| 

عندما أقامت الفنّانة الفلسطينيّة - الكنديّة رحاب نزّال معرضاً أسمته "اللّامرئي"، وافتتحته في الثّامن من أيّار الماضي في جاليري "كارش - ماسون" في مقرّ بلديّة العاصمة الكنديّة أوتاوا، كانت تعرف أن معرضها يتحدّى المسلّمات المسكوت عنها باستعراضه قصصاً من واقع الحياة الفلسطينيّة تحت حكم الاحتلال العسكري الإسرائيلي. وبالتّالي، كان من الطّبيعي أن تتوقّع رحاب أن يخلق معرضها جدلاً أو نقاشاً معيّناً، كما حصل في معارضها السّابقة في كندا.
لكن ما لم تتوقّعه أبداً هو زيارة السّفير الإسرائيلي في كندا رفائيل باراك لمعرضها واحتجاجه عليه، وقيام اللّوبي الإسرائيلي وثلاثة أعضاء من مجلس العموم الكندي بمهاجمتها والمعرض ليطالبوا رئيس البلديّة بإغلاقه الفوري.



في غرفةٍ طلتها بالأسود ضمن صالة العرض، عالجت رحاب فيديو مجتزأً انتُزع بعد صراعٍ طويل في المحكمة العليا وعُرض في القناة الإسرائيليّة الثّانية قبل ثلاث سنوات في نيسان ٢٠١١. الفيديو الأصلي يوثّق التّمرين العسكري في سجن النّقب في إسرائيل، حيث دخلته الوحدة العسكريّة «مسادا» في ٢٢ تشرين الأوّل سنة ٢٠٠٧ وابتدأت بالتّعرّض لمساجينه السّياسييّن وإطلاق الرّصاص عليهم بهدف "رفع معنويّات حرّاس السّجن". كانت السّاعة الثّانية صباحاً لدى دخول الجنود السّجن، وكان سجناؤه على الأغلب يحلمون. وعلى الأغلب، كان أحدهم، محمّد أشقر، يحلم بضمّ عائلته واستلحاق أخبارهم حول مائدة العشاء بعد طول غياب. فيوم تحريره كان قد اقترب، ولم يتبقّ لوجوده في السّجن غير بضعة أيّام. على الأغلب، لم يكن يحلم محمّد أشقر أن يستبدل ضمّ عائلته بعناق سرير المستشفى الإسرائيلي أو أن تكون الرّصاصة المتغلغلة في دماغه هي آخر ما ستستحدثه عنه عائلته من أخبار. محمّد أشقر ودّع الحياة في سبيل إسعاد حرّاس سجن النّقب ورفع معنويّاتهم.

للقصّة تفاصيل مروّعة أخرى، كالتّنكيل بالسّجناء والاستمتاع بشتم أمّهاتهم، تفاصيل فكفكتها رحاب واستخلصت منها عملين: الأوّل فيديو صوت بلا صورة، فيه يُسمع صوت هجوم الجنود ومطالبتهم الأسرى بالاستسلام والخروج من مهاجعهم على بطونهم، يُقرأ مترجماً في أسفل الصّورة السّوداء. والثّاني هو عبارة عن جدار يتضمّن ١٧٠٠ صورة التُقِطت من الفيديو الأصلي، نصفها مربّعات سوداء، داعيةً المتفرّج لاستنباط ما يراه مناسباً وملء فراغ المربّعات السّوداء بخياله. ربّما كان هذا الخيال، مخلوطاً بالصّدمة والخوف من كشف اللّامرئي، هو ما أدّى بالبعض من منتقدي المعرض إلى تجاهل فيديو اجتياح سجن النّقب واللّجوء إلى استهداف جدليّة فيديو آخر في المعرض – "هدف".


