| 

رمضان حلّ في أرض الحلويات، نابلس، بينما تربتها لا تزال تستقبل الشهداء. هنا جولةٌ على ما بقي من عادات المدينة وتقاليدها المتوارثة، كما على أكبر مخيماتها، بلاطة الملقب بـ«مخيم الشهداء».. فرمضان هذا العام، كما في كل عامٍ فلسطينيّ، يترافق مع ارتفاع منسوب الموت والعنف، يترافق مع صعوبة العيش. «أم مهيوب» مثلاً.

«سوق نازل»

عند الفجر، ينطلق المسحّر الوحيد في نابلس زيد حسونة في شوارعها ليرتل دعاء الصوم. وهو يحفظ أسماء الناس، وينادي عبر مكبر الصوت على الأطفال الذين ينتظرونه كل فجر، منهم من يستيقظ من النوم خصيصاً لمشاهدته وسماع صوته أو حتى لالتقاط الصور معه. فزيد يرتدي الزيّ الشامي القديم مع الطربوش والشروال، ويحمل أدوات العمل المكونة من الطبلة ومكبر الصوت، ولا يخفي تخوفه من جنود الاحتلال الذين اعتدوا عليه عدة مرات بالضرب، وكسروا رجله، وصادروا أدوات عمله، وقد قاموا مرة بإتلافها بالكامل.
ورغم ما تعانيه المدن الفلسطينية من احتلال ومحاولة لطمس تاريخها، إلا أن نابلس التي تعتبر من أكبر مدن فلسطين لا تزال تحافظ على عاداتها، وأبرزها: «سوق نازل» التي تبدأ فعاليته باجتماع الأطفال في مواكب بشوارع مدينة نابلس القديمة، وهم يرددون المدائح الخاصة بالشهر الكريم كما كان يجري سابقاً، في أيامٍ محددة في أواخر الشهر فقط.
ومن المميز في رمضان هذا العام في المدينة التي تضم ثلاثة أديان هي الإسلام والمسيحية والسامرية، بدا الشاب المسيحي خليل كوع الذي بادر إلى تزيين المساجد وحي رفيديا الذي يعيش فيه غرب نابلس. وكذلك، يبادر خليل يومياً إلى توزيع المياه والتمور يومياً للصائمين المتأخرين في الوصول الى بيوتهم، وقت الإفطار. ما أثار حالة من الفضول الإعلامي، بحثاً عن «المسيحي الذي يزين المساجد ويقدم الإفطار للصائمين». يقول الشاب خليل الذي أصبح ظاهرة لـ«السفير»: «أحب شهر رمضان، ففي هذا الشهر أستطيع أن أعبر لجيراني من المسلمين عن الاحترام عبر مساعدتهم في تزيين المساجد والحي. وما أقدمه من المياه والتمور ليس الا شيئاً قليل من الضيافة» وتابع: «الكثير من أصدقائي المسلمين يزينون بيوتهم بشجرة عيد الميلاد، والجميع يأتي الى بيتنا لمعايدتنا في الأعياد المسيحية. وهذا يجعلنا شعبا أقرب إلى استيعاب خصوصيات الآخر».

«رمسيس» و«الاستقلال» فقط..

تسبب تراجع السياحة الداخلية الفلسطينية، نتيجة تعاقب الانتفاضات وإجراءات الاحتلال، بإغلاق أبواب 16 «بنسيون» من أصل 18 في نابلس. وتحوّل أصحابها إلى مهنٍ أخرى. فلا يعوّض بناء فنادق عصرية بديلة منها غياب البنسيونات التاريخية التي كانت تتمتع برخص الثمن، بحيث يتمكن الجميع من ارتيادها والاستمتاع بغرف يعود تاريخ بنائها إلى أكثر من 100 عام.
ووصف مالك «بنسيون رمسيس» و«بنسيون الاستقلال» فيصل عيران (67 عامًا) الوضع السياحي في المدينة بـ«السيئ» نتيجة «الإغلاقات» الإسرائيلية المتكررة للمدينة على مدار العقود الأخيرة، مضيفًا أن «الحياة في المدينة تعود خلال شهر رمضان إلى طبيعتها، كأن الدماء تجري في عروقها من جديد، كل شيء مختلف، لكن المنغص الوحيد هو الاحتلال الذي يقتحم البيوت ويعتقل الأبناء».
يشار إلى أن نابلس الشهيرة بصناعة الحلويات تضم اليوم أكثر من 100 مصنع حلويات يعمل فيها أكثر من خمسة آلاف عامل، ومثلها من المقاهي العامرة على مدار شهر رمضان التي تبقى تعمل حتى ساعات السحور، في تحدٍّ يوميّ للاقتحامات العسكرية التي ينفذها جيش الاحتلال.
وبحسب إحصائيات غرفة التجارة والصناعة في المدينة، فإن مصانع الحلويات تتضاعف في رمضان لكثرة الطلب عليها التي تصدر كهدايا إلى معظم دول العالم حيث أقارب للمواطنين في الشتات الفلسطيني.

