| 

لم تكن رام الله وسط الضفة الغربية، بمنأى عن انعكاسات الحملة العسكرية التي بدأتها قوات الاحتلال الإسرائيلي اثر اختفاء ثلاثة مستوطنين خلال الثاني عشر من الشهر الماضي، بالقرب من كتلة استيطانية مقامة ما بين بيت لحم والخليل جنوبي الضفة. إذ تحولت رام الله إلى مسرح لاقتحامات يومية، استهدفت عدداً كبيراً من منازلها ومؤسساتها، أسوة بما حصل في مدينة البيرة المجاورة.
وهيمنت أجواء الحملة العسكرية وأخبارها على المشهد في رام الله والبيرة، وباتت حديث الناس، خاصة في المقاهي التي يكثر زوارها في الليل تحديداً. لكن، مع تواصل الحملة، فضّل كثير من الناس الانفضاض عنها مبكراً والبقاء في منازلهم تجنباً لمفاجآت غير سارة.

امتحانات.. والتقشّف احتياطاً

خلقت الحملة أجواء متوترة إذاً، خاصةً في صفوف الأهالي الذين لديهم أبناء يقدمون امتحان الثانوية العامة («التوجيهية»)، التي تصادفت الحملة مع موعد تقديمها. وشرح الصحافي المعني بالشؤون التربوية هاني بياتنة أنه «على الرغم من أن عدد الاقتحامات لرام الله لا يقاس بمحافظة الخليل، إلا أن طلبة الثانوية العامة وأهاليهم عايشوا ظروفاً نفسية عصيبة في كل ليلة، لا سيما في بدايات الحملة خشية من أن تؤدي الممارسات الإسرائيلية إلى التأثير سلباً على قدرة أبنائهم، أو إمكانية أن تقدم قوات الاحتلال على اعتقال أبنائهم الطلبة كما فعلت في أكثر من محافظة».
وتابع: «الحملة أضافت أعباء معنوية ونفسية ثقيلة على الناس، وآثارها انعكست على جوانب مختلفة من ضمنها الجانب الاقتصادي، حيث برز ركود في حركة البيع والشراء».
وأكد هذه المسألة، الرئيس التنفيذي لشركة «أوفتك فلسطين» جميل ضاهر، الذي أشار إلى أن البلد في إشارة إلى رام الله تأثرت كثيراً بفعل الحملة العسكرية: «أعمالنا كانت جيدة منذ بداية العام، لكن مع بدء الحملة العسكرية خفت وتيرة الأعمال كثيراً، ويبدو أن الناس آثرت أن تختصر نفقاتها انتظاراً لما ستستفر عنه الأيام المقبلة».
ويشرح يسري عليوي، وهو صاحب مقهى وسط رام الله أنه «كان للحملة انعكاسات سلبية على حجم الأعمال لدينا، وفي بدايتها تراجع حجم العمل بنسبة 50%». وأضاف لـ«السفير»: «صحيح أننا لم نكن نقفل أبوابنا مبكراً، وتظل أبواب المقهى مفتوحة حتى منتصف الليل، وأحيانا الواحدة فجراً، لكن عدداً محدوداً من الطاولات كان يضم زبائن، وكنا نسمع أصوات الهاتف ترنّ من أفراد عائلاتهم في معظم الأحيان يطلبونهم بالعودة سريعاً وعدم التأخر في الخارج».
يذكر أن عدد الاقتحامات لرام الله خلال الأيام الثلاثة الأولى فقط من الحملة (بدأت يوم 14 حزيران الماضي) بلغ 104 عمليات اقتحام، سجلت خلالها 16 حالة اعتقال، حسبما أكّد مدير مركز «أحرار لحقوق الإنسان» فؤاد الخفش. وكان من أبرز هذه الاقتحامات، ذلك الذي تعرضت له جامعة «بير زيت» الواقعة في شمال رام الله، في فجر الخميس 19 حزيران، حيث اعتقلت قوات الاحتلال طالبين من داخل حرمها كانا معتصمين ضد استمرار الاعتقال السياسي في الضفة.

