| 

في الخامس من آذار/مارس 1981، صرّحت رئيسة وزراء بريطانيا آنذاك مارغريت ثاتشر، وقد عُرفت بلقب «المرأة الحديدية»، تصريحها الشهير بشأن المعتقلين السياسيين الإيرلنديين (الجمهوريين)، إذ قالت:
«لا وجود لما يسمى «جريمة سياسية»، أو «تفجير سياسي» أو «عنف سياسي»، هناك فقط «جريمة قتل»، «عمليات تفجير»، و«عنف إجرامي»، ولن نتنازل في هذا الشأن، إذ لا يوجد ما يمكن تعريفه «وضعًا سياسيًا»».

«إضراب المنشفة»

بنتيجة هذا التصريح، أعلنت الحكومة الإنجليزية ما كان يواجهه المعتقلون السياسيون منذ سنوات بشكلٍ مستتر، وهو إسقاط الصفة القانونية لـ«الاعتقال السياسي» عن المعتقلين الإيرلنديين، وإسباغ صفة قانونية مغايرة لهم وتحويلهم إلى معتقلين جنائيين. ويصف لنا فيلم «جوع» (2008) للمخرج الإنجليزي ستيف ماكوين (الذي حاز فيلمه الأخير «إثني عشر عامًا من العبودية» على جائزة الأوسكار الأخيرة - 2014) أثر القرار على حركة المقاومة التي اجتاحت بنتيجته المعتقلين الهادفين إلى انتزاع حقوقهم القانـــــونية والسياسية. وهي مقاومة تأسست على مركزيـــــة الجسد كفكرة ومادة، ووضعه ضمن العلاقة بيــــــن السجين والسجّان، وعلاقته بالسلطة وخطابها. إذ رفض المعتقلون ارتداء ملابس السجـــــن الخاصة بالسجناء الجنائيين، وأصروا على البـــــقاء عراةً إلا من «منشفة» صغيرة على الجزء الأوسط من الجسد، فيما عُرف بـ«إضراب المنشفة». وبذلك، بات الجسد ليس فقط أداةً لمقاومة القمع المادي الواقع عليه (كالتعذيب والعزل وغيــــــره)، إنما أيضاً جزءاً من البنية المقاومة للسلطـــــة القمعية وخطابها الذي يصنفهم ضمن خانة «المجرمــــين الجنائيين» وينزع عنـــهم «سياســــية مواقـــفهم المقاومة» للإنجليز، وما لذلك من تداعيات. فكانت أولى مشاهد هذه المقاومة رفض ارتداء أولى أدوات الضبط والرقابة والهندسة، ألا وهي الزيّ.

«الإضراب القذر»

في مرحلةٍ تلت هذا الإضراب، دخل المعتقلون ـ الجمهوريون- في ما عُرف باسم «الإضراب القذر»، وهو قائم على فكرة رفض الاستحمام وتنظيف الجسد واستخدام المراحيض. فكان المعتقلون يقومون بعملية الإخراج في زنازينهم وعلى حوائطها، وبهذا، فقد كسروا سلطة الاعتقال التي كانت تحدّد لهم من باب الضبط والرقابة مواعيد استخدام المراحيض في ما يُعرف بالسيطرة البيولوجية (السجينات الإناث كن يلطخن حوائط زنازينهن بدماء دورتهن الشهرية). ما استدعى حالة استنفار قصوى في السجن، واستخدام مفرط للقوة في مواضع بعينها، لمواجهة حالة المقاومة التي أسّست لها تلك الأجساد ضد أنظمة الضبط والرقابة السلطوية في ما تسمّيه ماري دوغلاس: «خروج المادة عن مكانها في الإدراك ومن السلطة» في الوعي. ما أدى إلى الإخلال بالسلطة الإنضباطية القائمة على «المكان» و«المادة» والإنسان، بالضبط والمراقبة للجسد.

«نيكروبوليتكس»

لأن السجن/المعتقل هو فكرة قائمة في أصلها على مادية السيطرة على الجسد/الإنسان بالضبط والرقابة والنفي، وخلع معنىً محدّد عليه، وهندسة حقه الوجودي والقانوني والمعنوي بناءً على ذلك المعنى المهندس سلطويًا/قمعيًا، أمكن تحويل الجسد ليس فقط إلى نمط مقاومة، ولكن إلى رسالة في ذاته، وهو ما فعله المعتقلون الإيرلنديون عندما تمكنوا من استخدام فتحات أجسادهم لتهريب رسائل ومواد، بما يكفل كسر السلطة الواقعة عليهم.
وفي المرحلة الأخيرة من حراك المعتقلين الجمهوريين في إيرلندا، لجأوا إلى الإضراب عن الطعام والشراب (معًا)، وهي الطريقة الأقصى التي يمكن من خلالها كسر سلطة النيكروبوليتكيس ( Necropolitics أي قدرة السلطة على منح الحياة و/أو الموت للأجساد، وهي من خواص السلطات الكولونيالية/الاستيطانية). إذ أن المعتقل هاهنا بات يمتلك حق تقرير مصير الحياة والموت والسلطة اللازمة لذلك، وهي السلطة التي ظنّ السجّان أنه وحده مالكها.

