| 

مع اشتداد وطأة العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، شهدت رام الله وسط الضفة الغربية، أسوة بسائر المدن الفلسطينية، تحركات شعبية عارمة لم يتردد الكثير من المراقبين والساسة في وصفها بـ«الانتفاضة»، بينما سمّاها آخرون «هبّة».
وكانت قد سجّلت في رام الله، منذ بدايات العدوان الإسرائيلي على القطاع، فعاليات تضامنية محدودة وعامة. لكن، مع استمرار وتيرة الجرائم الإسرائيلية في القطاع وتصاعدها، اشتد زخم التضامن بين مواطني الضفّة، ما عكس نفسه بتنامي حجم المشاركة الجماهيرية في المسيرات الداعمة للقطاع.. ثم هدأ. لماذا؟ كف؟.
كانت إحدى هذه الفعاليات الداعمة لغزة مسيرة حملت عنوان «48 ألفاً»، دعا إليها ناشطون على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، بتاريخ 24 تموز 2014، فانطلقت من أمام مخيم «الأمعري» في رام الله متجهةً نحو مخيم «قلنديا» شمال القدس، بمشاركة ما يزيد عن 20 ألف متظاهر، لتكون أكبر فعالية تشهدها الضفّة منذ بداية العدوان الإسرائيلي على القطاع.
واعتبر العديد من المتتبعين للشأن السياسي، أن مواجهة قلنديا، التي اقترنت بمواجهات متزامنة شهدتها محافظات فلسطينية مختلفة مثل القدس، ونابلس، والخليل، وطولكرم وغيرها، هي مؤشر على بدء انتفاضة شعبية جديدة، خاصة أن اليوم التالي، أي الجمعة (25-7)، شهد بدوره مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال امتد بعضها حتى ساعات فجر السبت، وسقط خلالها 8 شهداء ومئات الإصابات في الخليل ونابلس وجنين وبيت لحم.
ويشكّل وقوع المواجهات بين شبّان غاضبين وجنود الاحتلال مظهراً اعتيادياً في أيام الجمعة في الضفّة. لكن، أتت كثافة المشاركة الجماهيرية وكثرة الفعاليات التي خرجت نصرةً لغزة وشملت مدناً وقرى ومخيمات من جهة، لتصطدم من جهة أخرى بآلية تعاطي جنود الاحتلال معها عبر تكثيف استخدام الرصاص الحيّ بصورة واسعة بغرض القتل، ما أنتج ارتفاعاً في عدد الضحايا، وشكّل تحوّلاً إلى حدّ كبير في واقع الحراك الشعبي في الضفّة من وجهة نظر الكثير من المراقبين.
ويرى أمين حزب «الشعب» بسام الصالحي أن «ما نشهده هو انتفاضة الحرية والاستقلال، فما نراه ليس تضامناً مع غزّة بقدر ما هو تعبير عن أننا شعب واحد نتشارك في الكفاح ضد الاحتلال».
المصري: بلا قيادة ولا برنامج
سبقت مسيرة «48 ألفاً» والأحداث التي تلتها، مواجهات يومية ليلية مع قوات الاحتلال في العديد من نقاط التماس، وعند مداخل عدد من المخيمات مثل «قلنديا» في جنوب رام الله، و«الجلزون» في شمال رام الله، تحت عنوان التعبير عن التضامن مع القطاع. لكن الكثير من المراقبين رفضوا اعتبار هذه المواجهات وأحداث «قلنديا» مقدمة لانتفاضة جديدة، خاصة أن القيادة الفلسطينية ممثلة بشخص الرئيس الفلسطيني كانت قد أعلنت غير مرة رفضها اندلاع انتفاضة ثالثة.
ومن هؤلاء المراقبين يحضر الكاتب هاني المصري، مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية «مسارات»، الذي أشار إلى أن «الحراك الشعبي يأتي بلا قيادة، ولا برنامج. ما يؤخر تحوّل الهبّة إلى انتفاضة، ويؤثر على مسارها والنتائج المرجوة».
