| 

في الحرب، تكاد تسقط الكلمة. فتأتي الصّورة لتغني عن ألفٍ منها. لكنّ مشاهدتها لا تحقّ إلّا لمن يفعّل فحواها بهدف التّغيير. وبغير ذلك، فلتسقط الصّورة أيضاً.
هذا ملخّص ما تقوله النّاشطة والكاتبة الأميركيّة سوزان سونتاغ في كتابها الأخير «الالتفات إلى ألم الآخرين». اعتراضها على الالتفات يرتكز على: طول مدّته (وهي قصيرة)، ونتيجة تكراره (وهي التّخدير، على العموم)، وأخلاقيّاته.

منذ الحرب الأهليّة الإسبانيّة في بداية القرن العشرين، وحتّى قبل اختراع الكاميرا، يوثّق الفنّانون والرسّامون مشاهد الحرب في أعمالهم، ليعوّضوا بذلك عن عجز الكلمة في وصف رعبها. وفي تحليلها للفوتوغرافيا الحربيّة، تقول سونتاغ إنّ المصوّر يأمل أن تقرّب صورُهُ الحرب من مشاهديها البعيدين. كما يأمل أن تجعل اختبارهم للحرب أكثر صدقًا، لتردع بالتّالي البشريّة عن خوض حروبٍ مستقبليّة.
لكنّ سونتاغ تنفي نجاعة الصّورة في تمرير رسائل كهذه وتعتقد بأنّها فشلت، وما زالت تفشل، في ذلك. فالالتفات إلى ألم الآخرين عن بُعد قد ينتج ردود فعل متناقضة: قد يكون مصدر دعوةٍ للسّلام أو صرخةٍ للانتقام، أو مجرّد وسيلة لزيادة وعينا (الواعي أصلًا) بأنّ هنالك أشياء مروّعة تحصل في عالمنا. كما تنفي سونتاغ إمكانيّة استيعاب هول الحرب عن طريق الصّورة: «لا نستطيع تخيّل ما هي عليه. لا نستطيع فهم كم هي مرعبة وقاسية، وكيف تصبح جدًّا طبيعيّة. لا نستطيع أن نفهمها ولا أن نتخيّلها. وهو ما يؤكّد عليه كلّ محارب، صحافيّ، مسعف، ومراقب مستقلّ لاقى من الحظّ ما أبقاه على قيد الحياة، بينما مات من حوله آخرون تحت النّار. وهم على حقّ».
السلام هو الاستثناء
في عرض صور الحرب «نوعٌ من بلاغةٍ تكرّر وتُبسّط وتُثير الغضب. وهي تخلق وهمًا عن إجماعٍ معيّن»، فتصدم المشاهدين على أمل أن توحّد أصحاب الضمائر الحيّة ضدّ الحرب: «تقول الصّور، انظروا، هذه حال الحرب. هذا ما تفعله الحرب... الحرب تمزّق وتفلق. الحرب تشطر وتنزع الأحشاء. الحرب تحرق. الحرب تبتر. والحرب تحطّم». كما أنّ هذه الصّور تقرّب حقيقة هذا الواقع ممّن لم يختبره أو كان يفضّل تجاهله.
لكن، مع ذلك، تتساءل سونتاغ: «ألم نكن نعرف ذلك من قبل؟ ألم نكن نعرف بأنّ الحرب مروّعة ودمارها هائل؟ ألم نكن ضدّ قتل الأبرياء من قبل؟ ماذا يضيف هذا القرب الصّوري من الحرب؟ رؤية الصّور لا تجعل النّاس تستنكر الحرب أكثر ممّا كانت تستنكرها قبل رؤيتها للصّور. دمار الحرب بحدّ ذاته لا يشكّل حجّةً كافية ضدّ شنّ الحروب، خاصّةً في عالمٍ مقسوم على ذاته كعالمنا، إلا إذا آمن المرء بالسلميّة المطلقة وباستحالة تسويغ العنف في أيّ حالةٍ كانت». وهنا تنوّه سونتاغ وتذكّر القارئ بأنّ توجّهًا كهذا لا يتماشى مع حقائق التّاريخ. فبينما يؤكّد التّوجّه العصري والشّعور الأخلاقي العام على أنّ «الحرب هي الشّذوذ عن القاعدة (ولو أنّها لن تفنى)، بينما السّلام هو القاعدة (ولو أنّه صعب المنال)، فإنّ التّاريخ ينفي ذلك بشكلٍ قاطع. فلطالما كانت الحرب هي الحالة الطبيعية والسّلام هو الاستثناء».
