| 

بتاريخ 12 حزيران الماضي، بدأت مباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم في البرازيل. وعلى الرغم من حدّة الانتقادات التي رافقت المونديال منذ الإعلان عن نية إقامته في البرازيل، واضعةً ميزانيته في مقابل أوضاع البرازيليين الصعبة، امتلك المونديال حماسته السنوية، وفاز بمتابعة مليارات البشر، كما لو أن سوءاً لم يصب أحداً.
إلا أنه كان هناك مَن استطاع أن يمنع الآلاف في الوطن العربي على أقل تقدير، من متابعة المونديال، عبر احتكار قناة عربية لعرض مباريات كأس العالم، وإجبار الراغبين بمتابعة المباريات بشراء اشتراك سنوي. يمكن الجزم بأن الكثيرين منا غير قادرين على تحمّل هذه الكلفة. في المقابل، كانت مباريات المونديال متاحة أمام جميع «مواطني إسرائيل»، مجاناً، على القنوات التابعة لسلطة البث (القناة الأولى والثانية وقناة 33 الإسرائيليات). وهكذا، بقيت الإمكانية الوحيدة المتاحة أمام مَن لم يقدر أو لم يرغب بشراء الاشتراك السنوي، تملي التوجّه إلى المقاهي العامة، ومشاهدة المباريات بشكل جماعي، على القنوات الإسرائيلية.

الخطف

لجهة المصائب التي رافقته، تميّز هذا المونديال أيضاً بتزامنه مع إثارة القلق لدى الرأي العام الدولي نتيجة تزامن بدايته مع خطف ثلاثة مستوطنين في منطقة الخليل، ما أدّى إلى قلب الضفة الغربية رأساً على عقب بحثاً عنهم وقصف غزة. ومع ذلك، لم يجعل ذلك أيّ رمشٍ يرفّ عند موعد أيّ من مباريات كأس العالم. لكن التداخل بين الحدثين تمّ في الأحاديث، فتوقّف البعض هنا مثلاً أمام «صدفة» تسجيل البرازيل لأهداف ثلاثة مقابل اختطاف الجهة المجهولة لمستوطنين ثلاثة!
وقد بدا موضوع الخطف مطرح نقاش طويلٍ بين المعلّقين الرياضيين على القنوات الإسرائيلية، في استراحات ما بين الشوطين. فدارت أحاديث في معرض تحليل سبب «عدم اهتمام الرأي الدولي العام كفايةً» باختطاف 3 مستوطنين (على الأقل قبل الإعلان عن إيجاد جثثهم)، والتعليق على ردود الفعل المحلية والعربية والعالمية.
تمّ عرض المباريات بشكل متتالٍ على القناتين الأولى والثانية، فتعرض إحداها المباريات في حين تغطي الأخرى الأحداث. وفي استراحات ما بين الشوطين على القناة التي تعرض المباراة، كان يتمّ في بعض الأحيان عرض تطوّرٍ طارئ يستوجب إعلانه.
في واحد من هذه النقاشات التي كانت تجري في الاستراحات، تحدّث المعلّقون بكلّ فخر (واستغراب كذلك) عن «آلاف الموطنين في الدول العربية المجاورة ـ لبنان، سوريا، الأردن، ومناطق السلطة الفلسطينية ـ قاموا بتوجيه أجهزة إرسال التلفزيون في بيوتهم ليلتقط بث القنوات الإسرائيلية: «آلاف المواطنين العرب يتابعون الإعلام الإسرائيلي بسبب مباريات كأس العالم»، على حد قولهم.
كان يمكن لهذا الحديث أن يصبّ في باب المزايدات لولا أن صديقاً أردنياً اعترف بشيء يشبه الذنب بأنه فعلاً قام بذلك، شارحاً أن معلقي الرياضة الإسرائيليين «ميّتين» خلال التعليق، ولا يملكون الروح الحماسية، في حين نشر أحدهم على مواقع التواصل تساؤلاً حول مقهى في رام الله يعرض المباريات عبر القنوات الإسرائيلية. كما أن ثالثاً تحدّث عن مشاهدة المباراة عبر القنوات الإسرائيلية، وسماع التعليق باللغة العربية عبــــر أجهزة الراديو.

الجزائر وإيران!

