| 

يؤدي الإعلام الدولي دوراً أساسياً في صياغة الرأي والخطاب العام الغربيين تجاه القضية الفلسطينية. ويحمل نمط التغطية والموضوعات التي يتم تسليط الضوء عليها تفسيرات للصراع بشكل غير مباشر، كما أنها تفترض الأسباب والمسؤوليات، وتعكس بالتالي القيم الاجتماعية المتبناة. وقد يكون الإطلاع على نمط التغطية هاماً في فهم تفسيرات الصراع المتفق عليها، مع الأخذ بعين الاعتبار الوضع السياسي والاقتصادي الراهن للإعلام العالمي.
إذ بحسب دايا ثوسو (2004)، يتكتل الإعلام العالمي منذ عقودٍ في ست شركات تمتلك أغلب وسائل الإعلام في العالم، بما في ذلك الصحف، وكالات الأنباء، محطات التلفزيون، دور نشر الكتب، ومحطات الإذاعة. وقد تكون هذه التكتلات الإعلامية سبباً من أسباب في تباين التغطية الإعلامية الغربية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي تخضع بدورها للمصالح الاقتصادية والسياسية. وبحسب نعوم تشومسكي وهيرمان، فإن هذه التغطية نادراً ما تشكّك في السياسة العامة، بل تتجاهل المواد التي تشكّك في السياسة الحكومية الرسمية.
بيّن عددٌ من الدراسات الأكاديمية أن وسائل الإعلام الغربية تدعم إسرائيل - خصوصاً في «أوقات الأزمة» - أكثر مما تدعمها وسائل الإعلام الإسرائيلية المحليّة. على سبيل المثال، وثق فايسر (2003) في بحثٍ كمّي مؤشرات التحيّز في تصوير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال مقارنته لتغطيتي صحيفتي «نيويورك تايمز» الأميركية و«هآرتس» الإسرائيلية، إذ خرج بأن الأولى أشدّ تحيّزاً لإسرائيل من الثانية.
وتأتي التغطية الأخيرة للعدوان الإسرائيلي على غزّة، متناسقة مع هذا المضمون إلى حدّ كبير. وعند النظر إلى المحتوى الإعلامي ومقارنته في الإعلام الأميركي والأوروبي، يتبدى جلياً تجريد المواد الإعلامية من السياق التاريخيّ السياسيّ للصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، بحيث يتكافأ الطرفان في الألم أولاً ثم في القوة والمطالب.
وعلى الرغم من ذلك، تحضر استثناءات لافتة في هذه الجولة من حروب إسرائيل على غزّة، تشهد لتغطيةٍ إعلامية ناقدة سجّلها مهنيّون، مثل جون سنو - الصحافي البريطاني المخضرم في «القناة الرابعة» البريطانية، وجيريمي سكاهيل - مراسل مجلة «ذا نيشن»، وجون ستيوارت - مقدم البرنامج الإخباري الساخر «ذا ديلي شو»، وغيرهم.
قتل أطفال البحر، مثلاً
قتل الأطفال على الشاطئ كان حدثاً يصعب التعامل معه بالنسبة للإعلام الغربي. ارتبكت تغطية بعض المؤسسات، وبدا بعضها الآخر وكأنه مرغم أو مضطر على التغطية. ففي 16 تموز 2014، قتلت مدافع زورق حربي إسرائيلي عمداً أربعة أطفال يلعبون كرة قدم على شاطئ غزة، بالقرب من «فندق الديرة» الذي يقيم فيه أغلب المراسلين والصحافيين الوافدين والعاملين في مؤسسات إعلامية دولية مختلفة. استدعت المهنية الإعلامية تصوير الحادثة ونشرها فوراً في الإعلام الاجتماعي من قبل صحافيين. وحمل مصور «نيويورك تايمز» صور الأطفال مرفقةً بتعليقه الشخصي: «طول الأولاد الأربعة لا يتجاوز بضعة أقدام، بما لا يشبه مسلّحي حماس». في الصفحة الإلكترونية للصحيفة، تم نشر الصور مع عنوانٍ أوليّ: «مقتل أربعة أولاد كانوا يلعبون على شاطئ غزة». ولكن في حوالي الساعة التاسعة مساء، وفقاً لموقع Newsdiffs، تمّ تغيير العنوان على الصفحة الأولى من صحيفة «نيويورك تايمز» ليصبح «إقحام أولاد في شاطئ غزّة بالصراع». إن تدخّل السياسة التحريرية في تغيير لهجة العنوان هو مؤشر صريح لأولوية إرساء التعاطف مع إسرائيل وتبرير ما ترتكبه من جرائم. فهل يفهم القارئ من العنوان الثاني أن الأولاد قد قُتلوا؟
