| 

موعد انطلاق التظاهرة يقترب. الحافلات والسيارات تصل إلى موقعها، وهناك من وصلها مشياً على الأقدام. يتجمّع الكلّ في نقطةٍ واحدة متفقٌ عليها مسبقاً. أحياناً، تتوزّع التظاهرة على مجموعات عديدة تلتفّ حول بعضها البعض، وأحياناً تكون مجموعة واحدة كافية لأن يصل صوت هتافها إلى كافة المتظاهرين والمتظاهرات، بلا مكبّرات صوت.
كوفيات بيضاء وسوداء، كوفيات بيضاء وحمراء، أعلام فلسطين. تيشرتات التظاهرات، غالباً ما تكون سوداء أو بيضاء، تأتي في سياق «بلوزات صُنعت في فلسطين»، كُتبت عليها جُملٌ أو شعارات متنوعة، منها: «أنا فلسطينية»، «حبك ثورة»، «من الميّة للميّة،» و«كلنا غزّة».
«يا غزّة لا تهتزّي/ كلك كرامة وعزّة»، «يا غزّة صمود صمود/ من أرضك طلعوا الأسود»، «من غزّة لبيروت/ شعب واحد ما بيموت». هذا بعضٌ من الهتافات التي تصدح من حناجر النساء والرجال. التظاهرة لم تتحرك بعد. في لحظةٍ ما، يقرّر فرد أن تنطلق في مسارها. «يا أهلينا انضموا انضموا / شعبنا بـ غزّة ضحى بدمه».. يهتف المتظاهرون موجهين كلامهم إلى من يقف على شبابيك البيوت متفرجاً، كي يخرج من باب بيته وينضم إلى التظاهرة. لكن دائماً هنالك امرأة مسنّة أتعبها العمر، لم تستطع مشاركتهم هذا الغضب، فترفع قبضة يدها عالياً وتبتسم.. وهم، يردّون لها التحية.
غضب، وليس تضامناً
تقام التظاهرة في بلدةٍ من بلدات الأراضي المحتلّة العام 1948. يحاول المتظاهرون والمتظاهرات، عبر حديثهم بين بعضهم البعض، أو عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، الحذر من كلمة «تضامن». نجد من يكرّر عبر تدوينة أو تغريدة: «نحن لا نتضامن مع غزّة. هذه قضيتنا الواحدة، نحن أبناء الأرض المحتلة». إذاً، هذه تظاهرة غضبٍ من أجل غزّة، ومن أجلنا نحن. تظاهرات الغضب من أجل النقب، ومن أجل الأسرى في سجون الاحتلال، وضد الاعتقالات، كلها تظاهرات غضب ضد الاحتلال وانتهاكاته.. وبالتالي، هي تظاهرة غضب من أجل كلّ فلسطيني أينما كان. هذا الغضب الذي، وإن نام قليلاً، سيستيقظ عند أول إعادة تعريفٍ لعلاقتنا مع الاحتلال.
التظاهرة مستمرة، ينضم إليها المزيد من الناس.. فردٌ يهتف بصوت عالٍ، ومجموعةٌ تكرر الهتاف، الأعلام مرفوعة، وإن تعبت إحدى الأيادي، ستجد تلك التي تسندها. تكمل التظاهرة مسارها. عند آخر الشارع أو عند المفترق، تقف القوات الخاصة للشرطة الإسرائيلية، المسماة بـ«اليسام»، وهي الكلمة العبرية المختصرة لهذه القوات، وهي الكلمة التي يستخدمها المتظاهرون أيضاً. هذه القوات تحضر أصلاً إلى موقع التظاهرة قبل بدء المسيرة. إلا أن التقاء المتظاهرون بها ـ وجهاً لوجه ـ يحدث حين تصل المسيرة إلى مفترقٍ، مثلاً.
عند هذه اللحظة، تتكرر كلمة «اليسام» بين المتظاهرين والمتظاهرات، تتحول الكلمة إلى صدى: «اليسام.. اليسام.. اليسام.. اليسام». لربما تحوّلها إلى صدى، يخفي وقعها. كلّ السيناريوهات واضحة. يعرفها الجميع. في بلداتٍ معينة، كان القرار بإنهاء المسيرة قبل أي اصطدام. وفي أماكن أخرى، المسيرة استمرت. السيناريو هو: الغاز، رشّ مياه المجاري، قنابل الصوت، الضرب والاعتقالات. ولهذا السيناريو، يجهز البصل، الخلّ، والكوفية.
يأتي الغضب مع الخوف، لا بد من أن يمشيا سوياً يداً بيد. جميلان معاً. الغضب حيٌّ ونابض، والخوف كذلك. كلاهما يتمسكان بتعاليم الحياة، والحياة لا تمشي مع القهر. إلا أن هنالك مراحل تعطيك أوامر بعدم الخوف، خاصة حين تقارن تفاصيل حياتك تحت الاحتلال وما تتعرض له (من غير انتقاص أهميته) مع ما يشعر به ابن شعبك وابنة شعبك في الشجاعية وخزّاعة ورفح وكلّ غزّة.