وقد تجلّى موقف القيادة الفلسطينية في منع المتظاهرين في مناطق عدّة من الوصول إلى مناطق التماس مع الإسرائيليين، مثل معسكر «بيت إيل» الذي لا يبعد كثيراً عن رام الله. بيد أن وتيرة الأحداث - على ما يبدو - دفعت القيادة ذاتها إلى إحداث تغيير في خطابها، بعدما لاقت تصريحات الرئيس محمود عباس انتقادات شعبية واسعة.
عامل الوقت
مع تواصل العدوان على القطاع، ازداد اهتمام الناس في رام الله بما يجري في القطاع، ولم يكن غريباً أن يزداد إقبال الناس على متابعة الأخبار سواء في المقاهي، أو سيارات النقل العمومي «التاكسي»، أو المنازل. ولعل ما ساهم في إزكاء ذلك ليس التصاعد في أعداد الضحايا في غزّة فحسب، وإنما أيضاً قطع وسائل الإعلام الفلسطينية مثل تلفزيون فلسطين الرسمي وقناة «معاً» الفضائية وغيرهما، البرامج المعتادة، وحصر البث بتغطية العدوان على غزة.
وقد انعكس تلاحق الأحداث إثر «مجزرة الشجاعية» في القطاع، تحركات شعبية مختلفة على مستوى رام الله، كان من ضمنها الخروج بمسيرات وتنظيم اعتصامات بشكل شبه يومي وسط رام الله، خاصة في ساعات المساء خلال شهر رمضان. وهو مشهد يختلف قليلاً عما شهدته رام الله خلال العدوانين السابقين على القطاع في العامين 2008 و2012، حيث كانت معظم الفعاليات الاحتجاجية نهارية.
وبموازاة ذلك، تحوّلت المخيمات الواقعة على أطراف رام الله، خاصة مخيم «قلنديا»، إلى مسرح لمواجهات يومية مع جنود الاحتلال، في ما يمكن اعتباره من أبرز التغيّرات التي فرضت نفسها بصورة كبيرة، عند المقارنة مع تجربة الضفة مع العدوانين السابقين على غزّة.
المواجهة مع السلطة
خلال الأسابيع الماضية، تكرّر منع أجهزة الأمن الفلسطينية لمتظاهرين من الوصول إلى معسكر «بيت ايل» المقام شمال رام الله، في خطوة استنكرها كثيرون. وأدّى موقف أجهزة الأمن من بعض المسيرات في رام الله وغيرها من المدن، وتحديداً في يوم العشرين من تموز 2014 (يوم «مجزرة الشجاعية»)، إلى مواجهات بين نحو ألف متظاهر كانوا في طريقهم نحو «بيت إيل»، وعدد كبير من أفراد الأمن. ما أسفر عن إصابة ثلاثة من المتظاهرين، ومثلهم من أفراد الأمن الذين أطلقوا قنابل الغاز المسيل للدموع تجاه المتظاهرين، قبل أن ينسحبوا من المكان، مفسحين المجال أمام المتظاهرين ليصلوا إلى المعسكر، حيث وقعت مواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي.
كان الناشط الشبابي حازم أبو هلال شاهداً على قيام الأجهزة الأمنية في رام الله بمنع وصول أعداد كبيرة من المتظاهرين إلى «بيت إيل».
وشرح قائلاً: «كل فلسطين التاريخية تتحرك دعماً للقطاع، بينما للأسف بدت القيادة وكأنها تلعب دور الوسيط إزاء ما يدور بين دولة الاحتلال والمقاومة. وما يبعث على الأسى هي المواقف التي عبر عنها بعض أركان القيادة والفصائل، التي عابت على المقاومة أفعالها. إذ لا يجوز خلال عدوان من هذا النوع، أن يتم توجيه العتب، لأن المطلوب هو توحد الجميع لمواجهة الاحتلال».
ورأى عضو المجلس التشريعي ونائب أمين عام «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» قيس عبد الكريم، أن «تصرفات الأجهزة الأمنية لا مبرر لها على الإطلاق، ولا يمكن أن تفهم بأي معيار يمكن أن تأتي».
4 مليارات دولار!
إذا كانت التظاهرة من طبيعة التحركات الميدانية، فإن جهات أخرى ارتأت إضافة مبادرات مدنية مختلفة إليها، نصرةً لأهالي القطاع. فأطلقت حركة «المبادرة الوطنية»، المحسوبة على اليسار الفلسطيني، حملة باسم «بادر» للمطالبة بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية.
