| 

خلص اجتماع الجمعية العامة للكنيسة "المشيخية" في الولايات المتحدة الأميركية، التي تعدّ من أبرز الكنائس البروتستانتية، إلى سحب استثماراتها من الشركات الأميركية التي تعمل في المستوطنات الإسرائيلية، وتساعد في تأمين أرضية صلبة لمحاصرة الفلسطينيين.
تلك بالطبع ليست محاصرة أميركية لإسرائيل، ولكن اهتزاز صورة "التناغم المسيحي – اليهودي" بعد قرار الكنيسة سحب استثماراتها عزّز نوعاً من الذعر في الأوساط الإسرائيلية وكبرى منظمات الاحتلال. كما انسحب الذعر ليصيب بعض قادة البروتستانت الذين يخشون بدورهم من أنّ تمرير قرار كنسيّ كهذا، ربّما يطلق العنان لسيل من الإجراءات المماثلة لدى الطوائف البروتستانتية الرئيسية الأخرى.
تالياً، يمكن اعتبار القرار خطوة أولى، ولو بسيطة، في سياق تعديل نظرة الرأي العام الأميركي إلى "القضية الفلسطينية"، إن جاز التعبير، خصوصاً في ظل النفوذ الواسع للكنيسة البروتستانتية سياسياً ومالياً في الولايات المتحدة.

بدأ الخرق في الصورة إذاً، بعد عشر سنوات على محاولة الكنيسة «المشيخية» في الولايات المتحدة تبنّي قرار بسحب استثماراتها الماليّة، التي تبلغ قيمتها 21 مليون دولار، من ثلاث شركات أميركيّة كبرى توزّع منتجاتها في المستوطنات الإسرائيلية. ونجحت آخر هذه المحاولات في منتصف الشهر الماضي، عندما صادقت الجمعية العامة للكنيسة على القرار. وجاءت نتيجة التصويت على بيع أسهم الكنيسة في شركات «كاتربيلر» و«أتش بي» و«موتورولا»، بـ310 أصوات مؤيدة لسحب الاستثمارات، في مقابل 303 معارضة له. ويذكر أن الجمعية العامة للكنيسة رفضت، قبل سنتين، مقترحاً مماثلاً بسحب الاستثمارات، بعد استفتاءٍ أتت نتيجته سلبية بفارق صوتين فقط. والنضال الكنسيّ الذي استمر أعواماً، استند في موقفه الى أن الشركات المستثمر فيها تحقق أرباحاً من «أنشطة غير سلمية».

الهجوم على «المشيخية»

قرار الكنيسة، التي يبلغ عدد أعضائها 1,9 مليون مواطن أميركي تقريباً، بالتوقف عن الاستثمار في ثلاث شركات تزوّد قوات الاحتلال والمستوطنين في الضفة الغربية بسلع وخدمات، أثار غضب اليمين الإسرائيلي. وسعت منظمات يهودية - أميركية نافذة لإفشال التصويت لمصلحة سحب الاستثمارات.
وكما كان متوقعاً، فإن الأصوات اليهودية المناوئة لقرار الكنيسة رأت في الجدل القائم مناسبة جديدة لإعادة صياغة معزوفتها التقليديّة: «إن الهدف من المقاطعة ما هو إلا محاولة لتدمير إسرائيل». تلك الأصوات تعلن إنها «لا تشكّك في حسن نوايا الكنيسة المشيخية»، إلا انها تخشى انجرار الأخيرة في مشروع معادٍ للسامية. وتتابع الأصوات تحليلها معتبرةً أن الحوار المسيحي اليهودي يجب أن يبقى قائماً، لأنّ المسألة تمكن معالجتها في جلسة مناقشة سريعة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تطال السياسات الإسرائيلية، وربما انتهاكات حقوق الإنسان. لكنّ نتنياهو عاد وصوّب النقاش بعيداً عن لوم سياسات دولته: «من المستغرب أنّ الكنيسة (المشيخية) صوّتت مع القرار ضد إسرائيل وشعبها، في وقت يعاني فيه مسيحيو الشرق الأوسط من التطهير الديني وتدمير الكنائس والاغتصاب والاضطهاد والتهجير والقتل على يد الميليشيات الإسلامية المتطرفة». يقول صراحة: «شاهدوا ماذا يحصل للمسيحيين وغيرهم من الأقليات في العراق وسوريا وليبيا». ويتساءل أخيراً: «لماذا هذه الانتهاكات بحق إسرائيل وهي المكان الوحيد الآمن للمسيحيين والأقليات الأخرى في الشرق الأوسط؟».
ويأتي الامتعاض الشديد من قرار الكنيسة «المشيخية» ليترافق مع ثبات خطاب منظّمات مثل «اللجنة اليهودية الأميركية»، و«اتحاد الجاليات اليهودية في أميركا الشمالية»، و«المجلس اليهودي للشؤون العامة». خطابٌ بقي على حاله، لم يتغير منذ العام 2004، عندما بدأت الكنيسة «المشيخية» النظر جدياً في سحب استثماراتها من الكيان الإسرائيلي. قادة تلك المنظمات التي تدّعي النطق باسم كلّ اليهود، أوضحت أنّ أيّ يهوديّ يدعم دعوات المجتمع المدني الفلسطيني للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، يرتكب «خيانة الولاء اليهودي لدولة إسرائيل». ولكن، هذا العزف المتجدّد على نغمةٍ باتت قديمة، يشي اليوم بأنّ تحولاً كبيراً قد طرأ على الأرض، خصوصاً في ظل «ثورة» الطلبة اليهود في الجامعات، وازدياد عدد الحاخامات والعلماء والأكاديميين الإسرائيليين الذين يؤيدون حركة المقاطعة.
إلى ذلك، وضمن الحملة التي استهدفت قرار الكنيسة «المشيخية» بالمقاطعة، وقّع أكثر من 1700 حاخام من الولايات الأميركية الخمسين، رسالةً مفتوحة موجّهة إلى أعضاء الكنيسة الذين صوّتوا لمصلحة القرار، يلومونهم فيه على «إلقاء اللوم على جانب واحد، في حين أن الجانبين معاً مسؤولان عن الوضع الحالي، ما من شأنه زيادة التوتر وتعميق التفرقة، عوضاً عن الدفع في اتجاه عمليّة السلام».
وتتجاهل هذه الأصوات، عمداً، أن «إلقاء اللوم على طرف واحد» يصحّ تماماً في حالة الاحتلال.