للغضب أشكالٌ عديدة، المقاومة كذلك. والغضب الذي شهدته بلدات وشوارع الأراضي المحتلة العام 1948، لم يتوقف، إلا أن وتيرته تغيّرت قليلاً على الشارع مع الأيام..
«ملحقتش أخاف من إشي»
ساهر جريس (قرية كفر برعم المهجّرة وسكان حيفا)، هو أحد معتقلي تظاهرة الغضب في حيفا، التي حملت اسم «يوم التصدّي» من أصل 31 شخصاً اعتقلوا في هذه التظاهرة لمدة 24 ساعة. شارك ساهر في التظاهرة ونزل إلى الشارع لأنه غاضب: «غضب على العدوان على غزّة وعدم إنسانيته أصلاً، شعبنا يعيش تحت الحصار ويُقتل صغاراً وكباراً. نزلت إلى الشارع بهدف أن أسمع صوتي، أولاً أسمعه للعربي كي يشاركنا التظاهرة، وأيضاً كي أظهر أن هنالك صوتاً ضد العدوان، وبأننا لم ننسَ أخوتنا في غزّة»، يقول في حديث لملحق «فلسطين».
عند لحظة الاعتقال، لم يشعر ساهر بالخوف. يشير إلى أن الضرب بدأ مباشرة معها: «ملحقتش أخاف من إشي». ويضيف:« لم أشعر بالفخر، لكن هذه اللحظة التي تقول بها لنفسك: اعتقلتوني. شو مفكرين رح تخوفوني؟ تستعملون كلّ هذه القوة على شاب صغير؟».
خلال التحقيق في المعتقل، حاولت الشرطة التحريض على الناس التي تظاهرت. كما حاولت أيضاً استخدام سياسة «فرّق تسد»، كما يفعل الاحتلال منذ نكبة العام 1948. قالوا لساهر: «أنتَ مسيحي. ما الذي يجعلك تشارك في مثل هذه التظاهرات أصلاً؟». ويكمل ساهر: «الخوف كان فقط من قضية تمديد الاعتقال. بالنهاية، كنا 24 ساعة داخل المعتقل، وهذا تمديد اعتقال بأمر سياسي. الخوف كان بأن تصبح القضية أسوأ علينا. بس بتعرفي، كوننا 31 معتقلاً شكّل مصدر قوة. لكن الخوف هو باستفرادهم لأحد منّا».
نُقل المعتقلون إلى حافلة متوجهة إلى مركز الشرطة في مستعمرة «كريات حاييم»، القريبة من حيفا. وكان المعتقلون داخل الحافلة يغنون أغاني وطنية ويهتفون لغزّة: «كنا نغني شاعرين بالفخر. صحيح أنهم اعتقلونا، لكن هذا لم يهز عزيمتنا»، يقول ساهر.
يرى ساهر، كما العديدين، أنه على الرغم من تواضع عدد التظاهرات في الأراضي المحتلة العام 1948، إلا أن الغضب لا يزال حاضراً بين الناس: «لربما الموضوع متعلق بالجانب التنظيمي. لربما أننا لسنا منظمين بشكل كافٍ». كلّ هذا، لم يخف الأمل من قلوب الناس، الأمل بأن هذه المرة هنالك أمر جديد: «منذ منتصف العدوان، بدأنا نفهم أن الموازين بدأت تتغير، ومن الممكن أن تصل غزّة لأهداف كبيرة وبعيدة. أو كنا نعتقد أنها بعيدة. نعم، هنالك أمل كبير.. أن يحدث انقلاب ما ويقلب الدنيا رأساً على عقب».
مع المقاومة؟ «فلتذهب إلى غزّة»
للزميلة ميسان حمدان (عسفيا) قصةٌ خاصة، هي الناشطة في حراك «ارفض، شعبك يحميك» الفلسطيني، المناهض للتجنيد الإجباري في الجيش الإسرائيلي المفروض على شباب الطائفة العربية الدرزية، والتي تنشط خلال العدوان الإسرائيلي على غزّة ضمن حملات الإغاثة، منها حملة «قوارب غزّة».
تقول ميسان: «أنا مع غزّة وعدالة قضيتها ومقاومتها لكلّ أشكال الاحتلال والحصار. لا أتعاطف مع وجود الجنود في غزّة. وللمرة الأولى، أشعر بأن كل جندي هو شخص اختار أن يكون جندياً. الصراع كان يكمن في السؤال: هل ما أفعله كافياً؟».
ماذا نكتب؟ أو ماذا نقول؟ هو سؤال رافق العديد، في سياق كتابة التغريدات والستاتوسات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. هنالك من نجح بالكتابة، هنالك من توقّف عنها، وهنالك من قرر أن دوره يكمن في نشر قصص وأخبار أهل غزّة وما يكتبون.