الفيديو الجدلي: "هدف"


الفيديو "هدف" هو عبارة عن عرض الفنّانة لتجربتها الشّخصيّة واستيعابها للماضي الفلسطيني في أربع دقائق تعرض عشرات الصّور لوجوه وملصقات كانت قد جمّعتها من شوارع فلسطين عبر السّنين. الصّور توثّق إعلانات نعي لمفكّرين وقادة وناشطين فلسطينيّين كانت قد اغتالتهم إسرائيل داخل فلسطين وخارجها، كغسّان كنفاني وناجي العلي. كلّ صورة من هذه الصّور تظهر في إطارٍ دائري، كما رآها القنّاص من خلال عدسة فوّهة بندقيته. وتظهر لجزءٍ من الثّانية على خلفيّة معتمة ثم تتلاشى بشكلٍ جزئيّ، مرسّخةً أثرها على الشّاشة كصورة شبحيّة واحدة، شبهاً بالأثر المتروك في الذّاكرة الجماعيّة الفلسطينيّة، وتلك الخاصّة بالفنّانة. وهكذا، بطبيعة كونها جزءاً من الجماعة الفلسطينيّة، اختارت رحاب أن تعتق ذاكرتها من أسرها، محوّلةً إيّاها إلى مصدر قوّة ومانحةً إيّاها صوتاً، تعالج به حزنها وغضبها. فاستخدمت في "هدف" واقع الفقدان بصوره لتستوعب ذكرى الحيوات الفلسطينيّة بشكلٍ عام وفاجعة فقدان حياة أخيها خالد نزّال بشكلٍ خاص، الّذي اغتيل سنة ١٩٨٦، تماماً كما اغتيل العشرات من أصحاب الوجوه المعروضة في الفيديو خارج جدران المحاكم.
في ٢٢ من أيّار الماضي، ومن بين عشرات الوجوه المتلاشية في «هدف»، اجتذبت اهتمام السّفير بضعة وجوه انتمت إلى المقاومة الفلسطينيّة. فاعتبر الأخير المعرض بكلّيّته "هدراً للمال العام" و"تمجيداً للإرهاب". لم يعلّق على "السّلميّة" الإسرائيليّة في التّعامل مع سجناء النّقب أو إطلاق النّار عليهم لرفع معنويّات حرّاسهم، ولم يتطرّق إلى تجربة الفنّانة الخاصّة مع الغاز المسيل للدّموع عند اشتراكها في تظاهرة سلميّة وثّقتها في فيديو أسمته "بلعين".

بينما قد يكون استياء السّفير طبيعياً كفرد ينتمي إلى الدّولة الإسرائيليّة أو كفرد يقطن الدّولة الكنديّة، فإنّ استغلال منصبه الفدرالي للتّدخّل بحدثٍ فنّي على المستوى البلدي لم يكن مقبولاً بالنسبة إلى رئيس البلديّة جيم واطسون ولا رحاب ولا المئات من الفنّانين والفنّانات والأكاديميّين والأكاديميّات في كندا. فوقّع العديد منهم على رسالة تضامنيّة مع رحاب، وأعلنت بلديّة أوتاوا على لسان رئيسها بأنّ المعرض لن يغلق مبكّراً، لأن ليس فيه ما يتناقض مع القوانين الكنديّة، ولأنّ في إغلاقه انتهاكاً لحقوق رحاب المصونة في الدّستور الكندي. كما وأنّه حتّى وإن أُغلق مبكّراً، فإنّ أيّ استئناف في المحكمة العليا سيعيد فتحه بحكم كونه منفذاً لحرّيّة التّعبير عن الرّأي، بما في ذلك التّعبير الفنّي.

وبدلاً من أن يعكّر تدخّل السّفير والضّغوط المكثّفة من قبل الفدراليّة اليهوديّة واللّوبي الإسرائيلي صفو مسار المعرض، استمرّ عرض الأعمال كما كان مخطّطاً حتّى ٢٢ من حزيران الماضي، كما ومنحت هجمتهم منصّة صحافيّة عالية قُدّمت لرحاب على طبقٍ من فضّة، استخدمتها لإعادة الكشف على "اللّامرئي" من الانتهاكات الإسرائيليّة لحقوق الإنسان. كما استخدمتها لاستنكار التّدخّل، معتبرةً إيّاه "امتداداً للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في كندا"، وضاعفت من تأثير نقدها على الصّعيدين الفنّي والسّياسي. فقد اجتذبت حادثة تدخّل السّفير اهتمام قاعات عرضٍ أخرى، وتلقّت رحاب اتّصالات هاتفيّة من مختلف أنحاء العالم لتقصّي أخبار المعرض وتفاصيله. وبالتّالي، ومن حيث لا يدري، منح الهجوم على المعرض صوتاً للفرد والجماعة الّتي أراد إسكاتها، رافعاً من شأن الذّاكرة الّتي حاول طمسها.