الفرجة تخدّر
تتطرّق سونتاغ لإشكالٍ آخر في الفوتوغرافيا الحربيّة، وخاصّةً تلك المستخدَمة في الصحافة، والتي تتوقّع من الصورة أن «تأسر الانتباه، أن تباغت، وأن تفاجئ». فـ«البحث عن الصّور الدّراماتيكيّة هو في صلب المنشأة الفوتوغرافيّة، بحيث أصبحت الصّدمة ذات قيمة استهلاكيّة عالية». وبسبب الانكشاف المتكرّر على هذا النّوع من الصّور المفاجئة والمنفّرة والمضجّة والمضيئة، زال وقع الصدمة «العاديّة». فكما يعتاد الإنسان على وجود الرعب في حياته، باستطاعته الاعتياد على رؤيته في الصور أيضاً، بل وربّما يستمدّ متعةً ما من مواجهته الفوتوغرافيّة في الوقت ذاته.
وما يزيد الخدر متانةً هو أنّ صور ضحايا الحرب قد أصبحت مجرّد جزء من التسلسل الطبيعي لأحداث النهار، نراها في التلفزيون والجرائد ووسائل تقنيّة حديثة، نحتسيها صباحًا مع القهوة. فقدنا المقدرة على الصدمة والشعور بالسخط. فقدنا المقدرة على ردّ الفعل. وتتساءل سونتاغ هنا عن الحلّ. هل هو الاقتصاد في الصور؟ نشرها مرّةً في الأسبوع، مثلًا؟ «كلّا، لن يكون هناك اقتصادٌ في الصّور. لن تقبل أيّة لجنة صحافيّة أن تقنّن الرعب وأن تحتفظ بمقدرتها على الصدمة. كما وأنّ الفظائع لن تتوقّف عن الحصول في الواقع في كلتا الحالتين».
وفي توجّه ساخر للموضوع، يعزو البعض هذا الخدر لظاهرة «مجتمع الفرجة»، بحيث أصبح استعراض الحدث كفرجة شرطًا لرؤيته كحقيقة وإثارة اهتمامنا، علماً أن «مجتمع الفرجة» هو مصطلح مأخوذ من كتابات المفكّرين الفرنسييّن غي ديبور وجان بودريار. فأصبح من المألوف وصف الحرب كاستعراض يحدث في حلبة الميديا فقط، وأصبح من الطّبيعي الجزم بانتهاء الواقع الملموس. لكن، تنتقد سونتاغ سطحيّة هذا الوصف وفشله في استيعاب الفراغ والسخف المستفحل في السياسة والثقافة الحاليّة. فتقول إنّ هذه تعميماتٌ خطرة، تنشر رؤية شريحة صغيرة جداً من المثقّفين الأغنياء، حيث تحوّلت لديهم الأخبار إلى مجرّد نوع آخر من التّسلية. وتفترض هذه الشّريحة بأنّ العالم بكلّيّته أصبح متفرّجًا، كحالها، موحيةً بأنّ لا عذاب ملموساً في العالم. وبطبيعة الحال، رؤية كهذه تتناقض مع تجربة «مئات الملايين من المتفرّجين ممّن لا يستطيعون التّعوّد على ما يرونه على شاشة التّلفزيون ولا ينعمون بترف تفصيل الواقع على ذوقهم».
وترى سونتاغ في الشّريحتين وجهين لعملةٍ واحدة، ألا وهي السّخرية من عجز الصّور عن التّأثير الفعّال. الشّريحة الأولى تخدّرت وفقدت إيمانها بصدق الواقع المعروض في الصّورة، والثّانية تعبت من رؤية عنف واقعها معروضًا في صورة.