أكثر لؤماً حداثياً

وجب استحضار تفاصيل تلك التجربة المقاومة للسلطة القمعية في حيز السجن، وقراءتها فلسطينيًا، باعتبار السجن ليس منظومة مكانية فقط تقوم على فكرة نفي الجسد الإنساني ماديًا، إنما هي منظومة فكرية تقوم على تشكيل وعي السجين /المعتقل. وفي حالة الاعتقال الإداري، ولكونه جزءًا أصيلا من امتداد السياسة الكولونيالية الواقعة على الفلسطيني «حيث ترجع القوانين العسكرية الإسرائيلية المتعلقة بأوامر الإعتقال الاداري إلى قانون الطوارئ الانتدابي للعام 1945» (مؤسسة الضمير لرعاية الأسرى وحقوق الإنسان)، فإن الاعتقال الإداري يُطبق وفق أمرٍ إداريّ فقط، من دون لائحة اتهام ومن دون محاكمة. ويُعتبر قانونيًا في ظروف خاصة. لكن، ونتيجة الانتهاك الشديد اللاحق بحقوق الأسير والمتعلق بهذه الوسيلة من الاعتقالات، قضت المحكمة الدولية بالسماح باستخدام هذه الوسيلة في حالات استثنائية فقط، على أن تعتبر «الوسيلة الأخيرة»، التي لا تجوز إلا في ظلّ انعدام أي طريق بديلة لدرء الخطر. ورغم ذلك، فإنّ السلطات الإسرائيلية تستعين بالاعتقال الإداريّ كمسألة روتينية، وقد اعتقلت على مرّ السنين آلاف الفلسطينيين اعتقالاً إداريًا متواصلاً» (مؤسسة بيتسيلم).
في الاعتقال الإداري، يفقد الفلسطيني أهليته القانونية، فيغدو خارج الزمان (الدولة الحديثة) والمكان (بالسجن والنفي)، وهــــو ما يعد أسوأ من تجربة السجناء الإيرلنديين السابقة، لأنــــه أكثر لؤمًا حداثيًا، بل ويتم بأكثر أنماط الحداثة شرعيةً وترسخًا في العقل: الحضارة والتقدم والقانون.
فإذا كان جوهر الحداثة هو قدرة الإنسان على فصل الزمان عن المكان بواسطة تكنولوجيا مكنت الإنسان من إحداث هذا الفصل والسيطرة عليه، فإن السيطرة على الناس كانت تقتضي في الماضي السيطرة على مكانهم. الحداثة فصلت الزمان عن المكان، وجعلت السيطرة ممكنة بالسيطرة فقط على زمانهم، عن طريق نسيج الإجراءات الحداثية القانونية والاقتصادية والحقوقية.

«الأخ الأكبر»

إسرائيل أدركت أن المشكلة الحقيقية ليست مع القيادة الرسمية والمفاوض الفلسطيني الذي يشرعنه ويعمده المحتل والعالم الحداثي النيوليبرالي واقتصاده وسياساته، وإنما هي مع الشعب الفلسطيني الذي يرفض سقف الرؤيا الإسرائيلية للحل، ويبدي استعدادية للمقاومة. لذا، فقد باتت إعادة صياغة الفلسطيني وفق رؤية الدولة الحداثية الاسرائيلية عبر هندسة وعيه تستلزم إخضاعه - فقط - للنسيج الإسرائيلي لتفسير واقعه ووجوده. وهو إخضاع بات متحققًا بأدوات قانونية مثلتها اتفاقية أوسلو والتنسيق الأمني واتفاقية باريس الاقتصادية بالتوازي مع التطبيع العربي على مختلف المجالات وغير ذلك، والتي باتت مرجعية تعريف حداثي للـ«فلسطيني»، المرغوب إسرائيليًا وعالميًا وإنسانويًا. وهي الحالة الوحيدة التي يمكن أن تشملها «القانونية» و«حقوق الإنسان» بالتعريف الكولونيالي في هذه الحالة، وأي خروجٍ عن تلك الحالة غير المقاومة/النيوكولونيالية للقانونية الوجودية الفلسطينية، يبرر الاعتقال الإداري. فللإسرائيلي الحق في طمسه زمانيًا ومكانيًا خارج القانون والحقوق «الإنسانوية»، ولعل هذا ما يمكنه تفسير مشاهد مثل وجود قوات الاحتلال في مواقع شرطة السلطة الفلسطينية في رام الله (النيوكولونيالية).
الاستهداف الإسرائيلي للبنية التحتية المعنوية والقيمية للفلسطينيين بهدف إعادة تشكيل وجودهم الفردي والمؤسسي والجمعي، يشمل التمثلات اليومية الصغيرة منها والكبيرة، ومجموعة الأنشطة والتعابير والمفاعيل المنظمة والعفوية، الفردية والجماعية، المتناثرة والمركزة، بداية من «اللغة المحكية» وصولًا إلى «صفد أزورها سائحاً»، والتي تعبر عن تركيبة نفسية ومعنوية تجعل (حتى) الصمود السلبي المتلقي مرفوضاً، و«التنسيق الأمني» وطنيةً وتحريراً (!). فـ«السلطة بمعناها المسيطر، ليست السلوك والمواقف وإنما الآراء والأفكار التي تدور في عقول الناس». إسرائيل تراقب المواطن الفلسطيني وتشكله وتسيطر على حياته ووعيه تماماً كـ«الأخ الأكبر» في رواية «1984» لجورج أورويل.