وشكّل الشعار الذي رفعته هذه المبادرة سابقة بشكل عام، باعتبار أن دعوات المقاطعة في الأراضي الفلسطينية منذ نشوء السلطة تنحصر في استهداف منتجات المستوطنات، لاعتباراتٍ عديدة، من ضمنها طبيعة الاتفاقات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، التي لا تتيح للسلطة مثلاً اتخاذ قرار بمنع تسويق المنتجات الإسرائيلية وبيعها.
وشرحت الحركة في بيان صحافي: «إن اسرائيل خسرت 15 مليار دولار نتيجة حملة المقاطعة العالمية لها، وحملة «بادر» تستهدف تخفيض المبيعات الاسرائيلية في الأراضي المحتلة، والتي تصل قيمتها الى أربعة آلاف مليون دولار (أربعة مليارات دولار)، واستبدال المنتجات الإسرائيلية بالوطنية، ما سيخلق 100 ألف فرصة عمل للشباب المتعلم والمتعطل عن العمل في الضفة والقطاع». وأضاف البيان: «هدف الحملة جعل الاحتلال يخسر، وتوعية المواطنين وأصحاب المحلات إلى أن كل بضاعة إسرائيلية تباع للفلسطينيين، تتحول الى رصاص يقتل الاطفال في غزة والضفة».
القطاع الخاص يدعم
اقتصادياً، وإلى جانب دعوات المقاطعة، كان للشركات المؤثرة حضور في ساحة الدعم. إذ أطلقت شركات كبيرة في رام الله حملات و/أو شاركت بمبادرات أخرى، داعمة للقطاع، أسوة بما فعلته شركة «بير زيت للأدوية»، كبرى الشركات الفلسطينية المنتجة للأدوية، ومقرها في بلدة «بير زيت» شمال رام الله. إذ سيّرت الشركة شحنة من الأدوية إلى القطاع لتمكين المستشفيات هناك من الوفاء باحتياجات ضحايا العدوان الإسرائيلي، علماً أنها كانت قد وجّهت رسالةً مع بدايات العدوان إلى وزير الصحة جواد عواد، أبلغته فيها استعدادها التكفّل بتوفير كافة احتياجات مستشفيات القطاع من الأدوية التي تنتجها لعلاج جرحى العدوان.
أما مجموعة الاتصالات الفلسطينية «بالتل غروب» فأطلقت حملة لدعم مواطني قطاع غزة تحت عنوان «حبيبتنا فلسطين»، تعهدت في اطارها بتقديم «شيكلين» وهو ما يزيد عن نصف دولار بقليل مقابل كل «شيكل» يتمّ التبرع به من قبل المواطنين، عن طريق شبكتي شركة الاتصالات الخلوية «جوال» وشركة الاتصالات الهاتفية «الأرضي - بالتل»، ليتم بعدها تحويل هذه المبالغ لمصلحة مستشفيات القطاع.
وقامت «جوال» أيضاً بإضافة رصيد مجاني بقيمة 10 «شواكل» أي نحو ثلاثة دولارات، لأكثر من مليون مشترك على برامج الدفع المسبق، و«مكس» في القطاع لاستخدامها في حالات الطوارئ، ما سبقه تفعيل جميع الخطوط المفصولة لمشتركيها في غزّة.
أما «بنك فلسطين» فأطلق بالشراكة مع مؤسسة «التعاون»، حملة للتبرع لمصلحة مستشفيات غزة، ومستشفى «المقاصد» في القدس.
وأعلن البنك عن تبرع عاجل بمبلغ 100 ألف دولار كمساهمة عاجلة لتلبية احتياجات المستشفيات، حيث تم توريد حوالي 25 ألف لتر من الوقود للمساهمة في استمرار عمل المستشفيات وسيارات الاسعاف في القطاع، بينما تبرع البنك بشراء شحنة مستلزمات طبية لمصلحة مستشفى «المقاصد».