هناك أمثلة عديدة تدلّ على ارتباك السياسة التحريرية أمام فداحة ما تقوم بتزويره في المحتوى الإعلامي، وقد سجلت أبرزها قناة «أن بي سي» التلفزيونية. إذ طلبت الهيئة التحريرية للقناة من مراسلها أيمن محيي الدين مغادرة غزّة إثر تقرير قتل الأطفال الأربعة، مستبدلة إياه بالمراسل ريتشارد انغل. وبعد إيصال عدد لا بأس به من اعتراضات المشاهدين إلى إدارة الشبكة، قررت «أن بي سي» إعادة محيي الدين. لكنها عرضت مقدمة تقرير ريتشارد انغل المصوّر، الذي افتتح به مقدّم نشرة الأخبار المسائية بريان ويليامز خبر قتل الأطفال الأربعة بدلاً من تقرير محيي الدين، وجاء فيه: «لا تزال دوامة العنف مستمرة. عندما تطلق حماس صواريخ من غزة، إسرائيل ترد مرة أخرى، واليوم، للأسف، كانت كاميراتنا هناك عندما وقعت الكارثة، عندما قتل مدنيون من بينهم أربعة أطفال».
الصحافة الفرنسية عرضت الجريمة، بوضوح ولكن بجفاف. «تي أف 1» عرضت المشاهد الصادمة كافة، من القذيفة الأولى التي انفجرت في كوخ الصياد إلى حين اكتشاف العائلات لجثث الأطفال، وهي مشاهد نادراً ما تعرض على التلفزيون الفرنسي. وتقدمت هذه المشاهد المؤلمة معلومات سياسية «جافة» حول ما أسماه المقدّم: «التدخّل الإسرائيلي».
ونشرت صحيفة «لوموند» على صفحتها الإلكترونية مشاهد موت الأطفال المأخوذة من «وكالة فرانس برس» كما هي من دون أيّ تعديل تلطيفي. واكتفت الصحيفة بإضافة فقرة توضيحية إلى الصورة تقول: «مقتل أربعة أطفال فلسطينيين الأربعاء 16 تموز على شاطئ غزة جراء القصف الإسرائيلي الذي أسفر أيضاً عن إصابة خمسة أطفال آخرين. أقيمت جنازة الضحايا الأربعة الصغار على الفور».
لم يثر الصحافيون الفرنسيون تساؤلات معمّقة حول هذه الجريمة، باستثناء تغطية «فرنسا 24» التي اختلفت نسبياً عن السائد أميركياً وأوروبياً. فقد طرح مراسل القناة في تقريره تساؤلاً أغفلته باقي المؤسسات الإعلامية وهو: كيف يمكن لزورق حربيّ إسرائيلي أن يطلق النار على هذا الهدف مرتين سهواً، في حين أن الجيش الإسرائيلي يتفاخر باقتنائه أحدث التقنيات تجنباً لسقوط ضحايا من المدنيين؟
مسح الذاكرة الجمعية.. وتكافؤ الألم
على مرّ السنوات والحروب، ركّز عدد كبير من البحوث الإعلامية على مضمون تغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في وسائل الإعلام الأميركية والأوروبية. وبرهنت هذه الأبحاث وجود خللٍ في موازين التغطية لمصلحة إسرائيل. فاستنتج دانسكي (2006) وماندلسز (2003) وفيلو وبيري (2004) أن الخلل يكمن في إغفال تقديم السياق التاريخي للأحداث التي تتم تغطيتها. كما أن هناك فارقاً كبيراً في تغطية الضحايا، فأولاً، تأتي أرقام الضحايا الفلسطينيين «غير دقيقة» ولا تتناسب مع عدد المواد الإعلامية المخصّص لها، وثانياً، لا تتم أنسنتهم بعكس الضحايا الإسرائيليين الذين يتم وصفهم بأدق تفاصيل الحياة.
من أهم هذه الدراسات، تحضر دراسة بعنوان «دقة التغطية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي»، ركّزت على تحليل مضمون عناوين الأخبار والفقرات الأولى للأخبار وكيفية تناولها للضحايا الفلسطينيين والإسرائيليين في العام الأول للانتفاضة الثانية (2001). وركّزت الدراسة على شبكتي «أن بي سي» الإخبارية و«أي بي سي» وجريدة «نيويورك تايمز»، لتخرج بنتائج لعل أبرزها ما يفيد بأن التعامل مع معدلات الضحايا الإسرائيليين وأرقامهم بدا متضخماً بالمقارنة مع الواقع، بحيث تم تكرار المواد الصحافية المتعلقة بالإسرائيليين بشكل أكبر. فكيف تم ذلك؟
بحسب عدد من تقارير منظمات حقوق الإنسان، كان عدد الضحايا في السنة الأولى من الانتفاضة الثانية: 165 إسرائيلياً منهم 28 طفلاً، و549 فلسطينياً منهم 131 طفلاً. فأنتجت «أن بي سي» 227 مادة صحافية (أخبار، تقارير، برامج) تتعلق بالضحايا الإسرائيليين مقابل 190 مادة متعلقة بالضحايا الفلسطينيين، بما معناه بأنها غطت بنسبة 138في المئة الجانب الإسرائيلي و35 في المئة الجانب الفلسطيني. أما «نيويورك تايمز» فكانت تغطيتها للضحايا الأطفال مشوّهة بشكل كبير، بحسب الدراسة: فكانت تغطية ضحايا الأطفال الإسرائيليين 6.8 أضعاف معدل تغطية الضحايا الفلسطينيين. وزاد الفارق في العام 2004 بمعدل 7.3 مرة لمصلحة الأطفال الإسرائيليين. وتقول الدراسة إنها «لم تجد أيّ تبرير لهذا التفاوت في التغطية، خصوصاً أن تعامل الإعلام مع ضحايا الحرب وتحديداً الأطفال، والتمييز لمصلحة ضحية على أساس الهوية أو العرق أو الدين أو الجندر، هو مؤشر هام على عدم إحترام قيمة حياة الإنسان».
لم تختلف تغطية الإعلام السائد للعدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزّة عن ذلك، بشكل عام. وعلى الرغم من مناشدة معظم مؤسسات حقوق الإنسان لحماية الأطفال في غزة، تحدّثت الوسائل الإعلامية الغربية عن ألم الطرفين وكأنه متساوٍ، على الرغم من التفاوت الهائل في الخسائر البشرية والدمار في غزة مقابل خسائر الإسرائيليين المحدودة وتركّزها في نطاق العسكريين. وفي بعض الأحيان، جرى تقديم إسرائيل كضحية تضطر لـ«الرد» أو «الدفاع» عن نفسها. ولوحظ تسليط الأضواء على معاناة الأطفال والأمهات في الملاجئ الإسرائيلية، خوفاً من صواريخ «حماس».
وتم طرح معظم المحتوى الإعلامي للأحداث بمعزلٍ عن سياقها السياسي التاريخي، كإغفال الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وسنوات الحصار الخانق الثمانية. وبنتيجة ذلك، بدت إسرائيل بقوتها العسكرية الضخمة متساوية مع «حماس».
يجدر هنا استحضار تقييم روبرت فيسك للتغطية الإعلامية لحرب غزّة 2014، في مقاله في «ذي إندبندنت»، إذ وصفها بأنها تعاني من «فقدان الذاكرة المؤسسية». وقال: «في الماضي كنا نقرأ الكتب، ربما اختفى ذلك بسبب الإنترنت. إذ يبدو أن معظم تقاريرنا الصحافية تتعامل مع موضوعها كأن التاريخ قد بدأ الأمس، أو في الأسبوع الماضي فقط».
النقد وأثره: «بي بي سي» مثلاً
قابل الخلل المزمن في التغطية الغربية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تحركات شعبية مؤيدة للشعب الفلسطيني، وانتقادات حادّة ومتابعة للإعلام الغربي عبر الإعلام الجديد. وتزامن ذلك مع اتساع الإنترنت لعمل مراسلين وصحافيين ميدانيين ملتزمين بقواعد أخلاق المهنة، كما لمقالات محللين ومختصين غير خاضعين لضغوط الإعلام العريض. هذه التحركات أحدثت فجوة في احتكار المؤسسات الكبرى لصورة الحرب وخبرها، أربكتها، وأجبرتها في بعض الأحيان على تناول القضية الفلسطينية بمنظار أقل تحيّزاً.
