| 

منذ حوالي أكثر من 13 عاماً لم تشهد القدس مواجهات بحجم تلك التي اندلعت بداية شهر تموز / يوليو الماضي، إثر استشهاد الطفل محمد أبو خضير (16 عاماً) على أيدي مستوطنين قاموا بخطفه من أمام جامع شعفاط فجر الاربعاء 2 تموز يوليو وعذبوه وحرقوه قبل أن يفارق الحياة. فقد تحوّل حزن أهالي شعفاط والقدس على ابنهم محمد إلى غضبٍ انفجر في الشارع معيداً «زمن الاشتباك».
في خضم الأحداث، كان السؤال الموجّه إلى أهلها حول «ماذا يحدث في شعفاط؟» يلقى إجابة: «لقد تحرّرت شعفاط». فلفترة وجيزة، عاشت القرية أجواءً تشبه الحكم الذاتي، بعد انسحاب جنود وشرطة الاحتلال منها. إذ تولى سكانها الدفاع عنها وتنظيم شؤونها من خلال لجان شعبية تناوبت على حراسة القرية فارضة سيادة شعبية حقيقية على الأرض. فكان دخول المدينة يشعرك بروح مختلفة قلما تجدها في القدس، تشعر بروح النصر وبمعنى الاستقلال، وبقوة الشعب عندما يغضب. فهل من بناءٍ يستقيم هنا، ام هي هبّة مارقة؟

عملت سلطات الاحتلال الاستعمارية على إعادة تنشئة الجيل الفلسطيني في القدس وفق معايير تهدف إلى تذويب هويته الفلسطينية وربط حياته بالنظام العنصري للاحتلال، من خلال المحاولات المستمرة مثلاً لفرض المنهاج الإسرائيلي على مدارس القدس، وممارسة الضغوطات الاقتصادية على المقدسيين بربط قوتهم اليومي بالنظام الاقتصادي للاحتلال. يضاف إلى ذلك، العمل على إلغاء حدّة الصراع بين النظام العنصري لدولة الاحتلال والمواطنين الفلسطينيين في القدس، من خلال تجميل صورة الممارسات العنصرية لذلك النظام، وإبراز الطابع الديموقراطي الحضاري له.
فتّتت هبّة شعفاط وباقي مناطق القدس منظومة «صهر الوعي» التي بناها الاحتلال في القدس على مدار سنوات. وكانت بمثابة الصرخة التي أكدت فشل كل مشاريع التدجين التي مارسها الاحتلال على الجيل المقدسي. فخروج مئات الشبان بعد سماعهم خبر استشهاد أبو خضير إلى الشوارع، أتى تأكيداً على روح التضامن والانتماء العالية عند المقدسيين، وأن هويتهم العربية الفلسطينية ما زالت حيّة، وعلى نقل وعيهم الجمعي نقلة نوعية سيظهر تأثيرها على أشكال الاشتباك مستقبلاً.
لم يكن أشد المتفائلين قادراً على استيعاب حجم الهبّة الشعبية وسرعة تشكلها. ففي غضون ساعاتٍ، امتلأت شعفاط بالشباب الملثّمين الذي اشتبكوا مع جنود الاحتلال، واستمر دعمهم وتبادلهم الأدوار لحوالي الأسبوع. كما حملت ساعات المساء الرمضانية، ما بعد الإفطار، ذروة العمل حينها ضد جنود الاحتلال. ما دفعهم في أغلب الأحيان الى الانسحاب الى أطراف قرية شعفاط، خوفاً من تصاعد الاعتراض. فحجم هذه الهبّة وسرعة تشكلها يعبّران عن جمرٍ مشتعل داخل المجتمع الفلسطيني في القدس، قد لا يظهر على السطح ولكنه قابل للانفجار في أيّة لحظة، وتؤكد على أن شكل الهّبات المقبلة سيكون مختلفاً.
إعادة تعريف العدو والصديق
إن حجم الاحتقان في الشارع الفلسطيني كبير جداً، خصوصاً عند الفلسطينين المقيمين في القدس والمناطق المحتلة في العام 1948. ويعود ذلك بشكلٍ أساسي إلى احتكاكهم اليومي مع الصهاينة، فهم مجبرون على تقبل بعض المواقف العنصرية للحفاظ على عملهم، تعليمهم، أو غيرهما من المصالح اليومية التي ارتبطت بالنظام الاستعماري رغماً عنهم.
