| 

اعتداء المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين ليس مسألة حديثة، وإنما الغضب تجاهها وليد تراكمٍ منهجيّ وعتيق. فيقارع المسنّ وليد عوض (62 عاماً - من قرية بورين، جنوب نابلس) مثلاً، هجمات «مجموعات جباية الثمن» منذ سبع سنوات، وقد بلغ عددها 45 اعتداء كان أعنفها قبل حوالي عام.
ويحفظ عوض تاريخ الاعتداء الأبشع الذي تعرّض له وعائلته، وقد كان عند الساعة السابعة من مساء آخر خميس من شهر أيار، عندما قام مستوطنون - بحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي - بمهاجمتهم أثناء تجوّلهم في أرضهم، وأبرحوهم ضرباً، وأطلقوا عليهم القنابل المسيلة للدموع.
عوض، ما هو إلا حالة من العشرات التي تتعرض لهجمات مجموعات «جباية الثمن» التي ظهرت على السطح بقوة قبل عام. فلماذا ظهرت؟ وما هي الإيديولوجيا التي يعتنقونها؟ وهل سنشهد تطوّراً «دموياً» لها في المستقبل ضد الفلسطينيين؟
«تدفيع الثمن» هو تسمية تطلق على مجموعات نشأت داخل صفوف المستوطنين في الضفة الغربية قبل حوالي سبع سنوات، وبخاصة في مستوطنتي «يتسهار» و«كريات أربع» للرد على «هجمات» الفلسطينيين الرامية الى استعادة ممتلكاتهم من المستوطنين أو الدفاع عنها وعن أنفسهم، كما للرد على قرارات المحاكم الاسرائيلية التي تفرض على مستوطنين «أحياناً» إخلاء بؤر استطانية عشوائية أقاموها على أراضٍ تعود ملكيتها لفلسطينيين.
وتستخدم المجموعات وسائل العنف والإرهاب ضد الفلسطينيين من أجل تحقيق أهدافها المتمثلة بتعزيز الاستيطان ومصادرة أراضي المواطنين تمهيداً لاقامة بؤر استيطانية عليها.
ولتحقيق تلك الأهداف، تقوم «جباية الثمن» بالاعتداء على الفلسطينيين بطريقة منظمة، من خلال حرق و/أو خطّ شعارات عنصرية على سيارات المواطنين ومنازلهم، كما شعارات مسيئة للأديان على المساجد والكنائس. وتقوم المجموعات بسرقة قطعان الماشية والحمير والبغال، وتقطيع الأشجار المثمرة وسرقة منتوجاتها وإحراق الحقول، لحرمان الفلسطينيين من مصادر رزقهم. بالإضافة إلى ذلك، يقوم أفراد المجموعات بخطف مواطنين والتنكيل بهم أمام ذويهم لنشر الذعر بين سواهم، كما ينفذون عمليات تكسير قبور، ويلقون الحجارة على المارة بمركباتهم.

ضرب المقاومة أحيا «الجباية»

يقول الخبير في الشؤون الإسرائيلية أنس أبو عرقوب، إن نشأة المجموعات في هذا الوقت بالتحديد، يأتي بالتزامن مع ضرب جيش الاحتلال الاسرائيلي للبنى التنظيمية العسكرية لفصائل المقاومة في أرجاء الضفّة الغربية، «إذ لم يكن المستوطنون قبلها يجرؤون على التجوّل في الجبال أو الشوارع الالتفافية».
وإذ لا توجد بيانات دقيقة بشان أعداد الناشطين في «جباية الثمن»، غير أن جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» يقول إن عدد الذين ينفذون الهجمات يقدر بالعشرات، فيما قالت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية إن هناك مئة ناشط متورط في أعمال «جباية الثمن».
وطبقاً للصحيفة، فقد ارتفعت جرائم المجموعات بنسبة 200 في المئة ضد الفلسطينيين في الضفّة الغربية خلال الفترة الأخيرة، فيما بلغ عدد الاعتداءات التي نفذتها 450 منذ بداية العام 2013.
ويفسّر الخبير في الشؤون الإسرائيلية عدم وجود بيانات ومعلومات دقيقة عن المجموعات، بمحاولة الإعلام الإسرائيلي تصوير «جباية الثمن» على أنها مجموعات صغيرة ومنعزلة وليست منظمة، غالبية الناشطين فيها من صغار السن، «غير أن الحقيقة بعيدة عن ذلك.. فهم تنظيم يضم عناصر مؤهلة عسكرياً وأمنياً، وفيه من يقوم بدراسة الأهداف قبل شنّ الهجمات وذلك لتحقيق أهداف سياسية، كالانتقام من أهالي القرى الفلسطينية الذين يتقدمون بشكاوى أمام المحاكم الإسرائيلية لاستعادة أراضٍ وممتلكات استولى المستوطنون عليها».
ويقول أبو عرقوب إن الانتشار الجغرافي لعناصر المجموعات واختيارها لنوعية الهجوم يؤكد أنها تعمل وفق ظروف وخطة معدة مسبقاً، «كما يكون الانسحاب بطريقة منظمة ومدروسة بحيث لا يتمكن الفلسطينيون من إلقاء القبض عليهم. وأحياناً، يتم التنكيل بالمواطنين بهدف إثارة الرعب لمنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم كمقدمة للاستيلاء عليها».

