| 

كل شيء يميل الآن إلى الرّماديّ، بطريقته العادية. أستيقظُ عند السّابعة صباحاً بالقوّة، أرتدي ثيابي وأشربُ قهوتي على عجل، أفتح الراديو على عجل وأسمع الأخبار.. حتى المذيعة تتكلّم بعجلة، كل شيءٍ رماديّ، غير مفهوم.
- لوين رايحين الجماعة؟ ع مهلكم.
وصلتُ إلى العمل متأخرةً بضع دقائق كالعادة، كلّ وجوههم رماديّة اللون، يتحدثون كالمذيعة عبر الراديو، بعجلة، كي لا أفهم، كي لا نفهم.
بدأت ورديّتي على أمل أن تنتهي.
21 شهيدًا فلسطينيًا في
اليوم الأول للعدوان.
تتحدّث المذيعة ذاتها ذات الصوت الرماديّ عبر الراديو، وأنا في طريقي إلى العمل، متأخرةً هذه المرّة أكثر من العادة. أنظر نحو الأشخاص داخل الشّبابيك المغلقة، وقد بدا جليًّا أنّنا جميعاً نستمع إلى المذيعة ذاتها.
وصلتُ إلى العمل.
«وجهك أصفر»، تقول لي زميلةٌ في العمل.
أجيبُها: «بتعرفي، الواحد مش نايم منيح، والأخبار».
- شايفة؟
- لا مش شايفة، فايتة أشتغل. (أنا مش زيّكم، أنا صفرا مش رماديّة).
ما بين زبون وآخر، أهرب إلى الأخبار الإلكترونيّة - الفايسبوك، أزدادُ حزنًا واصفرارًا، أمّا هُم ففرحاً يزدادون.
وهنا تعلّمنا لعبة الـ«بوكير فيس». الوجه الخالي من الدلالات.
انتهت الورديّة.
كنتُ أفضّل أن أبدأ عملي في ساعات متأخرةٍ أكثر، كي لا أكون أول وجهٍ يلتقون به ليفضفضوا عن أوجاعهم، باحثين عن كلمات آمنة تحتضنهم، كلمات منّي، كي يرتاحوا. كأنهم ينتظرون أن أقول: «لا تقلقوا، أنا بجانبكم».
كلّما ازداد العدوان، ازدادت ساعات الورديّة وازداد الكلام والضغط وتقلّصت كلماتهم المجروحة وتحوّلت إلى كلمات جارحة وعيون شرسة.
وقتها، أيقنت أن لا فرق بين ورديّة السّاعة السّابعة وورديّة السّاعة التّاسعة. سنواجه ونواجه.
كنتُ أسترقُ اللحظات لأقرأ الأخبار عن قنوات عربيّة وأقول لنفسي: «»نشكر الله، الميديا الإسرائيلية بتكذب عليهم، أو بتتأخر في نشر الخبر. لحدّ ما يطلع الخبر، بكون صرت بالبيت».
حتى هذه اللحظة، قلقي كان يطال مدّة الوردية وردود أفعالي خلالها، إذ تصبح عرضاً مسرحيّاً أمام جمهور كبير يترقبها.
- انتقلنا مرحلة يا أيها الرفاق، لقد حان موعد دخول الحرب بريًّا الآن.
«ليتني مرضتُ اليوم»، فكّرتُ بيني وبين نفسي.
يمكنُني أن أكذب وأتمارض.
لكن مديري كان يكره كذب المرض أكثر من الحرب ذاتها. فقرّرتُ أن أكون صادقة هذه المرّة، وأذهب إلى العمل.
وصلت، جلست في المكتب أحضّر أغراضي لأبدأ ورديّتي، ثم قلت: «صباح الخير للجميع».
ردّت عليّ إحدى العاملات: «»من وينتا بتقولي صباح الخير بعد ما تحضري كل أغراضك؟».
الحجّة ذاتها: «مضغوطة من التأخير».
قهوة. انتهت الورديّة. غداً، ورديّةٌ أفضل.
أهلًا بك يا أيها الغد: هناك قتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي وورديّة في آنٍ واحد.
حين دخلت إلى مكان العمل، استقبل نظري هذا المشهد: أعلام إسرائيل ترفرف فوق مكاتب عدة، ضغط جوّي واضح، ولكني لم أتأخر هذه المرّة. قلت: «صباح الخير للجميع». ردّوا: «صباح الخير.. رغم عدم وجود أي خير في هذا الصباح».