«البرجوازية الوطنية»

إن ما يتيحه مثل هذا النظام، هو تفكيك الوعي الفلسطيني الجمعي. حيث كل فلسطيني عالق في احتمالية الاعتقال الإداري، لأنه ليس تحت الأرض كاملًا (كما هي فكرة المقاومة الغزّية) وليس فوقها كاملًا (كما أوضحت صورة خروج شرطـــــة رام الله عراة سابقًا تحت بنادق الاحتلال)، إنمــــا هو الفلسطيني - احتمال قابل لأن يتم تــــجييره هنا أو هناك على هوى الإجراءات الإسرائيلية الحداثية. فهو مرئي ولكنه لا يَرى، جسم وموضوع متلقٍ سلبيّ، لكنه أبدًا ليس ذاتاً فاعلة، تمتلك المعنى.
ولعل هذا النموذج من الوعي هو ما أسست له اتفاقيات التنسيق الأمني وأوسلو، عن طريق إدماج الطبقة الوسطى الفلسطينية والجامعات في ثقافة «وكالة الاحتلال» والإتاوة الاقتصادية. في مَن سمحت إسرائيل بتوظيفهم و«تسليحهم». وهو نموذج يلقي الضوء على أهمية نحت وعي الشباب من الطبقة الوسطى يمكن أن تتموضع بيديه «أسلحة» دونما أي تهديد. هؤلاء الّذين هم في عمر القتال، و/أو المناضلين السّابقين من ذوي الخبرة العسكريّة والتنظيميّة، تحوّلهم الى جهاز شرطة أو تمتصهم المؤسسات النيوليبرالية والمنظمات غير الحكومية NGOs ووكالة التنمية الأميركية ومراكز نشر ثقافة السلم واللاعنف وخطابها. وتلك الكيانات التي تنبني ويعمدها النسيج القانوني النيوليبرالي للاحـــتلال ذاته، تلك الطبقة التي يفترض بها أن تُكوّن «البرجــوازيّة الوطنيّة» الفلسطينية الّتي تصنع ثقافة المقاومة والمواجهة وتنظّم خطوط شعبها. فتحويل المثـــــقف والثائر والمناضل إلى موظف له وضعية قانونية واقــــتصادية مؤسرلة، وإلا بات معتقلاً إدارياً محتملاً، بمجرد خروجه عن الاقتصاد السياسي للقانون الإسرائيلي، هو عين الاحتلال والسيطرة الوجودية.

إخفاء الجسد الإسرائيلي

إن مشهد الشّباب الفلسطيني وهو يرتدي بزة «التنسيق الأمني» هو مشهد مفاهيمي من ناحية السلطة والقوة التي تنضوي تحت المنظومة المصطلحية والمفاهيمية الإسرائيلية في التعامل مع واقع فلسطين، كما أن مشهد القوات الأمنية ذاتها وهي تحمي قوات الاحتلال في مواجهة الشباب الفلسطيني، يكشف لنا أن التنسيق الأمني ونخبة أوسلو هما من يعتقل العقل و الوعي الفلسطيني «إدارياً»، ويجعل المقاومة وإختطاف المحتل في دولة كل أفرادها عسكريين (ما لم يكن على شاكلة توم كروز في «الساموراي الأخير» أو على نموذج «أفاتار») إرهاباً وخروجاً عن القانون، يستدعي الاعتقال. وهنا، فإن إضراب المعتقلين الإداريين، ليس موجهاً فقط بأجساده المضربة ضد الاحتلال، وإنما ضد من يقوم بالأعمال الاحتلالية/الإحلالية عنه بالوكالة، واختطاف المستوطنين ليس إلا نمطاً موازياً ومقاوماً لقمع الجسد الفلسطيني، بإخفاء الجسد الإسرائيلي.