فجّرت جريمة حرق الشهيد الطفل محمد أبو خضير حتى الموت موجةً عارمة من العنف بين الجماهير في القدس، وقد ساهمت في تأججه كثافة تواجد جنود الاحتلال الصهويني وشرطته في منطقة شعفاط وعند مداخلها، كما حجم العنف المقابل من تلك السلطات ضد الفلسطينيين المتواجدين في المنطقة. فقد أصيب في مواجهات اليوم الأول فقط حوالي 40 شاباً وثلاثة صحافيين، ومُنع أيّ فلسطيني غير مسجّل في بطاقة هويته أنه من سكان شعفاط الدخول إليها.
وغلب على التحرك الشعبي العفوية، وتشكّل في أغلب الأحيان من غير المنظّمين حزبياً أو من الحزبيين الذين يئسوا من قيادة أحزابهم. كما ساهم العنف الذي مورس من سلطات الاحتلال بحق الشبان الى اتساع العمل وانتشاره وتوحّد المتظاهرين. وحضر إبداع الجماهير في الهبّة أيضاً، فقد شاهدنا في شعفاط استخدامات جديدةً للمفرقعات والألعاب النارية التي أعدّ المتظاهرون لها قواعد إطلاق لتسهيل التحكّم بمسارها عند إطلاقها على جنود الاحتلال. كما استخدمت لافتات الشوارع والحاويات كأدوات للحماية من طلقات جنود الاحتلال.
مثّل «قطار القدس» أحد أهم رموز السلطة الاستعمارية كونه المكان الأبرز لوجود الصهاينة ورجال الأمن. فقام الشبان بتفريغ جل غضبهم على محطاته وأعمدته. تم قطع أحد اعمدة الكهرباء التي تشغّل القطار، وتحطيم الإشارات الضوئية التي اعتبرها الشبان أدوات لسيطرة النظام عليهم.
كما ساهم هذا العنف المتشكل في إعادة تعريف العدو والصديق، ففي وقت قياسي، عاد الصراع لشكله المباشر بين نظام استعماري وسكان مستعمرين يشتبكون بكل الأدوات المتاحة. ذابت كل التحليلات البرغماتية للصراع مع الاحتلال، وعادت صورته الأكثر تطرفاً للبروز في وعي الشبان، ليكون بالنسبه إلهيم المسؤول الأول عن سوء أوضاعهم وتدهور حياتهم.
قاعدة آمنة
يؤدي العنف الممارس من قبل السلطات العنصرية للاستعمار على السكان إلى توحّدهم، كونهم يقعون في ظروف الاضطهاد ذاتها التي تجبرهم على التعاضد وإعادة تعريف العدو والصديق من منطلق المواجهة القائمة. ففي وقت قصير زالت ملامح الفرقة والعصبيات المحلية التي عمل الاستعمار على تحفيزها لوقتٍ طويل. وفّر المجتمع «الشعفاطي» في غالبية أيام الاشتباك قاعدة آمنة للشبان المشتبكين مع جنود الاحتلال. فقد قدمت البيوت القريبة من موقع الاشتباك للشبان كل لوازم الاستمرار في المواجهة، وكانت بيوت شعفاط وأزقتها ملاذاً آمناً لاختبائهم، ولم يتوانَ أحد في تقديم المساعدة، فقد قدمت نساء شعفاط مناديلهن للشباب ليغطوا وجوههم، كما الماء والطعام طيلة فترة الاشتباك.
ومنذ اليوم الأول، تجمّع عددٌ كبير من أهالي القرية والقرى القريبة في منزل عائلة محمد أبو خضير لمواساتها ولتقديم الخدمات اللازمة، في صورةٍ تعبر عن التعاون بين أركان المجتمع الفلسطيني في القدس، خصوصاً عند مواجهة الاحتلال. وكان الدعم المعنوي محفزاً للاستمرار، إذ لم تقف مساهمة الأمهات عند الدعاء للشبّان بالسلامة والحماية فحسب، بل أقدمن على نقل الحجارة للشبان وشاركن في إدارة الاشتباك.