لا يخفى على أحد حجم الإثارة المضاعفة الكامنة في مشاهدة مباراة منتخبي الجزائر وإيران مرفقة بتعليق إسرائيلي على مجرياتها. في مباريات المنتخب الإيراني، الذي تعتبره إسرائيل عدوّاً، كان جلياً وواضحاً أن المعلقين الإسرائيليين ما كانوا ليمتدحوا أي لاعبٍ في المنتخب الايراني أو يشيدوا بأدائه، ولو طار فوق الملعب. وكلما استطاعوا، كانوا يبالغون في الاستخفاف بهم. في المقابل، أتت التعليقات على أداء المنتخب الجزائري العربي، الذي لا يمكن إلا أن نقف إعجاباً واحتراماً له، شديدة التوقّف، في كل حين، على أن معظم أبطال الجزائر يلعبون كرة القدم في أندية أوروبية، أي أن العرب براء من جودة تدريبهم التي يعود الفضل فيها لأوروبا.
التحوّل الجدّي في مجريات التعليق حدث في يوم الإعلان عن إيجاد جثث المستوطنين الثلاثة. وكان ذلك في اليوم ذاته الذي شهد مباراة الجزائر مقابل ألمانيا في دور الـ 16. يومها، قاموا بإلغاء بثّ المباريات عبر القنوات الرسمية التابعة لسلطة البث، وحوّلوه إلى القنوات الرياضية الخاصة، كعقاب جماعيّ يجبرنا على اختيار الأولويات وسماع الأخبار. فتعرّضنا لحملة إعادة وتكرار للأخبار الواردة من الجيش، لما يحدث في بيوت أهالي المختطفين القتلى، لانعقاد جلسة «الكابنيت» الطارئة (المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية) وما نتج عنها، لتحليل الوضع العام والتصريحات الرسمية والرئاسية الإسرائيلية، ...
على أيّ حال، لم يمنع ذلك أيّاً منا من متابعة مباراة الجزائر، والفرح بالأداء المشرّف الذي قدمه المنتخب، والقلق في آن على مصير غزّة والضفّة، بعد تطور الأحداث.
وبطبيعة الحال، ومنذ بداية البحث عن المختطفين وحتى إيجاد جثثهم، فقد وجهت الجهات الرسمية الإسرائيلية أصابع الاتهام نحو «حماس»، ومن دون داع لمقدّمات قصفت غزة، ناهيك عن تمشيط الضفة شبراً شبراً. وقد تكرّر هذا كله مع إيجاد الجثث، أضيف إليه هدم بيوت أهالي المتهمين بالخطف والقتل.

الأكاديميا، المونديال والخطف

أحد الطلاب العرب في كلية الطب التابعة لمعهد «التخنيون» نشر ليلة الإعلان عن خطف المستوطنين «ستاتساً» على «فايسبوك» في الليلة ذاتها التي شهدت انطلاق مباريات المونديال، يقول فيه: «فلسطين أحرزت 3 أهداف رغم إنها لم تشترك في المونديال». أحد «زملائه» اليهود الإسرائيليين قام بتصوير «الستاتس» وترجمته، وانتظر 18 يوماً حتى الإعلان عن إيجاد جثث المستوطنين لينشر الصور مع اسم الطالب العربي والتحريض ضده بالقول إنه فرح لقتل المستوطنين.
لم يتأخر ردّ الفعل كثيراً، فما لبث أن التقط الإعلام الإسرائيلي، متمثلاً بموقع جريدة «يديعوت احرونوت»، الخبر ليصبح أشدّ المحرضين ضد الطالب. وبدأت تصل هذا الطالب تهديدات بالقتل موجّهة له ولأفراد عائلته، كما تمّ تسجيل تهديد صوتي يتوعده بالإصابة بالشلل التام، وملاحقته في «التخنيون»، بالإضافة إلى نشر اسمه وصوره ورقم هاتفه وعنوانه.
لم يتأخر «زملاؤه» هؤلاء بالتوجه إلى إدارة «التخنيون» بطلب فصله من الدراسة وطرده. فكان ردّ رئيس جامعة «التخنيون»: ستتم دراسة الموضوع بعمق، واتخاذ الخطوات اللازمة بحق الطالب إذا وجد مذنباً. وتم التوعّد بتقديمه للجنة طاعة جامعية. كما قام الطلاب اليهود بإطلاق عريضة إلكترونية تطالب بطرده من كلية الطب، بينما أطلق الطلاب العرب عريضة إلكترونية تعترض على تقديمه للجنة طاعة ومحاسبته (جمعت 4 آلاف توقيع خلال 9 ساعات)، وحملة واسعة لدعمه عبر مواقع التواصل الاجتماعي. توقفت الحملة جزئياً بناء على طلب محامي الطالب، علماً أن الطالب وكّل محامياً للترافع عنه أمام إدارة «التخنيون» وأمام لجنة الطاعة، لمنع أي احتكاك مباشر مع الإدارة، ما يصب في مصلحة الطالب في النهاية.
وبالمقابل، حدث خلال حفل تخريج دفعة الطب لهذه السنة من كلية الطب «هداسا عين كارم»، التابعة للجامعة العبرية في القدس، أن اعتلى أحد طلاب الدفعة (إسرائيلي يهودي) منصة الحديث خلال حفل التخرّج، ليلقي كلمته باسم طلاب الدفعة، فقال معلقاً على قسم أبقراط الطبي: «عقلي وقلبي يرفضان أن نعالج الإنسان كونه إنسانًا، فهناك اعتبارات أخرى!». ومع ذلك، لم تقم القيامة فوق رأسه، لم يوقفه أحد، لم يهدّدوه بالقتل، ولم يدمروا مستقبله (مع أن ما يقارب ثلاثين في المئة من الحضور كانوا من العرب). المضحك أن هذا الشاب «أقسم» بعد قوله هذا، قسم أبقراط، وأخذ شهادته، وأصبح طبيباً!