بالنسبة إلي، أصغيتُ إلى الجزء الأول من الجملة، والثاني رميته إلى مزبلة التاريخ.
أتحضّر لبداية الورديّة والقهوة في يدي. طلبت مني زميلةٌ في العمل أن أرافقها لسيجارة قبل حلول «همّ الزبائن». لبّيت الطلب.
كانت حزينة جداً صراحة، بلا شرّ في عينيها. جلسنا في غرفة التدخين، وكان فيها أكثر من عشرة أشخاصٍ يتصفحون جريدة «إسرائيل اليوم»، ويشتمون كلّ ما هو فلسطيني بشكل علنيّ، ويراقبون ردّ فعلي.
«بوكير فيس» سريع.
أنهيت قهوتي، عليّ أن أبدأ عملي كي أذهب إلى البيت قريباً (يعني كمان 9 ساعات).
مُستحمَلٌ حتى الآن، ومستمرون.
القشّة التي كسرت ظهر الجمل كانت ورديّة طلبت فيها زميلتان في العمل تاكسي، وقالت إحداهنّ بصوت عالٍ موجّهة كلامها إليّ:
- يا ربّ الشوفير ما يطلع عربي.
- ما فهمت، شو قلتي؟
- بخاف يطلع الشوفير عربي.
سقط «البوكير فيس»، سقط الصّبر، سقط كل شيء.
«أنت تتكلمين مع عربيّة، أتعلمين ذلك يا عاهرة؟».
تدخّلت زميلةٌ أخرى وطلبت مني ألا أسمّيها «عاهرة».
ما أجبتها به هو غير مهم لهذا النصّ. هذا الكلام مفيدٌ للتعامل مع الشعب الإسرائيلي فقط. ولكن، لكي نغلق هذه القصة، أتت هي ذاتها في اليوم الثاني صباحًا، وحضنتني، واعتذرت مني، وقدّمت لي بعض الشوكولاتة كي أرضى.
أجبتها بأن أسفها مقبول، وأن عليّ المباشرة بالعمل، ولا أريد أن نتحدّث عمّا حصل.
انتهت الودريّة.
ثم بدأت وردية..
انتهت..
بدأت..
وكل يوم، يصبح النهار أصعب، تعليقاتهم أصعب، عنصريتهم أصعب.
كلّ شيء يكون محتملاً عندما تملك حيزّك الشخصي، وتكون مَن أنتَ حقًا. لكن، عندما يسلبون منك حقيقتك، تصبح شبحًا.
وهذا ما يفعلونه.
الآن، أصبح «فايسبوك»، وما نكتبه عليه من «ستاتوسات»، يشكّل مرجعيّةً لكل مدير أو ربّ عمل إسرائيلي في أيّ مكان: يدخل صفحة أجيره العربي ويتصفّح ما يكتبه فيها. فإذا كان داعمًا للعدو (غزّة)، أو يعبّر عن حزن موجّه إلى غزّة من دون أن يتطرق لأطفال إسرائيل وجيشها، تجب إقالته.
توجد الآن صفحات كاملة صهيونية تلاحق صفحات شباب وصبايا عرب في الداخل المحتلّ، تنشر أسماءهم وأماكن عملهم في الإعلام، ومن ثم تتمّ إقالتهم من وظائفهم. وإذا لم تحصل الإقالة، يضغط الإسرائيليون لمقاطعتهم، فتصبح الإقالة أمراً مؤكداً.
حتى الآن، أقالوا من مركز عملي ثلاثة أشخاص. وأعرف أشخاصاً آخرين من شركات أخرى تمّت إقالتهم لمجرّد نشرهم صورة أو «ستاتوس».
كل هذه الملاحقات تنطبق على العرب منّا. أما الإسرائيلي فيحقّ له أن يكتب متى شاء مصطلح: «الموت للعرب»، ويكمل عمله بهدوء.
في لحظات معيّنة، دخلتُ إلى المرحاض كي أبكي بهدوء. وعندما شعرتُ بالقوة، حبست دموعي حتى وصلت إلى السيارة بعد انتهاء الورديّة.
كل قوانين دولة إسرائيل تتغيّر في وقت الحرب، أو هي تتجلّى عندها.
أنهي كتابتي. ولولا ورديّة الغد، لاستمرّيت في الكتابة!
ومع الورديّة، يستمرّ العدوان وتستمرّ معه الحياة والأمل في إنهاء الورديّات، كما الأمل في إنهاء الاحتلال.