| 

إن فكرة الكتابة إليك أو عنك أمرٌ شديد الصعوبة. استحضارك في مقالٍ أو رسالة هو أمر مرعب بحدّ ذاته. غسان، يا قلمنا، قبل أسبوع فقط، وخلال محاولاتي الفاشلة للكتابة إليك، غلبت على مسودات رسائلي رائحة الهزيمة والعار، أنا خجولة أمامك من نفسي ومما وصلنا إليه في غيابك.
مزّقت رسائل الهزيمة وقررت أن أحدثك عن زمن محمد «شهيد الفجر»، الذي انهال جسده المتفحم كشظايا على ضمائرنا، وأيقظ صمتنا الذي استمر سنين، فحوّلنا الهزيمة إلى ثورة تفجّر كل شيء، أعادنا محمد إلى زمن الاشتباك، أعاد تعريف العدو والصديق، جعلنا ندقّ جدران الخزّان، جدران الخوف والهزيمة معاً.
لقد عدت إلينا غسان. عادت كلماتك جمراً بأيدينا، ناراً تشعلنا في ميادين الشجاعة الحقيقة، لنعوض بها بعضاً من زمن الهزيمة الذي مرّ عمرٌ وهم يحاولون إقناعنا بقبولها.. حتى استشهد محمد. أحرقوه يا غسان، عذبوه حتى النَفَس الأخير، هم أنفسهم الذين قتلوك وهشّموا جسدك النحيل. محمد كان نحيلاً أيضاً، بينما خنوع أصحاب البدلات يقتل آمالنا يوماً بعد يوم. هم لم يتخرجوا من مدارس الناس، لم يروا فيهم إلا فرصة للاستغلال والخداع، بل قاتلوا الناس وقتلوهم ومزقوا أحلامهم وأتعبوهم حتى فقدوا الثقة بالنفس.. فجاء الغضب ليقول للراقصين على أحلام المكسورين: نحن لم نمت بعد، نحن أحياء ننتظر دورنا، لأن الموت ليس قضية الميت بل قضيتنا نحن المنتظرين.
كنت أعلم جيداً أنك ستوبخني لو أخبرتك في رسالةٍ سابقة أنني على وشك أن أفقد ثقتي بالناس، بهؤلاء الشباب الذين عمل محتلهم على ترويضهم يوماً بعد يوم، وعاماً بعد آخر. عمل على إبعادهم عن المشهد، على تدمير بنيتهم الثقافية والفكرية، على تشويه صورة فلسطين في أحلامهم. كنت ستوبخني بشدّة لأنك لم تكف يوماً عن الالتصاق بالجماهير التي لطالما وثقت بها، كان إيمانك بنا إيماناً مطلقاً كالشمس.
أولئك الشباب غضبوا في لحظة لم يتوقعها أحد، أخرجوا في ساعات كل ما حقنوا به طوال سنوات. منذ زمن، برأوا أنفسهم من نهج المدافعين الفاشلين عن القضية المحقّة. فأعلنوا بأنهم سيكونون للعدوِ نداً، لن يصافحوه، لن يتراجعوا عن مواجهته، ولن يحوّلوا صراع الأرض إلى نقاش حول مائدات رابضة على أحلامنا ودمنا ودمعنا وحقنا.
لن نستسلم بعد اليوم غسان، لن نتعب ولن نيأس، لن نفقد ثقتنا بالجماهير، علمتنا أنت ألا نرتد حتى نزرع في الأرض جنّتنا، علمتنا أن الاستمرارية في الكفاح أهم من موت أحدنا، علّمتنا أن الثورة جزءٌ لا ينفصل عن الخبز والماء وأكف الكادحين ونبض القلب. ربما نهدأ قليلاً، لكننا لن نعود إلى زمن الهزيمة. ربما تقلّ حدّة المواجهة، لكننا لن نقبل بالموت أحياء.
سيحاولون إسكاتنا، إخماد نارنا، إعادتنا إلى هدوء المتواطئ. سيقولون لنا: هذا الملثم وهذا الحجر، لن يعيدا بلاداً ولن يأخذا بثأر شهيد، هذه الفوضى لا تحرّر أرضاً. سيحاولون إقناعنا بأنهم زعماء الخلاص ورجال المعركة، وأن سِلمهم الكاذب حقيقة، وأننا بحاجة دائمة إليهم. لن نجيب كثيراً، نحن الذين لم نتقن لغة جلسات القمم الدولية. سيجيبهم الملثم والحجر، وفوضى الغضب، ودخان إطارات محروقة، وأمهاتٌ يكسرن الطوب لأبنائهن ويحرّضن على الاشتباك بحجارة لها رائحة الخبز. ستجيبهم جماهير حرّة انتمت للملثم وثورته، فصار صوتها وصورتها ورمزها ونارها وقلبها وأملها والحُب الممتد فيها.
غسان، نسيت أن أخبرك: عكّا خرجت غاضبةً أيضاً، وكنت أنت عنوان غضبها. فعلى الدوار الذي يحمل اسمك، انتفض العكاويون وصرخوا: نحن فلسطينيون باقون هنا كالجدار. لم أخبرك كم أم سعدٍ ولدت هنا في يومٍ واحد، لأننا نعلم جيداً أن الحرية لا تأتي من الخارج.
إنني على يقين بأنك لو حضرت بيننا اليوم، فستكون ثابتاً على كلماتٍ مكملاً مسيرتك الملهمة. فالفكرة إن ولدت يستحيل التخلص منها، والذي بالدم كتب لفلسطين لم يكن يراها من دون عكا أو صفد أو ترشيحا، ولم يكن ليختار طريقاً إليها غير طريق البنادق التي يحملها الكادحون في طريق طويل وشاق. لن يرتدوا حتى يزرعوا في الأرض جنتهم، أو يقتلعوا من السماء جنتها، أو يموتوا بكرامة.
غسان، عليك الاطمئنان. فقد قرّرنا إحياء زمن الاشتباك من جديد، وعدنا أنفسنا ألا نتعب، ألا يطول صمتنا، ألا يجلس فوق أفواهنا أولئك المتآمرون على حلمنا. على «أرض البرتقال»، ستظل كلماتك تساهم في توجيه بوصلتنا، كلماتك التي لم ترَ طريقاً إلى فلسطين غير خطوط المواجهة والثورة.. كلماتك التي لم تتراجع يوماً عن إيمانها المطلق بالحرية الحتمية والعودة الأكيدة.