.. وتقييم نقدي لأدائه
في معرض تعقيبه على موقف «القطاع الخاص» من العدوان على غزّة، عبّر الخبير الاقتصادي حازم القواسمي عن عدم رضاه عن الدور الذي أداه رجال الأعمال الفلسطينيون والشركات: «رد الفعل متواضع جداً، وإن كان لا بد من الإشادة بمبادرة شركة «بير زيت للأدوية» التي تكفلت بتوفير احتياجات المستشفيات من الأدوية، فهذا أمر إيجابي وحيوي، وإن يبقى موضوع إدخالها رغم العراقيل الإسرائيلية إلى القطاع مسألة أخرى». وأضاف: «أعتقد أنه إذا لم يتحرك القطاع الخاص، وتحديداً الشركات الكبيرة في ظروف كهذه، فمتى سيفعل؟ صحيح أن الشركات الكبيرة التي تحقق أرباحاً تقدر بالملايين تشكل 1-2% لدينا، لكن هذا لا يلغي وجود مسؤولية عليها، وضرورة أن تقوم بالتحرك بشكل كبير، لكن ما شهدناه حتى اللحظة عبارة عن تحركات ضعيفة ولا تكاد تذكر، وهي تحركات من شركات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة».
وأثنى القواسمي على الدعوات المتصاعدة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وإن لفت إلى أنها في مدينة القدس وداخل الخط الأخضر (فلسطين الـ 48) اتخذت طابعاً أكثر جدية من حالها في الضفّة، لافتاً إلى أن الكثير من المقدسيين ونظرائهم من فلسطينيي الداخل «قاطع المحال التجارية الإسرائيلية «مول»، وهو ما دفع بهذه المحال إلى الإعلان عن حملات وعروض تشجيعية لاستقطاب المواطنين الفلسطينيين».
وتابع: «هذه الدعوات (سبقت انطلاق العدوان على القطاع) انتقلت من القدس إلى الضفة، وتتسع مع مرور الوقت، وأعتقد أن هذه هي المرة الأولى على مستوى الاقتصاد الفلسطيني التي نشهد فيها دعوات بهذا الزخم».
وأوضح أن مدى جديّة هذه الدعوات وتنامي وتيرتها مرتبطان بحدوث انتفاضة في الضفّة من عدمه: «إذا حدثت انتفاضة فستزيد قوة هذه الدعوات وانعكاساتها، أما إذا لم تحدث ذلك، وانتهت الحرب على غزة، فإن مسألة الدعوة للمقاطعة لن تستمر بالصورة التي هي عليها الآن».
يُذكَر أن الانتفاضة الأولى (1987)، شهدت دعوات لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، كانت تقترن في أحيان كثيرة بمصادرتها من محال ونقاط البيع «سوبرماركت»، وحرقها في أماكن عامة.
وقد أكد عدد من أصحاب محال البيع «سوبر ماركت» في رام الله، أن دعوات المقاطعة لم تفعّل بالشكل المطلوب، وأن الإقبال على المنتجات الإسرائيلية لا يزال كبيراً.
وقال أحد هؤلاء لـ«السفير» (فضل عدم الكشف عن هويته): «لا يزال تهافت كثير من المواطنين على المنتجات الإسرائيلية كبيراً. وما يدور من حديث عن مقاطعة لا يزال دون المستوى المطلوب، فأحياناً، مع حرارة الأحداث وجسامتها، تشعر بأن المقاطعة تفعل بعض الوقت، قبل أن تعود الأمور إلى سابق عهدها، وكأن شيئاً لم يكن».
السلطة تدعم
وإذا كانت هذه هي الحال على المستوى الشعبي، فإن المستوى الرسمي (السلطة) الذي تشكل رام الله مركز ثقله الإداري والسياسي، قدّم نفسه بشكل وجهت إليه سهام النقد بشكل واسع، ولعل أكثرها وأشدها وجّه إلى شخص الرئيس عباس، بعدما انتقد علانية موقف فصائل المقاومة، خاصة حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» من «المبادرة المصرية» للتهدئة.
الحكومة الفلسطينية (حكومة التوافق) ومركزها رام الله، عمدت من جانبها، إلى تسيير شحنات من الأدوية والمستلزمات الطبية، قبل أن تقرر مع بداية الثلث الأخير من الشهر الماضي، تخصيص معونات مالية طارئة بقيمة تصل إلى نحو 16 مليون دولار.