طيلة أيام الاشتباك، امتلأت شعفاط بالمئات من الملثمين من جميع المناطق المحيطة. جاءوا لتقديم الدعم والمساندة في المواجهات مع الاحتلال، وللتعبير عن غضبهم تجاه الجريمة البشعة التي ارتكبت بحق الطفل أبو خضير. وفي المقابل، قدّم أهالي القرية لهم كل الدعم والتسهيلات، فقد أقيمت ولائم الإفطار والسحور للجميع، كما وفرت أمكنة لمبيت البعض، ما ساعد في تمدد الهّبة وزيادة عدد الشبان المشاركين بها.
الشارع يحكم، فماذا بعد؟
غلبت العفوية على هبّة شعفاط، ولكنها حملت ملامح إبداعٍ وشكلٍ جديد في التنظيم الآني. فقد انشغل تفكير المشتبكين بكيفية الاستمرار في خلق الحدث، وأقصد هنا المواجهة، وفي كيفية جعلها أكثر نجاعة وتأثيراً. ولم يعيروا أيّ اهتمام لكيفية استثمار الحدث في السياق السياسي. وكان تدميرهم للبنية التحتية للاستعمار في مدينة شعفاط مؤشراً على حجم الوعي الذي يمتلكه الشبان، فهم لم ينظروا إلى الاستعمار كشرطيّ مرور أو جنديّ على الحدود فقط، بل كبنية اقتصادية كاملة تتمثل في مراكز جماهيرية ومرافق عامة وبنية تحتية، ما يجعل تدمير هذه البنية وإلحاق الضرر فيها عاملاً أساسياً في القضاء عليها وإرهاقها.
تلاشى دور القيادات التقليدية للعائلات والأحزاب ولو في بداية الهبّة، مفسحة المجال أمام الشبان المندفعين لصياغة شكل المواجهة وأبعادها. فتلك القيادات عجزت عن توقّع سرعة رد الفعل الشعبي وحجمه، علماً أنه حمل أدوات وأشكالاً جديدة للاشتباك. وساهم افتقار القيادة التقليدية أيضاً لروح الإبداع والتأقلم السريع مع الأحداث في دفعها إلى الهامش. ولكن، هذه القيادات كانت الأكثر قدرة على استثمار الحدث بعد أفول المواجهات لتحقيق موقف سياسي أو مصلحة شخصية، في صورة لم ترقَ لحجم التضحية التي قدمت طيلة فترة الاشتباك.
تدريجياً، بدأت اشتباكات شعفاط بالأفول. وبعد الجنازة المهيبة التي انطلقت لتشييع جثمان الشهيد الطفل محمد أبو خضير، بدأت سلطات الاحتلال بمحاولة إعادة السيطرة على شعفاط، من خلال: حملات تنظيف للشوارع، إعادة انتشار الجنود في مختلف مناطق القرية، تشغيل القطار بشكل تجريبي عند أطراف القرية، كما حاولت أكثر من مرة مهاجمة خيمة عزاء الشهيد وتخريبها. وكان لاعتقال أكثر من 50 شاباً وإصابة حوالي 250 آخرين ممن اشتركوا في المواجهات تأثير سلبي كبير على استمرارها.
تبقى هبّة شعفاط، ورغم قصر مدتها، محطة مهمة هامة في صراع الفلسطينيين مع النظام الاستعماري لدولة الاحتلال. فقد نقلت الهّبة إلى الجمهور الفلسطيني نماذج وتعريفات جديدة للاشتباك، وساهمت في إعادة صقل وعي الفلسطينيين، معيدة الصراع إلى شكله المجرّد بين نظامٍ استعماريّ عنصريّ ومستعمَرين مضطهَدين. ستؤسس هبّة شعفاط لاشتباكات عديدة أخرى قد تحمل أدوات أكثر فتكاً وإرهاقاً للعدو، بحيث تعمل هذه الاشتباكات على إحداث ثقوب وقنوات صغيرة في الكتلة الصلبة للنظام الاستعماري لدولة الاحتلال.. وسيسهل تراكم تلك الثقوب قيام ثورةٍ تفجّر بنية النظام الاستعماري يوماً ما، لتعيد الحق إلى أصحابه.
(]) المنسق الإعلامي في «مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان»