| 

دقيقة واحدة فقط تفصل بين الصاروخ الذي تُطلقه طائرة الاستطلاع الإسرائيلية (التي يسميها الفلسطينيون «الزنانة») على سطح المنزل المُراد استهدافه، وبين صاروخٍ آخر أو أكثر تُغير به الطائرات الحربية المُقاتلة من بعد على المنزل ذاته.. دقيقة انتظارٍ واحدة تمثل الفرق بين «التحذير» والإبادة.
صوّر أحد الفلسطينيين منزلاً استهدف بصاروخ «تحذيري». أراد توثيق الجرائم التي أودت بعائلات كاملة، منها عائلات كوارع، حمد، البطش، غنّام، أبو جامع، وغيرها. سجّل الصاروخ «التحذيري»، واستمر بالتصوير حتى نُسف المنزل بصاروخٍ حربيّ حوّله إلى ركامٍ جاثم. كان الفارق بين الصاروخ الأول والثاني 56 ثانية فقط، أي أقل من دقيقة حتى.

أكّدت مصادر أمنية عديدة أن صاروخ طائرة الاستطلاع «التحذيري» هو في الحقيقة صاروخٌ إرشاديّ يحمل مواد فسفورية خاصة، تعمل على تحديد مكان المنزل المُراد استهدافه، لتصيبه الطائرات الحربية التي تجوب أجواء القطاع. هو صاروخٌ إرشاديّ للطائرات المُقاتلة.
وإلى المنفعة الإرشادية التي تجدها فيه، يبدو أن إسرائيل تسعى من خلال هذا الصاروخ إلى تفادي المحاكم الدولية، في حال قرّر الفلسطينيون التوجه إليها لإدانة الاحتلال على جرائم الحرب التي يقترفها في القطاع. وهذا ما أكّدته صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية، إذ قالت إن لجوء الجيش الإسرائيلي لإطلاق صاروخ من طائرة الاستطلاع على المنزل قبل استهدافه يأتي في سياق «استخلاص العبر» من «تقرير غولدستون»، الذي أدان ارتكاب إسرائيل جرائم حرب مُنظّمة خلال حربها على قطاع غزّة في عدوان 2008-2009، لافتة إلى أن «هذه العبر لا تتعلق بالكفّ عن مهاجمة المنازل المدنية الفلسطينية، بل بطريقة تغليف ذلك بقشرةٍ قانونية».
استجمع/ي كل قواك
«الهروب من الموت في أقل من دقيقة».. عليك أن تستجمع كل قواك للهروب من موت أبلغك بوضوح أنه آتٍ إليك، الآن. الموت الذي لن ينتظرك لتجمع أشياءك، وذكرياتك، وشهادات ميلاد أطفالك، وصورة ابنك الشهيد المُعلّقة على جدران المنزل المُتصدّع من شدّة القصف.. عليك أن تنجو بحياتك وحياة أطفالك في أقل من دقيقة، حتى وإن تيبست أقدام الأطفال من الخوف، يجب حملهم، فقد تنجون من صاروخٍ سيدمّر المنطقة برمتها، لا حياتكم فحسب.
يصعب أن تنقذ حياتك في أقل من دقيقة. وقد أكّدت تقارير حقوقية أن عدداً من العائلات التي قُتلت في استهداف منازلها، كانت قد تمكّنت من إخلاء البيوت والهرع إلى الشوارع خلال هذه الدقيقة.. لكن شدّة الانفجار الذي يُحدثه صاروخ الـ F16 ومساحة انتشار الأذى، لا يتيحان للهاربين مقصداً آمناً.. في دقيقة.
عددٌ من العائلات التي نجت من قصف منازلها، هرعت إلى الشوارع والمدارس القريبة، لا تعلم ماذا جرى، لا تفهم ما يحيط بها، كل شيء تحوّل إلى ركام متناثر، صاروخ الـ F16 يمحو الذكريات، يطفئ النور.
تخيّل/ي
في ظل هذا «التحذير» الإسرائيلي، يتضح سبب عدم مغادرة بعض العائلات منازلها، رغم الصاروخ الأول. يكاد يفهم المرء انعدام الخيار فعلياً، فالصمود تحت سقف منزل لطالما جمع العائلة في الدنيا، سيجمعها في الآخرة. ومع ذلك، فإن قلّة هم الذي آثروا البقاء في منازلهم والاستشهاد، ولسان حالهم يقول: «الموت مع الجماعة رحمة». وهذا ليس خيالاً، فقد تجسّد في فتاة فلسطينية كتبت على «فايسبوك»، بعد ورود التحذير واستحالة الهرب: «يا مرحباً بالشهادة». فلاقت هذه الشهادة بعد دقيقة.
بالطبع، لا أحد يُحب الموت، لكننا هنا نريد بشدّة أن تصل رسالةٌ إلى الاحتلال الإسرائيلي تبلغه بأننا باقون هنا، وسنموت هنا. الكاتب الفلسطيني محمود جودة هو أحد هؤلاء الذين خاضوا تجربة السباق مع الموت تحت ركام المنزل، وقد أتاه التحذير عبر اتصالٍ هاتفي. والتحذير يتم أيضاً بواسطة بيانات تلقى على أسطح المنازل، لكنها لا تحدّد مبنى بعينه سيتم قصفه. فاختصر جودة تجربته مع الحياة والموت على النحو التالي:
«تصوّر أن يأتيك اتصالٌ هاتفيّ من جيش إسرائيل يأمرك بإخلاء بيتك لقصفه بعد 10 دقائق. تخيّل معي، 10 دقائق ويتم محو تاريخك الصغير عن سطح الأرض، هداياك وصور الأخوة والأبناء، أشياؤك التي تُحبّها، كرسيك، كتبك، آخر ديوان شعر قرأته، رسالة من أختك المغتربة، ذكرياتك مع من أحببت، رائحة الفراش، عاداتك في ملاطفة الياسمينة من الشباك الغَربي، مشبك شعرِ ابنتك، دفء المقعد، ملابسك القديمة، سجادة الصلاة، ذهب الزوجة، تحويشة العمر.. كل هذا يمرّ أمامك في 10 دقائق، هذا الوجع يمرّ عليك ويصيبك بالدهشة، ثم تأخذ أوراقك الثبوتية في علبة الحلو المعدنية، وتخرج لتموت ألف مرة، أو ترفض الخروج لتموت مرة واحدة».