دعم رسمي؟

تتم تنشئة ناشطي «جباية الثمن» في مدارس يهودية دينية، وبشكل خاص في مدرستي «كريات أربع» التي أسّس طلبتها تنظيم «كهانة» في ثمانينيات القرن الماضي، و«يوسف حاي» في مستوطنة يتسهار القريبة من نابلس. وتحصل المدارس الدينية على تمويل حكومي. وبعد تخرج المستوطنين منها، تلتحق غالبيتهم بالخدمة الإلزامية العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي.
ولا تكتفي حكومة تل أبيب بدعم تلك المدارس، بل تقيم نشاطات تتخلّلها محاضرات دينية يلقيها عناصر سبق لهم أن شاركوا في هجمات استهدفت فلسطينيين في مطلع التسعينيات.
ويتم تخصيص هذه المحاضرات لزرع ما يصفونه بـ«الثقافة الأمنية» التي تتضمن أساليب الصمود في التحقيق، وجمع المعلومات، وتجنيد العناصر، والتحدث للإعلام، بالإضافة إلى مرشدين يقدمون دروساً حول طوبوغرافيا الضفّة الغربية.
وفي ما يتعلق بالإيديولوجيا التي يعتنقونها، يقول أبو عرقوب إنها «عقيدة أرض إسرائيل الكاملة التي لا تعترف بالضفة الغربية أرضاً محتلة. وترى حدود إسرائيل المبينة في التوراة، وهي تشمل المناطق الواقعة بين النيل والفرات، بحسب مزاعمهم». ويتابع: «يدرس المستوطنون في مدارسهم الدينية كتاب «توراة الملك» الذي يتضمن نصوصاً دينية مقتبسة من التوراة، تبيح قتل غير اليهود وسرقتهم». وأشار إلى أن «غالبيتهم تصوّت لحزب «البيت اليهودي» اليميني المتطرف الذي ينادي بضم الضفة الغربية إلى إسرائيل».

التصدّي كوسيلة دفاع

عند وقوع اعتداء تنفّذه واحدةٌ من مجموعات «تدفيع الثمن»، تبادر حكومة تل أبيب فوراً إلى التنديد، في سياق التوجّه للرأي العام العالمي، «ولكن، على أرض الواقع، لا يتم اتخاذ إجراءات حقيقية ضدهم، حيث تفرج عن مرتكبي الهجوم بعد يوم أو يومين، من دون تغطية إعلامية»، يشرح أبو عرقوب.
ويشير، إلى أن المحاكم الإسرائيلية لم تدن حتى الآن أي مستوطن، كما رفض الكنيست اعتبار الهجمات أو منفذيها بأنها «إرهاب».
ويؤكد أن استمرار حكومة تل أبيب في اتباع هذه السياسة سيؤدي إلى مضاعفة «جباية الثمن» لهجماتها. ولم يستبعد الخبير في الشؤون الإسرائيلية، أن تنفّذ هذه المجموعات هجمات دموية لإفشال أي تسوية مع الفلسطينيين، مثلما حدث في مطلع التسعينيات عندما نفذ باروخ عولدشتاين مجزرة الحرم الإبراهيمي لإحباط تسوية قد تفضي إلى الانسحاب من مدينة الخليل.
وأثمرت تلك العملية عن تقسيم الحرم الإبراهيمي زمانياً ومكانياً، كما أصبح قبر غولدشتاين مزاراً، وأصبحوا يعتبرونه صديقاً للأمة.
غير أن التصدي لتلك المجموعات أثبت نجاحاً في التخفيف من وتيرة الهجمات. بورين، مثلاً، هي إحدى القرى التي نجح سكانها باحتجاز 18 مستوطناً ناشطاً في «جباية الثمن»، وضربهم. وحدث ذلك حين حاولت المجموعة في السابع من شهر كانون الثاني 2014، الاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم في وضح النهار.
ويشرح الخبير في الشؤون الإسرائيلية ان «ما قام به أهالي القرية جعل «جباية الثمن» محل سخرية أمام المجتمع الإسرائيلي، وأثارت مخاوف مجموعات أخرى، ودفعت بها إلى التردد في تنفيذ الهجمات حتى لا يلاقوا المصير ذاته».