منذ بداية نشاطها، وخاصة النشاط المناهض للخدمة الإجبارية المفروضة على الدروز، تواجه ميسان حملة مضادة وهجوماً عليها، وصلت خلال فترة العدوان على غزّة إلى مرحلة التهديدات عبر الهاتف، سواء هاتفها الخاص أو هواتف عائلتها، بالإضافة إلى التهديدات التي تصل حسابها على موقع «فايسبوك».
خلال فترة العدوان، لم تمشِ ميسان وحدها في شوارع قريتها عسفيا: «في كل المرات التي رافقني فيها أحد، تعرضت إلى الهجوم وجهاً إلى وجه. أنا خائفة لدرجة أني لم أصل في حياتي إلى مرحلة يقترح فيها أبي وأمي أن أنظم تظاهرة في القرية وأنا أرفض».
لا تعرف ميسان اليوم إذا كان عليها أن تسمّي من يتجنّد في الجيش الإسرائيلي من أبناء طائفتها العربية الدرزية بضحيةٍ أو لا، لكنها تدرك مدى التشويه الذي يمرّون به، وتسميها بـ «السوداوية» الطاغية على بلد مثل بلدتها عسفيا. لكن، في المقابل، هنالك ضوء ما، تقول ميسان، يتعلق بوجود أفراد أقوياء يمشون «عكس التيار»، وهي متأكدة بوجود مثلهم بين الصامتين.
«بكتب إسمك يا بلادي»
يعيش الصحافي الفلسطيني، في معظم الأحيان وتحديداً خلال فترة العدوان والتظاهرات والمواجهات، في حلقتين: الأولى يشكّلها كونه فلسطينياً، والثانية هي حلقة التوثيق. لا يمكن الفصل غالباً ما بين التظاهر كفعلٍ وبين توثيقه. وقد شهدت غزّة خلال العدوان المستمر استشهاد عدد كبير من الصحافيين الفلسطينيين في أثناء أدائهم لمهمتهم. كما شهدت التظاهرات في الأراضي المحتلة العامين 1948 و1967، إصابات صحافيين/ات كذلك.
منى عمري (صندلة / حيفا)، هي صحافية اشتركت في تظاهرات عديدة في الداخل الفلسطيني ومؤخراً في القدس المحتلة، ووثقتها بعدسة كاميرتها إلى أن أصيبت برصاصٍ مطاطي في رجلها أطلقته عليها قوات «اليسام» خلال مواجهات قرية العيساوية في القدس يوم الأول من آب/ أغسطس الماضي.
في حديثها مع ملحق «فلسطين»، شرحت منى عمري: «كنت خائفة مثل كل الناس. في البدء، كنا نخاف من الغاز، من ثم لم يعد الغاز يؤثر فينا. بعدها، كنا نخاف من قنابل الصوت، من ثم اختفى هذا الخوف. لكن الخوف والتوتر الحقيقي بقي دائماً من إصابة الجسد. أعتقد أن هذه المشكلة اختفت الآن».
تعتبر منى أن كل ما سيحدث هو، في نهاية المطاف، دفعٌ لضريبة وجود احتلال، «كما هي حال شعبنا في كلّ مكان». لكن ما يزعجها أكثر هو الشعور بالقهر. تتذكر صراخها بعد ضربها ووقوعها على الأرض، ومن ثم ضربها بالبارودة على يدها، وصولاً إلى إطلاق أحدهم الرصاص المطاطي باتجاه رجلها وعن بعد مترين عنها، وسخريتهم في ما بعد.. لم يكن صراخ وجع، إنما صراخ قهر.
على الرغم من هذا الوجع، تجد منى بوادر أمل في ذلك كله. تبدأ من مواجهات العيساوية، التي استمرت 9 ساعات: «بحكم المواجهات الطويلة بينهم وبين قوات الاحتلال لسنين طويلة، هم أصحاب تجربة على مستوى الحركة والحفاظ على بعضهم البعض من الإصابات وضمان استمرار المواجهات. جندي «اليسام» يتعب بمرحلة ما، ويقوم بمعاقبة طفل في التاسعة من عمره، وبالنهاية لا يفكر إلا بانتهاء ورديته التي يحصل على نقود مقابلها. أما ابن العيساوية فلا يدفع له أحد، هو الذي يدفع الثمن من أجل أرضه والحرية».
الغضب حاضرٌ وحيّ، كما الشعب. والشعب الغاضب قادر على ترجمة غضبه بأشكال عديدة. عدد التظاهرات أصبح أقل في الأراضي المحتلة العام 1948، لكن قاعدة أساسية باتت حاضرة ومفادها أن «قضيتنا واحدة والاحتلال واحد»، والخوف واحد كذلك.
لا يخاف إلا من يتمسّك بالحياة، وهنالك درجات للخوف، تقل كلما صعدنا درجة. هذا الصعود الذي يحرّكه شعور الجماعة الحقيقي الخالي من الأنانية، بما فيه من قوة، يشبه قوة بثّها 31 معتقلاً داخل حافلة متوجهة إلى مركز شرطة، حين كانوا يغنّون بثقة عالية وصوتٍ عالٍ: «بكتب اسمك يا بلادي/ عَ الشمس اللي ما بتغيب..».