الانتقام

في ظل انشغالنا بمتابعة أحداث المونديال، وتطورات إيجاد الجثث، والقصف في غزّة، والوضع في الضفّة، والتضامن مع الطالب العربي، يصلنا صاعقاً خبر خطف المستوطنين للفتى محمد أبو خضير (15 عاماً) من مخيم شعفاط في القدس، تعذيبه وقتله وحرق جثته. وصلنا الخبر بينما يرنّ في آذاننا صدى تصريحات محمود عباس عن أنهم «بشر مثلنا».
اشتعلت شعفاط، ثم اشتعلت القدس كلها، وامتدت المواجهات من المخيم إلى جميع أنحاء القدس وضواحيها، خاصةً مع محاولات الخطف المتكررة التي استهدفت الأطفال. سلطات الاحتلال رفضت في البداية أن تقام جنازة الشهيد في مسقط رأسه في المخيم، كما ماطلت بتسليم جثته. القصف على غزّة ظلّ مستمراً، ومحاولة المستوطنين الانتقام امتدت لتصل إلى البلدات العربية داخل حدود 48 (الخط الأخضر)، فاشتعلت حينها القرى والمدن العربية في الداخل المحتل.
جنودٌ في الجيش الإسرائيلي التقطوا لأنفسهم صوراً وذيّلوها بعبارات «الموت للعرب»، «الشعب يطالب بالثأر» وغيرها. ولم يبقَ ذلك حكراً على الجنود طبعاً، فقد انتشرت صور لفتيات وشبان وحتى أطفال يحملون لافتات تطالب بالانتقام والقضاء على العرب والأخذ بالثأر.
إحدى الصور التي انتشرت كانت لفتاتين تحملان لافتة كتب عليها: «كراهية العرب ليست عنصرية، إنها قيم». وفي أسفل الصفحة، كتبت: «إسرائيل تطلب الانتقام». وانتشرت صورة لطفلتين تحملان ورقة كتب عليها: «الشعب يريد الانتقام»، في صياغةٍ تذكّر بالشعار الذي أطلقته الثورة التونسية وساد العالم العربي: الشعب يريد.. وفي صورة ثالثة، ظهر جنديّ يحمل سلاحاً كتب عليه: «اسمحوا لنا ببساطة أن نقوم برشّهم»، بينما قام جنديّ آخر بنشر صورة لقميصٍ كتب عليه بالدم: «انتقام»، قائلاً إن هذا الدم هو دم الشهيد يوسف أبو زاغة من جنين متفاخراً بجريمة قتله.
هذا بالطبع كان غيضاً من فيض ما نشر، وغيضاً من فيض ما حدث، بينما تتعالى في البعيد أصداء أصوات تطالب بتهدئة الأوضاع وعدم الانجرار خلف مشاعر الغضب، وأخذ بطولة كأس العالم مثالاً للروح الرياضية. لكن، من قال إن كرة القدم ليست سياسية؟! لم تكسب إيران مباراة واحدة فقط خلال تاريخها الكروي في مشاركتها المختلفة في مباريات كأس العالم، وكانت هذه المباراة مع منتخب الولايات المتحدة الأميركية؟ وألم نودّ لو تتأهل الجزائر أيضاً لتواجه فرنسا، وننشد أمام لاعبيها من النشيد الوطني الجزائري مقطعاً يقول: «يا فرنسا قد مضى وقت العتاب»؟!