقادات التي وجّهت إلى الراحل الشهيد ياسر عرفات خلال مرحلة قيادته للحركة الوطنية، هو استعجال قطف الثمار السياسية لكل معركة (سواء كانت نصراً أم هزيمة). وقد انطبق ذلك جلياً على تجربة الانتفاضة الثانية، التي أخضعت لحساباتٍ سياسية آنية، وتحقيق مطلب تفاوضي هنا أو هناك. من بديهيات النضال ضد الاستعمار الاستيطاني، كما هي الحال في فلسطين، أن تكون المعركة معه معركة وجود. ولا نقصد وجودا فيزيائيا، رغم أهميته، بل وجود النظام الاستعماري وبنيته ومنظومة علاقاته القائمة على الاستعلاء والقهر الوطني والاستعباد الاقتصادي. بالتالي، يصبح فهم علاقة وقف أو استمرار المقاومة مرتبطاً بعملية إجبار المستعمر على توقيع معاهدة استسلامه، والقبول بتفكيك البنية الاستعمارية. لذلك، فإن مسائل من قبيل الهدنة أو وقف إطلاق النار خلال معركة، تقع في دائرة الأمور التي يجب ألا تجد من يأبه لها، حتى وإن كانت نصراً. الأمر يجب ألا يلهينا عن قياس النصر بمدى تحقيقه مطالب سياسية من عدمه.
هنا، يمكن القول بأن مطالب المقاومة في غزّة أتت بدرجةٍ أقل سياسية تحرّرية، وأكثر مطلبية إنسانية، رغم أن "حماس" تحديداً تروّج للصفة الأولى بينما ينتقدها خصومها بالصفة الثانية. إن بينية المطالب التي قدمتها المقاومة في غزة تتطلب النظر إليها ضمن الإطار الأوسع، أي العلاقة الاستعمارية. إذ تنشط ماكينة الاستيطان بلا كلل في القدس والضفّة، فيما تستمر عمليات القهر القانوني والسياسي ضد فلسطيني الـ48. وبالتالي، فإن المعركة في غزة ليست معركة تم الانتهاء منها، وهي ليست سوى حلقة صغيرة في سلسلة معارك من أجل الوصول إلى مطلب سياسي. لذلك، تصبح عملية استعجال قطف نتائج المعركة من أجل تحسين شروط سياسية محفوفة بالمخاطر، أشبه بتحويل انتصار صغير إلى نهاية أو هدنة طويلة، كما يحلو لقيادات "حماس" السياسية وغيرها القول. هذا ما تراهن عليه إسرائيل، أي تحويل القطاع إلى جزء معزول يتم التفاوض حول قضاياه المعزولة عن قضية الاحتلال ككل.

مطبّات "أل" التعريف

قد يجادل البعض معتبرين أن طرحاً كهذا يدخل ضمن عملية بناء نموذج نظري عن الحالة الاستعمارية، من دون الدخول في تعقيدات العلاقات السياسية بدول المحيط، وطبيعة سيطرة علاقات قوة في المنطقة، ما يفرض على مقاومة غزة نمطاً من السلوك السياسي قد لا يتطابق مع تركيب الواقع. كما تمكن المجادلة باعتبار أن أيّ مقاومة قد تستفيد من شروط ومطالب محدّدة في معاركها المستمرة مع الاستعمار، سواء من أجل تحسين موقعها نضالياً أو من أجل التخفيف من معاناة شعبها. إن كلاً من الطرحين السابقين منطقي، ولكن كليهما يتطلبان مناورة في العمل السياسي حتى لا نقع في فخ السيطرة الاستعمارية حتى في ممارستنا السياسية، كما حدث بعد أوسلو.
ففي الطرح الأول، يمكن الإجماع على أن عملية حصار غزة تتجاوز حكومة الاحتلال لتشمل عدّة كيانات، لكل منها منطقه ومصالحه في القضية. كما أن الهجوم على "حماس" أيضاً يصبّ في خريطة الأطراف والمصالح ذاتها، وضمن لعبة المحاور الوهمية التي تتشكل على عجل في المنطقة، بالإضافة إلى الهدف الأوسع، وهو القضاء على المقاومة، سواء كممارسة أو كفكرة. ولكن ذلك كله لا يعني أن يتم اختصار مطالب المقاومة بقطاع غزة، وإنهاء الحصار. كأن القضية هي غزّة، لا فلسطين.
أما الطرح الثاني المتعلق بتحقيق مكاسب هنا أو هناك بعد انتصارٍ في معركة فهو أيضاً مشروع، ولكن عملية بناء المطالب يجب أن تنطلق من اعتبارين أساسيين: أولهما، قابلية هذه المطالب للتحقيق، وثانيهما، تخارجها من الاستحقاق السياسي. ونقصد هنا أنه يجب على المطالب أن تكون ضمن منطق إمكانية التحقيق، بحيث لا يستغل فشل تحقيقها في ضرب فكرة المقاومة، وتعزيز منطق "الجدوى" وحسابات الربح والخسارة التي أصبحت بمعظمها حساباً اقتصادياً محضاً يجريه خصوم المقاومة، والحفاظ على علاقة المصداقية بين المقاومة وشعبها. إن تصوير نصرٍ في معركة باعتباره "الانتصار"، مع "أل" التعريف المضخمة، قد يرفع توقعات الناس المتشوقة لنصرٍ ما، ويزيد الضغط على المقاومة إذا فشلت في فرض مطالبها نتيجة للظرف السياسي المحيط.
أما التخارج عن السياسة فيجب أن ينطلق من المعرفة التي اكتسبها الفلسطينيون بعد تجربة أوسلو، والتي ارتبطت فيها المطالب الحياتية البسيطة كرفع حاجزٍ هنا أو لمّ شمل عائلة هناك، مقابل تنازلات سياسية أفرغت النضال التحرّري من محتواه الأخلاقي والسياسي. وقد يكون اتفاق الخليل (بعد مجزرة الحرم الابراهيمي) نموذجاً آخر عن عملية قبول ثمنٍ يؤدي إلى استحقاق سياسي أشدّ خطورة. إذ تم حينها تقسيم الحرم والمدينة، وتم قبول ذلك فلسطينياً ضمن اتفاقية سياسية خسر فيها الفلسطينيون بحكم موقعهم في علاقات القوة. وهنا، نقصد مطلبَي المطار والميناء، وكلاهما مطلبان سياسيان مغلّفان بروحيةٍ إنسانية يعرف القاصي والداني أن تحقيقهما يعني الدخول في متاهة الاشتراطات السياسية التي قد تضيف طبقة جديدة إلى طبقات التقسيم المكاني والاجتماعي للفلسطينيين.
في خلاصة القول، لا بد من التذكير بأن المعركة في غزّة لم تكن خياراً فلسطينياً، بل هي معركة فرضت على الفلسطينيين. بالتالي، يجب ألا يتم استعجال قطف ثمارها السياسية أو حتى رفع سقف توقعات المطالب الإنسانية، حتى لا تضرب المقاومة في مصداقيتها، وحتى لا يستشري منطق الربح والخسارة الآنية في صراع يطول مع استعمارٍ يهدف إلى إنهاء الوجود الفلسطيني ككل. قد لا يتغير أي شيء في حصار قطاع غزة، فإيديولوجيا دولة الاحتلال تقوم على منطق عدم السماح للفلسطيني بأن ينتصر، ولو رمزياً. إنّ رفع سقف التوقعات من الهدنة قد يفقدنا حتى الانتصار الرمزي.

^علاء العزّة: أستاذ الأنثروبولوجيا الثقافية في "جامعة بيرزيت"