| 

في 1948، محا إنشاءُ دولة إسرائيل فلسطين عن الخريطة. اجتاحت القوات الإسرائيلية جميع أجزاء فلسطين التاريخية، طاردةً السكان، ولم تستطع جيوش العالم العربي مساعدتهم. في ما بعد، في مصر، تفاقم الإذلال، مما قاد إلى تمرّد الضباط الأحرار في 1952 ضد الملك. شعر الضباط أن نظامهم الملكي فشل في تجهيز جيشهم بشكل ملائم. سبّب فشلهم الهزيمة التاريخية للشعب الفلسطيني.
لاحقاً، في 1969، قالت رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير ما يجافي الحقيقة: «ليس هناك شيء يُدعى الشعب الفلسطيني. ليس الأمر أننا جئنا ورميناهم خارجاً واستولينا على بلادهم. إنهم لم يكونوا موجودين». أنكرت الصهيونية طويلاً وجود شعبٍ عاش بين ما دعاه الصهاينة «دان» و«إيلات»، نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. ولم يكن للذين عاشوا هناك حق قانوني بالأرض. لم تكن لديهم وثيقة الله. فقد دخلوا وخرجوا. إن اليهود هم الذين امتلكوا وثيقة إلهية تخوّلهم لملكية الأرض.
بين 1948 و1969، شهدت الموجة الرئيسية من حركات التحرّر القومي المضادة للاستعمار انتصاراً بعد آخر، من الهند وباكستان في 1948 إلى الجزائر في 1962. وفي 1960، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلانها حول حق الدول والشعوب المستعمرة في الحصول على استقلالها. شجعت الأمم المتحدة على التحرّر القومي. وكانت الدولتان اللتان وقفتا ضد المدّ هما إسرائيل وجنوب أفريقيا.
في 1948، تماماً حين استعمرت إسرائيل فلسطين، تبنّت حكومة جنوب أفريقيا مجموعة من قوانين الأبارتيد (الأبارتيد كلمة أفريقانية تعني «أن تعيش منفصلاً»). إن البيض والسود والملونين يجب أن يعيشوا منفصلين بينما يعيش البيض متمتعين بالثروة والسلطة في ما يعمل البقية لهم.
ولم يكن من المثير للاستغراب كثيراً أن جواز سفري حوى ختماً يمنع السفر إلى بلدين فقط هما إسرائيل وجنوب أفريقيا.
في فلسطين، يجب أن يكون واضحاً أن الفلسطينيين هم الذين تحت نير الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي. لكن هذا لم يكن واضحاً. فقد صوّرتْ إسرائيل الأمر وكأنها هي القوة المُسْتَعْمَرة - الهولوكست ومعاداة السامية كمثالين - وأن استيلاءها على فلسطين مثل عودتها إلى وطنها، إلى تحرّرها القومي. كانت هذه إشارةٌ قاسية. بعثرتْ النكبة الفلسطينيين، هذا الشعب الذي أُنكرت حقوقه من أجل إرضاء الضمير المذنب للغرب. ولم تمت وجهة النظر هذه، مع مرور الزمن، رغم الانتفاضات وتقرير غولدستون في 2009، رغم المستوطنات غير الشرعية والفوسفور الأبيض. وفي حزيران 2014، صُوِّت لموردخاي أميخاي - بدعم غربي كبير - كنائب رئيس لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة، المفوضة للتعامل مع المسألة الفلسطينية.
تماماً حين حصل العالم المُستَعْمَر على حريته، فقدتْ فلسطين حقها بالوجود. كان هذا توقيتاً مريعاً.
مكافحة الأبارتيد
لم يكن الزمن لطيفاً مع فلسطين.
في 1992، وفي عملية سريّة، ذهب الزعيم الفلسطيني اليائس ياسر عرفات إلى أوسلو لقبول مجموعة من الاتفاقيات التي عنتْ الاستسلام الفلسطيني. كان هناك القليل الذي كسبه الفلسطينيون من تلك الاتفاقيات. ذلك أنها لم تنه احتلال إسرائيل، وأجبرت الفلسطينيين على المشاركة في دور إدارة نظام الفصل العنصري. وفي الضفة الغربية وغزة، التهمت المستوطنات الأراضي الفلسطينية، أُغلقتْ الطرق وفصلتْ الجدران الدفاعية الجماعة عن بعضها بعضاً. تعمقت أوضاع الفصل العنصري بعد 1993، حتى بعدما جاءت السلطة الفلسطينية إلى الوجود. وبدأت تشبه بانتوستان حقبة الأبارتيد.
حين تبنت حكومة جنوب أفريقيا قوانين الأبارتيد في 1948، أنشأت مجموعة من «الأوطان» (البانتوستانات) للسود عبر قانون الحكم الذاتي للبنتو (1959) الذي اقترح أن السود مُنحوا أوطانهم المستقلة في هذه الأمكنة التي هي تحت السيطرة. كان كل الحديث عن التحرر القومي وإنهاء الاستعمار صورياً. حصل السود على وطنهم في البانتوستانات. وبالطبع، بقيت تلك البانتوستانات - كمثل الضفة الغربية وغزة - تحت احتلال حكومة جنوب أفريقيا، وكان سكانها تحت سلطة بريتوريا، عاصمة جنوب أفريقيا. ولم يستطع سكان البانتوستانات - كما في الضفة الغربية وغزة - كسب قوتهم من دون أن يذلوا أنفسهم لدخول جنوب أفريقيا.