اقتحام «بيرزيت»

ألقت عملية اقتحام حرم الجامعة بالذات ظلالاً كئيبة عليها، ما عبر عنه رئيسها د. خليل الهندي بالقول: «إننا نشعر بعظيم الإهانة التي مثلها هذا العمل الصلف الأخرق».
ولم تقتصر عملية الاقتحام على الجامعة، بل امتدت لتشمل عددا من المدارس، مثل مدرسة «محمد بن راشد آل مكتوم» في البيرة، التي قامت قوة احتلالية بتفجير بوابتها، قبل أن تقوم بتفيشها (بتاريخ 22-6).
كما قامت القوة الاحتلالية ذاتها باقتحام «المدرسة الخيرية الإسلامية» في البيرة أيضاً، علاوة على هيئات أخرى مثل جمعية «الخنساء النسائية». كما جرت مداهمات لجمعيات خيرية أخرى في الضفّة، وتم تحويل أسطح بعض المدارس إلى ثكنات عسكرية، إضافةً إلى اقتحام «الجامعة العربية الأميركية» في جنين، و«جامعة القدس» التي يقع حرمها في بلدة «أبو ديس» وسط الضفة.
أدّت عمليات الاقتحام هذه إلى خلق حالة من التوتر في رام الله، خاصة أن معظمها اقترن بوقوع مواجهات بين شبان غاضبين وجنود الاحتلال. وسجّلت إحدى هذه المواجهات بتاريخ 22 حزيران، عندما قامت قوة احتلالية باقتحام وسط رام الله فتصدى لها عدد من الشبان بالحجارة. وكان من اللافت عقب انسحاب القوة الاحتلالية التي قتلت شاباً يبلغ من العمر 30 عاماً (وهو محسوب على «حركة الجهاد الإسلامي»)، توجّه عدد من الشبان إلى مركز شرطة «فلسطيني» الذي يقع بالقرب من المكان الذي استشهد فيه الشاب، ورشقوا المركز بالحجارة.
برّرت بعض الأوساط حركة الشبان هذه (اعتقل عدد منهم لاحقاً) بأنه جاء تعبيراً عن الغضب من موقف السلطة الفلسطينية الذي رفعه رئيسها محمود عباس «أبو مازن»، بالتزام السلطة بمواصلة التنسيق الأمني مع الجانب الإسرائيلي، إلى جانب إشارته إلى رفضه اندلاع انتفاضة جديدة.

«ليست وليدة الساعة»

كان منسق أعمال «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» سميح محسن شاهداً على حادثة قام في إطارها عدد كبير من أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالانتشار في الشوارع، وتحديداً في محيط المكان الذي يقع فيه المركز على أطراف رام الله، ومنعه من الوصول إليه، بينما تم تقييد حركة أعداد أخرى من المواطنين.
وقال محسن لـ«السفير»: «كانت الساعة قرابة الرابعة مساء، وأنا في طريق عودتي إلى المركز لإنجاز بعض الأعمال المتأخرة، فأبلغت أحد أفراد الأمن بأنني أريد الدخول إلى باحة المركز التي لا تبعد سوى عشرات الأمتار عن مكان توقيفي. فما كان من رجل الأمن إلا أن طلب مني اختيار طريق آخر، فأخبرته أنه ليس هناك طريق آخر أقصده». ويكمل: «بعد أخذ ورد، انضم ضابط للحديث، فأخبرني بأنه ليست هناك أية إمكانية لوصولي إلى المركز من دون أن يورد أسباب ذلك، لكني علمت لاحقاً أنها تتلخص في أن مجموعة من الشبان كانت في طريقها إلى مستوطنة «بيت ايل» المقامة شرقي رام الله، وبالتالي فإن أفراد الأمن انتشروا لمنع وصولهم إلى هناك بناء على أوامر عليا».
وأشار إلى مزاجٍ له صدى في الضفّة يجد أن الحملة الأمنية «ليست وليدة الساعة، وأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي قد وضعت خطة مسبقاً من أجل استباحة الضفة، وما تقوم به يندرج في إطار سياسة العقاب الجماعي التي تتبعها بحق الشعب الفلسطيني، ما يشكل مخالفة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة التي تحرم مثل هذه الأفعال».
وتابع شارحاً: أن هذه الحملة «تميّزت بوحشيتها، وهو ما لمسناه عبر متابعتنا لأعمال اقتحام منازل المواطنين، ووثقنا العديد من الحالات التي تم فيها سرقة مبالغ مالية أو مصاغ ذهبية، أو مصادرتها بادعاء أنها أموال من «حماس» وتستخدم لدعم ما تسميه بالإرهاب».
ولفت إلى قيام قوات الاحتلال بهدم عدد من المنازل من دون الحصول على قرار من المحاكم الإسرائيلية، «على الرغم من عدم الثقة بهذه المحاكم»، مبيناً أن «أصحاب المنازل أكدوا أن ما حدث جسّد وجود قرار سياسي بهدم المنازل، وعدم اعتماد الوسائل القانونية المعتمدة في مثل هذه الحالات».

