| 

في تمام التّاسعة وخمس دقائق من صباح الثاني عشر من تمّوز العام 2006، نفّذ مقاتلو «حزب الله» الرابضون عند النقطة 103 على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلَّة مهمّتهم: هاجموا دوريّة إسرائيليّة مكوّنة من مركبتين عسكريتين وتمكّنوا، عبر توزيع للمهام على أربع مجموعات، من أسر الجنديين إيهود غولدفاسر وإلداد ريغيف وقد فارق كلاهما الحياة.
استغرقت العمليّة عشر دقائق فقط، أمّا الدقيقة الحادية عشرة المكمِّلة فجاءت بعد أكثر من عامين وفيها تجلّت ذروة الإنجاز: ظهر حسن نصر الله في «ملعب الرّاية» مستقبلاً الأسرى العائدين من السجون ومؤكدًا أنّ عالمنا، كما عرفناه، قد تغيّر، وأنّ زمن الهزائم قد ولّى، وجاء زمن الانتصارات.
كان «حزب الله» في تلك الأيّام «الإلهيّة» يقف على القمّة. الطريق إليها كان صعبًا، أمّا تحديد موضع الخطوة التي تعقب الوصول فكان أصعب. العالم الذي تغيّر بحقّ بعدما انتهت الحرب من دون أن تحقق إسرائيل أهدافها، لم يتخلّ بالمطلق عن مكره وميزته الأهم: قابليّته لأن يتغيّر من جديد.
بين تنفيذ العملية وتنفيذ التبادل، جرت حربٌ طاحنة ومفاوضات. فلسطين كانت حاضرة، منذ اللحظة الأولى. وفي واحدة من النوادر، حضرت بمزاجها، حبًّا وطواعية، لا تسلّقًا ومتاجرة. على قناة «المنار»، وأصوات إطلاق النّار ابتهاجًا بالعمليّة تعلو في الخلفيّة، وجّه أهل الضاحيّة سلامهم وتحيّتهم إلى المقاومة في غزّة وطالبوها بالصمود وعدم تسليم الجنديّ الصهيونيّ جلعاد شاليط إلا في صفقة تبادل مشرِّفة.
في اليوم التّالي، وعند الثامنة وخمس دقائق صباحًا، قصفت إسرائيل محطّة فرعيّة تابعة لقناة «المنار» في حارة حريك وأعمدة إرسال في مارون الرّاس. شمل الاستهداف أيضًا مدرّجات مطار بيروت الدولي. أرادت إسرائيل أن تخرس لبنان برمّته، أن تدفع به إلى الزّاوية، لكنّ ذلك كلّه لم ينجح. وصلت الرسالة إلى فلسطين عمومًا، وإلى غزّة على وجه الخصوص.

حسابات الخندق المشترك

دفع غياب الاتّصال الجغرافيّ المباشر بين فلسطينيي الأرض المحتلّة و«حزب الله» في اتجاهٍ منح النظرة الفلسطينيّة للحزب طابعًا رومانسيًا وخلاصيًا، أقلّه على الصعيد الشعبيّ. كما ساعدت على ذلك حسابات الخندق المشترك، في حين أدّى الإقليم دور المايسترو، مانحًا العلاقة بين الطرفين كلّ ما يلزمها حتى تظلّ حميميّة ومقيمة على أمتارٍ قليلة من اليوتوبيا.
لقد كان السواد الأعظم من الفلسطينيين آنذاك، حالهم حال كثيرٍ من فعاليّات الشعوب العربيّة، يستقوون بـ«حزب الله» ويصدّون بالممكن الذي برهنه في جبل عامل وطأة الاستحالة المستحكمة ما بين النهر والبحر. كان الحزب عاملاً ذهنيًا مساعدًا يجري إقحامه دوريًا في معادلة إنتاج تخيّل أكثر واقعيّة للنصر والتحرير، في ظلّ استرشادٍ عاطفيّ ومجتمعيّ بمشاهد الانسحاب الإسرائيليّ الكبير عام 2000 وما تلاه من عودة جماعية لأهل الجنوب.
أمّا فلسطينيّو غزّة الذين شكّلوا الحاضنة الشعبيّة للشقّ الأكثر صراحة من المقاومة الفلسطينيّة وفصائلها المسلّحة فدفعتهم طبيعة ظروفهم الاجتماعيّة والسياسيّة إلى تزويد نظرتهم إلى «حزب الله» ببعدٍ أكثر ميكانيكيّة. لقد قاربوا الحزب باعتباره الأخ الأكبر الذي يعرف أكثر من بقيّة أقرانه كيف يضع إسرائيل عند حدّها ويعلّمها الأدب، والذي يجب أن يتجاوز التفاعل معه حدود الإعجاب إلى فضاءات التعلُّم وتبادل الخبرات.
ولمّا توسّعت دائرة الهجوم الإسرائيليّ وصار واضحًا أن الوضع على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلّة يتّجه نحو الحرب المفتوحة، أتمّت غزّة وضع مشاغلها الذاتيّة على الرّف. كأنّ المدينة كانت تقف قبالة المرآة منكبّة على تأمّل ما في وجهها من ندبات وتجاعيد قبل أن تترك ذلك كلّه وتهرع لتتسمّر أمام نشرات الأخبار.
وعلى عجل، تنحّت من شوارع المدينة وأزقتها الأحاديث المعتادة عن فوز «حماس» في انتخابات سلطة أوسلو، وعن اشتباكاتها المتقطّعة مع قوّات السلطة ومنتسبي «حركة فتح»، مفسحةً المجال لأخبار الحرب الدائرة هناك، في أقصى الشمال. صارت غزّة تصحو وتنام على أنغام «هيهات يا محتل» التي ما ان كانت تنتهي على واحدة من الإذاعات المحليّة حتى تبدأ على أخرى، ولم يكن نادرًا، في حينه، أن ترى علم لبنان، أو علم الحزب، مرفوعًا على أسطح بعض المنازل والسيّارات.
وأينما مالت الحرب، مالت غزّة معها. تأمّل الغزيّون التوسّع التدريجي السريع لدائرة النّار المضادّة عبر استهداف «حزب الله» لمدن صفد وعكّا وحيفا المحتلّة التي سقطت فيها الصواريخ على محطّة القطارات الرئيسيّة. لم يقتصر الأمر على توازن الرّعب عبر المقذوفات، بل سرعان ما دخل البحر نفس البحر الذي ركبه الفدائيّون في خروجهم من بيروت - على خطّ المواجهة مع إعلان حسن نصر الله في خطابه الشّهير عن استهداف البارجة الحربيّة الاسرائيليّة من طراز «ساعر».
وعندما أذيع في اليوم السّابع للحرب تسجيلٌ مصوّر يظهر استهداف وسقوط جسم طائر فوق بيروت، حبس الجميع أنفاسهم المحبوسة أصلاً. كان الاعتقاد المبدئيّ أنّ مقاتلي الحزب تمكنّوا، أخيرًا، من إغلاق الدّائرة عبر إسقاط طائرة الـF-16 التي لطالما حلّقت وحدها خارج سرب ما هو قابل للتفجير لدى المقاومة اللبنانيّة والفلسطينيّة. لكنّ الجسم الطائر كان منطاد تجسّس، وظلّ سلاح الجوّ الإسرائيلي يحرث سماء الضاحيّة الجنوبيّة وأرضها مرتكبًا الفظائع التي برز من بينها مجزرة قانا الثّانية في اليوم الأخير من شهر تمّوز.
صمد «حزب الله» وظلّ جهازه العسكريّ قادرًا على العمل برشاقة حتّى لحظة الحرب الأخيرة، ومعه صمدت المتابعة الشعبيّة الفلسطينيّة وصولاً إلى خطاب الأمين العام للحزب في الرّابع عشر من آب والذي أعلن فيه أننا نقف أمام نصر استراتيجيّ وتاريخيّ من نوع خاص. ومع عودة النّازحين إلى قراهم وسكناهم في جنوب لبنان، بدأ الفلسطينيّون في غزّة يعودون بدورهم إلى تحدّي عيشهم اليوميّ الذي ما كان تعقيده الرّاهن إلا قمّة جبل الجليد.
وسرعان ما وجّهت إسرائيل فشلها اللبنانيّ جنوبًا وهاجمت القطاع المحاصر في حملة عسكريّة استمرّت أكثر من اثنين وعشرين يومًا. كان الهدف المعلن تحرير الجنديّ جلعاد شاليط، لكنّ الثور الصهيونيّ الهائج عجز عن الوصول إلى غايته إلا من خلال صفقة تبادل لاحقة خرج بموجبها أكثر من ألف أسير فلسطينيّ.