رفعت الصراعات القوية داخل جنوب أفريقيا وخارجها بين الخمسينيات والستينيات من كلفة الحياة الطبيعية في جنوب أفريقيا. وبدأت الصراعات المسلحة، ممتزجةً مع عصيان مدني جماهيري، تنتزع ثمناً مهماً من النخبة الحاكمة. وفي 1994، قرر نظام الفصل العنصري قبول الهزيمة، وأطلق سراح نلسون مانديلا من جزيرة روبن، وسمح لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي بأن يعمل قانونياً، ودعا إلى انتخابات حرة.
في 1994، بدأت جنوب أفريقيا طريقها الطويل الجديد نحو الحرية، كي تردم الفجوات المعذبة في المجتمع والاقتصاد. في الوقت نفسه تماماً، وفي توقيتٍ سيئ، استسلمت القيادة الفلسطينية للإسرائيليين، قابلة وضع البانتوستان الذي أزيل من جنوب أفريقيا. وبينما كان نلسون مانديلا يتلقى الهتافات والمديح من شعبه، رأى الفلسطينيون بطلهم ياسر عرفات يصافح القادة الإسرائيليين والأميركيين من دون أن يحصل مقابل ذلك إلا على نزر يسير.
انتفاضة
يجب أن يكون الزمن لطيفاً مع فلسطين.
اندلعت في فلسطين انتفاضتان رئيسيتان، واحدة استمرت من 1987 إلى 1993 والأخرى من 2000 إلى 2005. يمكن أن يشم المرء أثر انتفاضة ثالثة في النسيم الكسول حين يغادر نهر الأردن ويذهب نحو غزّة. إن هاتين الانتفاضتين لا يمكن أن تُصنّفا بسهولة. فالمقاومة تبدو محورية للحياة الفلسطينية. ففي مخيمات الشتات تجلس النساء في حلقات ويخطْن رسائل من درويش على أغطية الطاولات؛ ويلعب الأطفال ألعاب المقاومة في أزقة رام الله؛ ويحفر الرجال والنساء أنفاقـــــاً كي يحـــــضروا المؤونة الأساسية إلى قطاع غزة المختنق. في كل يوم الإيماءات مشحونة بالمقاومة: كوفية هنا، ملصق هناك، قصيدة هنا، صرخة لشد الانتباه هناك.
إن الشعب لا يتخلى بسهولة عن طموحاته القومية وأحلامه الاجتماعية. فالتوق الإنساني مترافق مع القومية. ليس من السهل أن يتخلى المرء عن رايته، وإحساسه بالكرامة. إن العدالة والكرامة هما معركتان اجتماعيتان يبدو أنهما يجب أن تمرا عبر القومية، عبر تحقيق الحقوق الديموقراطية في إطار قومي. إن كثيرين في أنحاء العالم بدأوا يشعرون بالضجر من القومية، ويعلنون نهاية الأمم. لكن التوقيت سيئ مرة أخرى، ذلك أن هذا الضجر من القومية يأتي مترافقاً مع توق عميق في فلسطين إلى بعث أمة مضطهدة. إن فلسطين، متأخرة دائماً، دائماً في الوقت الخطأ، تحافظ على جوعها إلى نفسها.
في المستقبل، إذا سمح لنا الزمن، سنكون قادرين على أن نوقظ بشكل ملائم أحلام الإنسانية: المساواة بين البشر، من دون هرميات الأمة واللغة والجندر والنقد. إن الإنسانية بعيدة عنا كثيراً. إنها ما نتوق إليه لكننا لا نستطيع توقع الوصول إليها بسهولة. إن أصواتاً قليلة تدعو إلى الإنسانية، تفاعلات قليلة تمنحنا تجربة الإنسانية. ذلك أننا نعيش في ما قبل التاريخ، في التاريخ السابق على الإنسانية. نحن بشر، نعم، لكننا سنصبح إنسانيين بصعوبة كبيرة. إن الوقت ليس متاحاً لنا.
ترجمة: أسامة إسبر
(]) أكاديمي من الهند، شغر كرسي إدوار سعيد في «الجامعة الأميركية في بيروت» خلال العام الدراسي 2013 ـ 2014. كتب هذه المقالة لملحق «فلسطين»، تنشر بنسختها الإنكليزية الأصلية على موقع «جدلية» ضمن اتفاقية شراكة مع الملحق. كما تنشرها بالتزامن مع «فلسطين» مجلة «مسيلي درجيزي» التركية، مترجمةً إلى التركية.
(]) ستصدر قريباً الترجمة العربية لكتاب فيجي براشاد، الأمم الفقيرة: تاريخ ممكن للجنوب العالمي (2013) عن المركز القومي للترجمة في القاهرة.