حتمية الرعب واستحالة إيقافه
أين تقع الفائدة من نشر صور الحرب، إذًا؟ و«ما الفرق بين احتجاج المرء على الألم مقارنةً بالاعتراف بوجوده؟»، أو لمن تحقّ رؤية الصّور، إذا كان لا بدّ من وجودها؟ فتلاحظ سونتاغ أنّ الرّغبة في رؤية ألم الآخر قد تكمن أحيانًا في متعة «المقدرة على كتم البغتة عند التحديق في الرعب، أو في ذات الإجفال منه عند رؤيته». يستمتع المتفرّج بالإثبات لنفسه ولغيره أنّه قادرٌ على رؤية الرعب، كما يستمتع جرّاء بغتته الجسديّة المرافقة بالتفاته لهذا الرعب.
إضافةً إلى ذلك، وبما أنّ العذاب في الرّسم غالبًا ما يصوّر كاستعراض «يشاهده (أو يتجاهله) الآخرون»، تمرّر هذه المشاهد رسالةً بحتميّة الرعب واستحالة إيقافه. وكلّما بدت الحرب جارفةً أكثر، خفّت استجابة النّاس لرعبها: العطف أو الشّفقة أو الرّثاء هي مشاعر غير ثابتة. إن لم تترجم إلى أفعالٍ، تتلاش. فعندما يعجز المرء عن تحويل معلوماته ومشاعره إلى أفعال، عندما يشعر بأنّ الجميع يعجز عن اتّخاذ خطوات عمليّة لإيقاف الفظائع، تنتهي به الحال إلى الملل والسّخرية والفتور.
لذا، تعتقد سونتاغ بأنّ النّظر إلى هذه الصّور يحقّ فقط لأولئك الذين يستطيعون تخفيف وطأة الألم عن مختبريه (الجرّاحون، مثلاً) أو أولئك الّذين قد يتعلّمون شيئًا منه. أمّا بقيّتنا فلسنا سوى بصباصين/متفرّجين («voyeurs»).
كما تلفت سونتاغ انتباهنا لأخلاقيّات البروزة (البديهيّة) في الفوتوغرافيا، حيث يتحكّم المصوّر في توضيح السّياق أو تعتيمه، وفي ما يُريه وما لا يُريه: «لا يمكن أن تعرض الصّورة الفوتوغرافيّة حدثًا ما بشفافيّةٍ مطلقة... في التصوير برْوَزَة لحدثٍ ما، وفي البَرْوَزَة إقصاء».
«كاثارسيس» ما بعد الصورة
حسناً، لكن ما هو البديل الممكن؟ تراه سونتاغ في الابتعاد عن الصورة والتأمّل. تراه في الروائيّة وفي الكتاب. فالقراءة تمنح وقتًا أطول للتْعمّق وللإحساس. التّأمّل بفظاعة الحرب، واحترام ضحاياها. في الصّورة، حتميّة ودائريـــّة. وفي روايـــــتها، محاولةٌ لفكفكة هذه الحتميّة. وبينما تعجز الصّورة عن إتقان الكلام، تحاول الكلمة التّواصل مع صراخ الصّورة وترجمتها إلى الاستياء الكلامي والتّساؤلات الفعليّة.
«مَن تسبّب في إحداث البشائع المعروضة في الصورة؟ مَن المسؤول؟ هل نعذرها؟ ما مدى حتميّتها؟ وما الذي يجب علينا تحدّيه من مسلّمات لإيقافها؟». بمساعدة الكلمات، تتحوّل بعض الصور إلى تذكارات تثبّت إحساس المرء بالواقع - نوعًا من «الأيقونات الدنيوية» التي تؤكّد خاصيّة الزمان والمكان والسياق، وترفض تقليص بشاعتها إلى صورة عابرة تسرد بشاعة الحرب. ترفض إدانة البشريّة ككلّ وتطالب بإدانة النّزاع وظالميه في سياقهما المدروس.
إن الكلمات تصل بين فظاعة الصورة والفعل. والفعل هو تحديدًا ما يحتاجه المرء للتّخفيف من وطأة رعب الصّورة. هو تحديدًا ما يحتاجه المرء للتغلّب على الخدر (القاسي بدوره). وتذكّرنا، مرّةً أخرى، بأنّنا لن نفهم أبدًا ألمَ حربٍ لم نختبرها.