داخل الخط الأخضر

بعد حادثة بورين، لوحظ أن موجة الهجمات الجماعية التي تشارك فيها المجموعات انخفضت بشكل ملحوظ. وعادت بشكل أكثر تنظيماً، وباتت تستهدف مواقع نائية بعيدة عن عمق القرى.
وأكد على ذلك رئيس «مجلس قروي بورين» جمال الزين، إذ قال لـ «السفير» إن المستوطنين «في حال أرادوا شن اعتداء هذه الأيام على أهالي القرية، يأتون في حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي»، في إشارة إلى تغيّر في سياسة اعتداءاتهم المنظمة.
ويكمل أبو عرقوب: «إن من أثر ضرب المستوطنين في بورين، نقل هجمات «جباية الثمن» من الضفة الغربية إلى داخل الخط الأخضر بهدف الانتقام. فمثلاً، في مدينة صفد، وقرية أم القطف، داخل الخط الأخضر، قامت المجموعات بإحراق عدد من المركبات، وخطّت شعارات عنصرية على جدران مسجد ومبان». وفي اعتداء آخر، خط مستوطنون من «تدفيع الثمن»، شعارات عنصرية على جدران مسجد الرحمة في قرية الفريديس داخل الخطر الاخضر.
اكتفت الشرطة الإسرائيلية بالتعقيب على حوادث الاعتداء التي تنفّذها مجموعات «جباية الثمن» داخل الخط الأخصر بالقول: «الشعارات ذات مغزى نازي»، من دون أن تتخذ أي إجراءات عقابية رادعة بحقهم.
وفي هذا السياق، أورد مركز «مدار للدراسات الإسرائيلية» معلومات تفيد بأن اعتداءات «جباية الثمن» على الممتلكات والمقدسات الإسلامية والمسيحية داخل الخط الأخضر تصاعدت في الفترة الأخيرة. ولفت تقرير صادر عن المركز الى انه «خلال شهر نيسان 2014، نفذ مستوطنون حوالي عشرة اعتداءات جبايـة الثمن»، مشيراً إلى أن أجهزة الأمن الإسرائيلية، الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك)، لم تقدّم أي دليل يمكن أن يشكل لائحة اتهام ضد هؤلاء المتطرفين منذ بداية هذه الاعتداءات قبل أكثر من ستة أعوام. واعتبر التقرير أن «اعتداءات «جبايـة الثمن» هي امتداد للاعتداءات التي ينفذها المستوطنون ضد المواطنين الفلسطينيين وأملاكهم ومقدساتهم في الضفة الغربية».
وامتنع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن التنديد بهذه الاعتداءات العنصرية، لكنه قال خلال لقائه أعضاء عرب في «حزب الليكود» الذي يتزعمه، إن اعتداءات «جبايـة الثمن» هي «أمر مثير للغضب». وأضاف: «اننا نعمل من أجل القبض على المسؤولين عنها، ولقد أمرت بزيادة القدرات لمصلحة هذا الموضوع ونحن نستخدم وسائل الشاباك، وهذه غاية مركزية لأنها (الاعتداءات) تتعارض مع جوهرنا كله ومع قيمنا».