«نفور من السلطة»

في ما يتعلق بمواقف القيادة الفلسطينية في رام الله، أكّد محسن أن هناك حالة من الاستياء الشعبي من طريقة تعامل القيادة مع مجريات الأحداث، مضيفاً أن «هذا الاستياء لا يتوقف على القيادة والسلطة ومنظمة التحرير فحسب، بل ومجموع الفصائل السياسية».
وشرح المحلل السياسي جهاد حرب أن «ما يجري هو بمثابة استغلال للحادثة التي وقعت لتدمير البنى المؤسسية للشعب الفلسطيني، عدا أنه محاولة لإنهاء أي وفاق بين أبنائه عبر تحميل «حماس» مسؤولية خطف المستوطنين». ورأى أن تصريحات القيادة وموقفها كان «مبالغاً به»، مضيفاً: «هناك غياب لتفهم المشاعر الوطنية للشعب الفلسطيني. إن خطاب القيادة موجه للمجتمع الدولي والحكومة والمجتمع الإسرائيلي أكثر مما هو موجّه للمجتمع الفلسطيني، ما أغضب شرائح واسعة من الشعب.. خاصةً أنه جاء في ظل إحباط من عملية السلام، والممارسات الإسرائيلية بحق الأسرى، وغياب أفق لأي حل».
وحول توقعاته للمستقبل، قال حرب: «بتقديري، ستستمر الحملة لكن بوتيرة أقل من السابق، خاصة أن بنك الأهداف قد استنفد في ظل عدم قدرة قوات الاحتلال على العثور على الخاطفين والمخطوفين. وبالتالي، ربما تتركز الحملة على الخليل، والأماكن المتوقع اختباء الخاطفين فيها، لكن من دون أن يمنع ذلك إمكانية التصعيد في أية لحظة». وأضاف: «هناك خطط جاهزة لدى الحكومة الإسرائيلية لضرب المجتمع الفلسطيني، وبالتالي فإن ما حدث ليس عبارة عن خطة وضعت اليوم، بل هي خطة مسبقة».
في المقابل، وعلى الرغم من الأجواء المشحونة التي سيطرت على رام الله إثر بدء الحملة العسكرية الإسرائيلية، فإن مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديداً «فايسبوك»، شهدت صورة مغايرة بالكامل، تمثلت فيها أجواء الفرح باختفاء آثار المستوطنين الثلاثة الذين أعلنتهم اسرائيل مخطوفين.
وظهرت تعليقات من قبيل: جلعاد شاليط (المجند الإسرائيلي الذي خطفته «حماس» في العام 2006 قبل أن يتم الإفراج عنه ضمن صفقة لتبادل الأسرى أبرمت في العام 2011) اتصل بوالديه لطمأنتهم إلى أنه ليس من ضمن المخطوفين، وتحوير نتيجة مباراة الجزائر وبلجيكا التي انتهت بنتيجة 2-1 لمصلحة الأخيرة، لتصبح (الجزائر 1)، (بلجيكا 2)، (الخليل 3).