كما قامت الحكومة تبعاً لما أعلن وزير «العمل» مأمون أبو شهلا، بصرف 10 ملايين دولار لشراء الوقود اللازم لتشغيل محطة «كهرباء غزة»، وصرف 10 ملايين دولار أخرى لبرنامج «الغذاء العالمي» في القطاع، لتقديم الوجبات الغذائية اللازمة، وحليب الأطفال للأسر والعائلات التي تضررت بيوتها ولجأ عشرات الآلاف منها إلى المدارس، والمساجد، وساحات المستشفيات، وغيرها.
واقتطعت الحكومة بناء على اتفاق نقابة العاملين في الوظيفة العمومية «مؤسسات السلطة»، 1% من رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين العاملين في السلطة عن الشهر الماضي لمصلحة القطاع.
كما أطلقت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية حملة لجمع التبرعات المادية لمصلحة أهالي القطاع، تحت اسم «أغيثوا أهلنا في قطاع غزة».
.. ونقدها: كأنها جسمٌ محايد
على كل حال، وبالنسبة للعديد من المحللين مثل الدكتور إياد البرغوثي، مدير مركز «رام الله لدراسات حقوق الإنسان»، فإن الموقف الرسمي ممثلاً بالقيادة والسلطة، لم يكن بالمستوى المنشود إزاء العدوان على القطاع. وقال البرغوثي لـ«السفير»: «الموقف الرسمي متخاذل ومرتبك، فمثلاً هو يطالب منظمات المقاومة بأمور تقع ضمن مسؤولية السلطة أصلاً، خاصة بعد تشكيل حكومة التوافق. فموضوع فتح المعابر لا يجب أن يكون مطلباً لوقف إطلاق النار، بل على العكس! فهذا أمر يفترض أن يكون تحصيل حاصل انسجاماً مع ما جاء في اتفاقية أوسلو، والاتفاقات اللاحقة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي». ومضى شارحاً: «الموقف الرسمي الذي نشهده نابع من أن السلطة بطبيعتها، ونشأتها، وتكوينها، لا يمكن أن تكون إلا على الشاكلة التي هي عليها، فهي أنشئت بناء على اتفاق لتسهيل المفاوضات مع اسرائيل».
وفي ما يتعلق بموقف الشارع المستاء من السلطة، قال البرغوثي: «هذه مسألة تراكم، خاصة في ما يتعلق بالناحية الاقتصادية تحديداً، فهناك العديد من مظاهر الفساد التي خلقت مع مضي السنوات موقفاً سلبياً لدى الشارع من السلطة. ورغم أنه تمت بعض الترتيبات للحد من الفساد ومحاربته، فإن الاحتكارات من سلع وخدمات، وانقسام الناس لدينا بين غنى فاحش وفقر فاحش، تركت آثارها على موقف الناس من السلطة».
وتابع في توصيف حال السلطة: «المواقف السياسية التي عبرت عنها السلطة جعلتها تبدو كأنها جسم محايد. وفي حقيقة الأمر فإن الناس لا تفهم جوهر السلطة، أنا شخصياً لا ألوم السلطة لأن هذه هي طبيعتها، وبالتالي فإن الناس تتوقع من السلطة أموراً تبدو وكأنها تفوق قدراتها من جهة، ولا تنسجم مع ما وجدت لأجله من جهة ثانية».
وقال جواباً على سؤال حول ما إذا ستكون هناك انعكاسات للعدوان على ملف المصالحة: «المصالحة بمثابة ترتيب أدوار وإدارة أزمة، وليست وحدة حقيقية، بمعنى أن السلطة ستظل تتحكم بمقاليد الأمور في الضفة، وحماس ستتحكم بالقطاع، وباعتقادي فإن هناك اجراءات على الأرض تكرس بقاء الأمور على هذه الحال خاصة من قـبل السلطة».
وختم حديثه لـ«السفير» بالقول: «لا بد من استراتيجية فلسطينية للتعامل مع الاحتلال باتجاه إنهائه، لكن المشكلة أن لدينا رؤيتين، إحداهما تتمثل بالمفاوضات، والأخرى يعبر عنها التيار المقاوم. وبالنتيجة، فإنه لا يوجد حوار فلسطيني جدي يبنى على قاعدة المصلحة الوطنية الفلسطينية».