ولعل «هيئة الإذاعة البريطانية» هي واحدة من أبرز المؤسسات التي تعرّضت في سياق هذه الحرب لانتقادات لاذعة، بالتظاهر المباشر كما بالرسائل الموجهة إلى إدارة تحريرها. فقد واجهت حملة نقدٍ لأدائها مدعّمةً بالأمثلة والوقائع، وشهد مقرّها في لندن تظاهرات اعتراض على تحيّزها لإسرائيل، كما جمعت عريضة الكترونية حوالي خمسة وأربعين ألف توقيع، احتجاجاً على غياب «الموضوعية والإنصاف والتوازن» في عملها.. مع العلم أنها ليست مؤسسة خاصة يملكها حيتان الاقتصاد والسياسة، وإنما هي مؤسسة عامة يموّلها دافعو الضرائب، ما يتيح محاسبتها بشكلٍ ملموس أكثر.
ووجّهت العريضة التي أطلقتها «حملة التضامن مع فلسطين في بريطانيا»، رسالة مفتوحة لمدير عام «بي بي سي» توني هول، تتهم فيها الهيئة التحريرية بتقديم مواد إخبارية «تخلو تماماً من السياق التاريخي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي»، كما ذكرت الرسالة التي وقع عليها نعوم تشومسكي، وجون بيلجر، وكين لوتش، وبراين إينو، وجيريمي هاردي، وسبعة مبدعين حائزين على جائزة نوبل، أنه:
«يجب أن نذكركم بأن هذه الأحداث تنبع من تهجير الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني من منازلهم، وأنه عندما يتم تصوير المحتل كضحية، والأراضي المحتلة كمعتدٍ، فيجب إذاً أن نذكر أن مقاومة الاحتلال هي حق بموجب القانون الدولي، وأن الاحتلال الإسرائيلي والحصار والعقاب الجماعي لغزة يتعارض مع القوانين».
وإذا كان الاعتراض الذي أنتج هدوءاً في تحيّز الـ«بي بي سي» وإفساحها في تغطيتها اللاحقة بعض المجال لقراءةٍ مغايرة عن المعمّم غربياً هو الجديد في حرب هذا العام، فإن إنحياز «بي بي سي» لإسرائيل ليس جديداً. إذ نشرت دراسات وكتب حول الموضوع، ربما تكون من أهمـــها دراسة جريج فيلو ومايك بيري من «جامعة غلاسكو» (2006)، التي يعتبر البعض أنها كانت السبب الرئيس في تشكيل «لجنة تومسون» للنظر في سياسات «الهيئة».
وكانت الدراسة قد حلّلت مضمون 189 عنواناً في نشرات أخبار «بي بي سي»، ووجدت حضوراً مهيمناً لإسرائيل مقابل جزئية الحضور الفلسطيني. وشرح فيلو وبيري أن العناوين تحيّزت للجانب الإسرائيلي عبر: تخصيص وقت أكثر على الهواء للجانب الإسرائيلي، واختيار أغلبية المصادر والخبراء من الإسرائيليين والغربيين، بينما يحلّ المصدر الفلسطيني في أغلب الأحيان كشاهد عيان ينقل ما يجري لديه. وفي ما يتعلق بالمضمون، قدمت العناوين مبرّرات للطرف الإسرائيلي، وتحكّمت في ذلك بأسلوب طرح الأسئلة في المقابلات، ومصادر المعلومات التي أسهمت في تعزيز المنظور الإسرائيلي. فيقول فيلو: «يتم تصوير الفلسطينيين وهم في حالة شروع دائم بالعنف، ولا يأتون على ذكر مقاومة الاحتلال والقمع. وتصوّر إسرائيل بأنها تمارس ضبط النفس والانتقام بعد تحفيز العنف من قبل الفلسطينين بدلاً من كونها تحتل وتمارس الفصل العنصري في الأراضي المحتلة».
بقي القول، إن مشاركة النقابات واليسار ومنظمات حقوق الإنسان والمناصرين والمتضامنين مع القضية الفلسطينية من اتجاهات مختلفة، وانخراط الجاليات في المعركة الإعلامية بمفاهيم حداثية، هي عوامل يشكّل مجموعها دفعاً في مصلحة فلسطين في هذه المعركة أكثر من أيّ وقت مضى. وقد حافظت فعاليات التضامن على نوعٍ من الاستمرارية، وتركت بصماتها على مواقف الحكومات ووضعت إسرائيل في شبه عزلة شعبية عالمية.