شركات صديقة للإنسان

بعد صدور نتيجة تصويت «المشيخية» ضد الاستثمار، سارعت الشركات الثلاث، «كاتربيلر» و«هيويلت باكارد ـ أتش بي» و«موتورولا سيلوشينس»، إلى التأكيد أن منتجاتها المستخدمة في المستوطنات لا تشكّل خرقاً لحقوق الإنسان. ويشي رد الفعل هذا، بدرجة الخطورة التي بدأت تستشعرها تلك الشركات.
من جهتها، أعلنت شركة «موتورولا»، في بيان، أنها «تتبع القانون في معاملاتها، وتحافظ في سياستها على مراعاة حقوق الإنسان». في المقابل، بدا بيان «أتش بي» عبثياً، إذ جاء فيه أن نقاط العبور التي صمّمتها الشركة للفلسطينيين تهدف إلى «تسريع مرور المواطنين منها بغية التوجه إلى عملهم». أما «كاتربيلر» فنفت أن تكون قد باعت أي معدّات للحكومة الإسرائيلية، وقالت إنها تبيع معدات للحكومة الأميركية فقط.

كنيسة ممانعة؟

يقول أمين السر للكنيسة «المشيخية» غراداي بارسونز: «نحن لا نملك (ككنيسة) أن نحقق ربحاً من تدمير المنازل وإزهاق الأرواح. سنواصل الاستثمار في شركات تنخرط في أنشطة سلمية في إسرائيل». يذكر هنا أن الكنيسة تميل إلى الاعتقاد بأنّ الحل النهائي يكمن في حلّ الدولتين.
الأسقف نفسه وجّه في بداية العام 2014 رسالةً إلى الرئيس السوري بشّار الأسد أكد فيها أنّ «الجمعية العامة للكنيسة البروتستانتية في الولايات المتحدة دعت إلى القيام بوساطة لوقف العنف من قبل كلّ الأطراف في سوريا. كما دعونا كل الجهات الخارجية إلى وقف كل أشكال التدخّل في سوريا، وطالبنا بدور فاعل للأمم المتحدة. وناشدنا حكومتنا (الأميركية) عدم التدخّل عسكرياً في الأزمة السورية». ووجّه مناشدة للأسد تقول: «بينما ليس في استطاعتك التحدّث مع جميع أطراف الصراع، نناشدك بذل كل الجهود نيابة عن الشعب السوري للتوصل، من خلال التفاوض، إلى حلّ يقود نحو مستقبل سالم يضمن حقوق كل فئات الشعب السوري».
وفي العام 2005، قام أربعة من مسؤولي الكنيسة «المشيخية» ووزرائها في شيكاغو، بزيارة إلى لبنان التقوا خلالها ممثلين عن «حزب الله»، في اجتماعات وصفت آنذاك بأنها «تعليمية». إلا أنّ رد فعل الكنيسة على هذه المبادرة بدا في ذلك الوقت مغايراً لخطابها الحالي، إذا قالت عن أفراد الوفد الذي قام بالزيارة: «تعيّن عليهم أن يؤكدوا معارضتهم للإرهاب ودعمهم لإسرائيل».