التنقيب في منجم

بعد مرور ثماني سنوات غير عاديّة على حرب كانت غير عاديّة، لا بدّ للحديث والمراجعة أن يأخذا طابع التنقيب في منجمٍ لا تزيد فيه ضمانات السلامة عن المتوسّط. ومع ذلك، لا يمكن لعقارب السّاعة التي علت دقّاتها أن تغيّر من حقيقة أنّه ليس من الموضوعيّة ولا من حسن السلوك المعرفيّ في شيء استحضار حرب تمّوز وما تضمنته باعتبارها مسألة تخصّ حزبًا أو طائفة أو بلدا.
إنّ ما حدث شمال فلسطين المحتلّة في صيف 2006 كان نجاح توليفة دقيقة لا وطن لها ولا طائفة من مركّبات مقاومة المظلوم للظّالم. يستأجر هذه التوليفة كثيرون عبر التّاريخ والجغرافيا، لكن أحدًا لا يملك حقّ احتكارها أو وضعها في صندوق محصّن من النقد، حتّى لو أراد ذلك وبذل من أجله الغالي والنفيس.
وبالتوازي، فإنّ مقاربة الحرب وما تضمنته من تجليّات ومواقف، وما تبعها من متغيرات، عبر اتّباع الطرق السهلة، وكأنّ ثماني سنوات مضت لم تعن شيئًا، هي أيضًا مقاربة تقف عاجزة بلهاء أمام تعقيدات الواقع. إنّ نصر تمّوز الذي «هزّ الدنيي» قد اهتزّ بدوره كثيرًا، كثيرًا جدًا، تحت وقع ضربات دنيا ما بعد البوعزيزي التي فرضت إعادة توزيع للأوراق والأدوار في ثنائيات الضحيّة والجلاد.
في خطاباته التي لم تغب غزّة وفلسطين عن معظمها، دأب الأمين العام لـ«حزب الله» على تكرار ما قاله الإمام الحسين لخصومه المقتدرين في موقعة الطفّ. إنّ تأمّل المشهد اليوم، وهو المشهد الذي يبدو فيه انتصار تمّوز نقطة صغيرة في الأفق البعيد، لا بدّ له أن يدفع في اتجاه إعادة صياغة تلك الكلمات الحسينيّة من على الضفّة الثالثة لنهر الفرات.
يركز الوطن العربيّ اليوم بين اثنتين: الماضي الأبيض والأسود بعدّته القديمة وتوزيعاته المنتهية الصلاحيّة، والحاضر الملوّن بالثورة، والخيبة، والطائفيّة، والدّم. في مصر التي ترأسّها السيسي، وفي ليبيا التائهة، في اليمن وتونس والعراق وفلسطين، وفي سوريا خاصّة، كلّ الأشياء تقول: هيهات منّا الأبيض والأسود!