التاريخ الذي يلاحقك


إنّ الذّاكرة تلصق بحامليها في السّرّاء والضّرّاء. بينما تكبّل حاملها بثقلها أحياناً، قد تقوّيه أحياناً أخرى عندما تُشَغّل في أُطر حاضرة كالفنّ، مستخدمةً أيّ محاولة لتسكيتها وذمّها لتتحرّر من خوف الماضي باستحضار ألوانه وأصواته وصوره. فمن خلال الموسيقى والفنّ والأدب، تُحتوى الذّاكرة في إطارٍ جديد أقلّ رهبة، تُعاش مرّة أخرى في ظروفٍ مُسَيطَر عليها، بحيث لا يشكّل استذكارها تهديداً على المستذكر، أقلّه نظريّاً. فعلى سبيل المثال، استذكار حزن وخيبة أمل "سعيد" و"صفيّة" في رواية غسّان كنفاني «عائد إلى حيفا» لدى تفحّصمها بيتهما المحتلّ للمرّة الأولى بعد عشرين عاماً على تركه، قد يساعد القارئ على استيعاب حزنه وغضبه وإحباطه هو، عند عودته إلى منزله المقدسي وحواره اللّطيف مع محتلّه الحضاري.
لكن، بطبيعة الحال، أيّ نبشٍ للذّاكرة، جماعيّة كانت أم خاصّة، قد يقضّ مضجع من يحرص على دفنها. وردّ فعل صائنها قد يكون بشراسة الماضي المكشوف. وبالتّالي، قد تكون القدرة على مواجهة الماضي في الحاضر منوطة بالاستعداد لتحويل أيّ هجوم على الذّاكرة إلى فرصة تُستغلّ لتقوية حامليها، أفراداً وجماعةً، قالبةً الهجوم على عقبه كما في حادثة "اللّامرئي"، وموقفةً قضم الأظافر، ولو لبرهة عابرة وقصيرة.
وأمام حدث كهذا في أونتاريو، بعيداً كل البعد عن فلسطين المحتلّة، يشعر المرء بحاجة لمقارنة الحاضر بماضيه. السّرّ الواضح يقول بأنّه على الرّغم من تعلّقنا به، كنّا سنكون أفضل حالاً من دون تاريخنا وقسوته. كنّا سنكون أفضل حالاً لو اخترناه وفصّلنا ما خلقه من ذاكرة جماعيّة، بحسب أذواقنا الفرديّة. لكن ليس كلّ ما يتمنّى المرء يدركه، وأحياناً تكون مراقبته وقضم أظافرك عن بعد هو كلّ ما باستطاعتك فعله. السرّ الواضح هو أنّك تدير حياةً لا بأس بها من بعيد، ومهما قرأت، تواصلت، أو ادّعيت تواجدك الروحي هناك، حيث الحبّ والألم واليأس والخوف والغضب وما شابه، يبقى الواقع المرّ أنّك أنت تشرب الحياة، وهم لا يشربون، أنت تستكشف الحارات والشّوارع وهم يُعيدون اكتشاف مكانهم ذاته. قد ينطبق هذا على معتقلي فلسطين الإداريّين، أسرى "المي والملح" المضربين عن الطّعام، أو أسرى الاحتلال بكلّ تجلّياته على الكرة الأرضيّة. هذه ليست مقارنة بهدف التّرفّع أو التّدنّي عن الآخر، وإنّما عرض للواقع البعيد وانسلاخك الحتمي عنه. انسلاخٌ نابعٌ عن خدر أو إحباط أو خوف أو حماية ذاتيّة أو لا مبالاة أو غيرها. مشاعرٌ إنسانيّة بكلّ ما في الكلمة من معنى، قد تتقبّلها، ترفضها، أو تحاول فهمها، تبعاً للظّروف، الجسديّة منها والنّفسيّة.

• سيفتتح معرض «اللّامرئي» في جاليري «فورسايت» في عمّان في ١٦ أيلول المقبل وفي مركز «خليل السّكاكيني» في رام اللّه في ٢٦ أيلول المقبل.