«جبل النار»

تحوّلت نابلس التي تضمّ في أكنافها أربعة مخيمات، هي: عسكر الجديد وعسكر القديم وبلاطة ومخيم عين بيت الماء، إلى رمز من رموز النضال الفلسطيني، وهي توصف تاريخياً بـ«جبل النار»، لما أبدته من مقاومة على مرّ السنين في وجه الاحتلال. إلى ذلك، فإن عادات أهلها في شهر رمضان أكسب أسواقها تميزًا عن أي مكان آخر في فلسطين.
ولا تكاد تمر ليلة واحدة إلا ويدخل جيش الاحتلال الإسرائيلي نابلس من أجل اعتقال بعض أبنائها، لكنها لا تستسلم للخوف ولا تتوقف الحياة في أسواقها العامرة بالناس. يأتون إليها من كل مدن الضفة الغربية والمدن المحتلة عام 48 للتسوق، أو حتى النوم في «بنسيوناتها» التاريخية أو فنادقها، ولو ليلة واحدة، لمعايشة أجواء رمضان الخاصة بها.. إلا أنها تفتقد زوار قطاع غزة منذ بداية الانتفاضة الثانية، نتيجة منع سكان القطاع الدخول إلى الضفة الغربية، إلا عبر تصاريح طبية للعلاج.
يُعتبر مخيم بلاطة في نابلس من أكبر المخيمات في الضفة الغربية، إذ تسكنه 28 ألف نسمة. وكان يوصف بأنه متعدد العادات والتقاليد لتنوع الناس الذين هجر معظمهم إليه من قرى لواء يافا وسيدنا علي ويازور والعباسية والخيرية وطيرة دندن والجماسين في عام النكبة، 1948.
إلا أن العادات في المخيم أصبحت اليوم، وبعد نحو 66 عاماً من التهجير، متشابهة بفعل الزمن والجوار. فيصف رئيس جمعية «يافا» تيسير نصر الله المخيم بـ«مخيم الشهداء»، مردفًا: «لا يوجد بيت في مخيم بلاطة إلا واعتقل أحد أفراده داخل السجون الإسرائيلية. أما الشهداء فيملأون التربة. وهذه عائلة أم مهيوب نموذج.. لقد أطلق الأهالي عليها لقب «خنساء فلسطين» لكثرة ما قدمت من الشهداء».

عائلة أم مهيوب

دفعت عائلة أبو ليل في مخيم بلاطة (شرق نابلس)، ثمناً باهظاً ليس فقط باعتقال أبنائها جميعهم، وإنما بسقوط أربعة شهداء من أفراد هذه الأسرة، هم ثلاثة توائم بالإضافة إلى الابن الأكبر، على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال سنوات انتفاضة الأقصى التي وقعت في شهر أيلول/ سبتمبر من العام 2000.
والشهداء الأشقاء هم: محمد وحسني وسمير وخالد، لم يبلغ أي منهم العشرين من العمر.
أسرة أبو ليل هي نموذج لمأساة الفلسطينيين المتواصلة منذ 66 عاماً، حيث اعتقل جميع الأشقاء بمن فيهم الجريحين طلال وفريد، وما زال الشقيقان سامر وحسين يقبعان في السجون.
والدة الأسرى والشهداء (أم مهيوب) التي يظهر عليها التعب والمرض والإرهاق بعد هذه الرحلة الطويلة مع الموت ووداع الأبناء، وصفت حياتها بــ«الشاقة»، ولا يزال هذا الشقاء مستمرًا. تقول: «حضنت أبنائي شهداء مضرجين بدمائهم بعدما اغتالتهم قوات الاحتلال، الواحد تلو الآخر، وودعت باقي الأبناء إلى السجون. خلال فترات، خلا بيتي من الأولاد».
أم مهيوب التي أنجبت 11 من الذكور واثنتين من الإناث، بينهم ثلاثة توائم، أصبحت لا تقوى على السير على قدميها إلا بمساعدة، أو الاستعاضة عن المساعدة بالاتكاء على الحائط. تبذل جهدًا كبيرًا في الحديث ولا تخفي اشتياقها الكبير لأبنائها، خاصة عندما يأتي شهر رمضان. «كان الشهيد محمد يأتي لتقبيل يدي بعد كل إفطار. أشتاق لسمير وخالد وحسني.. القضية الفلسطينية أكلت أبنائي».