خصصت مجلة «الآداب» اللبنانية عددها الصادر في تموز / آب 1992 لإحياء الذكرى العشرين لاستشهاد أديب فلسطين غسّان كنفاني، وابنة شقيقته لميس نجم (17 عاماً في وقت اغتيالها). ومن ضمن مواد العدد، نشرت المجلة استعادة لنصٍ كانت قد كتبته آني كنفاني في الذكرى الأولى لاغتيال زوجها، تروي فيه اللحظات الأخيرة، كما السيرة الفردية لكل منهما، ولقاءهما في سياق القضية الفلسطينية.
نعيد هنا نشر مقتطفات من النص.
«صباح الاغتيال، جلسنا جميعنا أطول من العادة، نشرب قهوتنا التركية على الشرفة. وكان لدى غسان ـ كما هو دأبه ـ الكثير من الأمور للتحدث عنها، وكنّا ـ كما هو دأبنا دوماً ـ حاضرين للاستماع. وكان يخبرنا ذلك الصباح عن رفاقه في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، ثم بدأ يتحدث هو وأخته فايزة عن طفولتهما في فلسطين.
قبل أن يغادر متوجهاً إلى مكتبه، أصلح القطار الكهربائي لابننا فايز ولابنة أخت غسان وأخيها. كان الثلاثة يلعبون داخل المنزل ذلك الصباح. وكان على لميس، ابنة أخت غسان، أن ترافق خالها إلى وسط البلد للمرة الأولى منذ وصولها من الكويت بصحبة أمها وإخوتها لأسبوع خلا؛ فقد كانت تعدّ العدّة لزيارة أقربائها في بيروت. لكنها لم تفلح في الوصول إلى هناك أبداً. فما هي إلا دقيقتان على تقبيل غسان ولميس إيانا قبلة «إلى اللقاء» حتى دوّى انفجارٌ مريع.
تطايرت نوافذ البيت جميعها. انحدرت بسرعة لأجد أشلاء سيارتنا الصغيرة تحترق. وجدنا «لميس» على بعد بضعة أمتار، ولم نجد غسان. ناديته باسمه، ثم اكتشفت ساقه اليسرى. وقفت مشلولة، فيما راح فايز يضرب برأسه الحائط، ورددت ابنتنا ليلى النداء تلو النداء: «بابا، بابا...».
وعلى الرغم من ذلك، فقد ساورني أمل ضئيل بأنه قد أصيب إصابة خطيرة ليس إلاّ. لكنهم عثروا عليه في الوادي، قريباً من منزلنا، ونقلوه بعيداً عنّا، وفقدت الأمل في أن أراه مرة أخرى. وقعد أسامة قرب جسد أخته الميتة، وقال لها: «لا تجزعي، يا لميس، ستكونين بخير، وستعلمينني الانكليزية من جديد...».
في المساء، قالت لي صغيرتنا ليلى: «ماما، سألت البابا أن يأخذني معه في السيارة لنشتري شوكولاته، لكنه كان مشغولاً، فأعطاني لوحاً كان يحتفظ به في جيبه. ثم قبلني وطلب مني الرجوع إلى المنزل. جلست على درج بيتنا لأكل الشوكولاته، وحصل دوي كبير. لكن، يا ماما، لم تكن تلك غلطة البابا، إن الإسرائيليين هم الذين وضعوا القنبلة في سيارته».
[ [ [
أنا أرملة غسان كنفاني ـ واحد من شهداء الثورة الفلسطينية العظام.
(...) في أيلول 1961، ذهبت إلى سوريا ولبنان لكي أدرس المشكلة الفلسطينية عن كثب. وفي بيروت، عرّفوني إلى غسان كنفاني، وكان آنذاك واحداً من محرري المجلة الأسبوعية العربية «الحرية». وكانت المجلة ناطقة باسم «حركة القوميين العرب». وكان غسان محرراً للشؤون الفلسطينية فيها.
حين سألت «غسان» أن يأذن لي بزيارة بعض مخيمات اللاجئين. تملّكه الصمت. وبعد هنيهة، صرخ غاضباً: «أوَتحسبين أن شعبنا الفلسطيني حيوانات في جنينة حيوانات؟!». ثم شرع بالتفسير، فتحدث عن شعبه وعن وطنه. (...).
[ [ [
قبل حرب حزيران 1967 بأسبوع واحد، توفيت أم غسان فجأة في دمشق بعد إصابتها بذبحة قلبية. لكنه لم يذرف دمعة واحدة طوال مأتمها، على صدق حبّه العميق لها، بل انه حاول أن يبث العزيمة في أبيه وفي أفراد العائلة الآخرين. غير أننا أثناء رجوعنا إلى بيروت، انهار غسان، ولأول مرة في حياتي، شاهدت دموعاً في عينيه. (...).
[ [ [
لقد بدأت نشاطات غسان الأدبية في الحقيقة بكتاب صغير أهداه إلى لميس. كانت لميس طيلة حياته عروس شعره؛ ولقد قُتلا، ذلك السبت، بعد سبعة عشر عاماً، بالقنبلة ذاتها. وحين حاولتُ، بعد المأتم، أن أواسي «حسين» قال: «لقد أحبّت غسان على الدوام، وكان موتها معه هديتها إليه».
كان غسان يرسل بكتاب إلى لميس كل عام تقريباً، ولا يكتبه إلا لها. وكانت كتبه هذه مكتوبة باليد، ومقرونة برسوم توضيحية من رسوماته هو».