| 

دخل المعتقلون الإداريون الفلسطينيون يومهم الـ 54 من الإضراب المفتوح عن الطعام في سجون الاحتلال، ليدشّنوا بذلك أطول إضراب جماعي في تاريخ الحركة الفلسطينية الأسيرة، بعدما كان إضراب سجن عسقلان بتاريخ 11/12/1976 هو الأطول، حيث خاض حينها الأسرى إضراباً مدته 45 يوماً لتحسين ظروف الحياة الاعتقالية.
وكان الإضراب الراهن قد بدأ في 24 من نيسان 2014، في ظلّ توقعات بسقوط شهداء منهم خلال معركتهم الهادفة إلى كسر سياسة الاعتقال الإداري، خصوصاً أن غالبيتهم مستمرة في مقاطعة العيادات الطبية ورفض أخذ الفيتامينات والمدعمات. فأقدمت مصلحة السجون على نقل عدد كبير منهم الى المستشفيات نتيجة تدهور وضعهم الصحي.

ماذا يجري في المستشفى؟

حظي قانون التغذية القسرية الذي يسمح بإطعام الأسرى المضربين عن الطعام عنوةً، بموافقة أولية في الكنيست الإسرائيلي، رغم معارضة "نقابة الأطباء الإسرائيليين" لتنفيذه كونه يخالف أخلاقيات مهنة الطب والقانون الدولي. وأكدت النقابة أن الأطباء الذين يرضون تطبيق هذا القانون قد يحاكمون في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ولن تتمكن النقابة من الدفاع عنهم. إلا أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو قال إنه سيجد أطباء يؤيدون هذا القانون، وهو يعمل راهناً على الإسراع في سنّه لكسر الإضراب. وهو يحظى في ذلك بدعمٍ كامل من جهاز "الشاباك"، الذي يعتبر المسؤول الأول عن إصدار أوامر الاعتقال الإداري.
في المقابل، أكّد ممثل المعتقلين الإداريين المضربين عن الطعام محمود شبانة (45 عاماً) لمحامي وزارة الأسرى والمحررين أن الأسرى المضربين وصلوا إلى مرحلة الخطر الشديد، وأنه تمّ نقل أعداد كبيرة منهم الى المستشفيات، كما أن هنالك حالات إغماء وإسهال دموي وتقيؤ حاد عند بعضهم. وحسبما أفادت "مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان" فإن هنالك حالتين في وضع صحي خطير، حيث يعاني الأول من نزيف في الأمعاء ويتقيّأ الدم بشكل مستمر، أما المعتقل الثاني فيعاني من ضعف في عضلة القلب وقد أغمي عليه مرات عدة. وقد دخل المعتقل الإداري أيمن اطبيش (34 عاماً) الشهر الرابع من الإضراب المفتوح عن الطعام، الذي بدأه في 28 شباط 2014، ما أدى إلى فقدانه أكثر من 25 كيلوغراماً من وزنه.
وحول أوضاع المعتقلين في المستشفيات، شرح المعتقل المضرب عن الطعام ياسر بردساوي (48 عاماً) لمحامي "مؤسسة الضمير" أن الأسرى يتناولون الآن "الملح، السكر، الجلوكوز في الوريد.. ونحن مقيّدون من الرجل اليسرى بالسرير بواسطة كلبشتين حديد، طوال الوقت. ومن الساعة 7 مساء وحتى 7 صباحاً، يقيدون أيدينا اليمنى بكلبشة حديد مربوطة بكلبشة أخرى مع السرير".

لا حوار وعقوبات مستمرة

يرفض ضباط مصلحة سجون الاحتلال فتح أيّ حوارٍ مع "لجنة الإضراب"، ويقولون إنه خارج نطاق صلاحياتهم، لأن هذه القضية باتت قيد معالجة على مستوى الحكومة ووزرائها. ومع ذلك، حاولت إدارة مصلحة السجون الاتفاق مع معتقلي النقب وحدهم على فضّ الإضراب، لكن الأسرى رفضوا المباحثات مؤكدين أن "لجنة الإضراب" هي العنوان الوحيد لأية مباحثات.
واستخدمت مصلحة السجون سياسة التنقلات المستمرة، محاولةً إرهاق الأسرى وحملهم على وقف إضرابهم نتيجة ما يواجهونه من اعتداءات في أثناء النقل تخضعهم له الوحدات الخاصة الإسرائيلية. فيقول المعتقل المفرج عنه بعد 39 يوم إضراب نضال البوم لـ"نادي الأسير" إن "أكثر الأساليب التي تستخدم ضد الأسرى المضربين عن الطعام هي عمليات النقل عبر البوسطات، حيث ينقلون وهم مقيدون، ورغم الإنهاك والتعب جراء الإضراب. وقد تعرّضتُ للنقل أكثر من ست مرات منذ دخولي الإضراب المفتوح عن الطعام".
وتستمرّ مصلحة السجون في منع الزيارات للمعتقلين المضربين عن الطعام، حتى في المستشفيات. فقد رفضت الطلب الذي تقدّمت به "مؤسسة الضمير" بهدف السماح لعائلة المعتقل الإداري المضرب عن الطعام عبد الرازق فراج (51 عاماً) بزيارته في مستشفى "مئير كفار سابا"، وتذرّعت بأن فرّاج ممنوعٌ من الزيارة، من دون أن توضح سبب المنع.

"بقعة الزيت" تنتشر

في تطوّرٍ داعم لهذه الحركة المقاومة، أعلنت "الحركة الأسيرة" دعمها لمطالب المعتقلين الإداريين. وتحت شعار "بقعة الزيت"، انضم عشرات الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال كافة إلى الإضراب المفتوح عن الطعام، لتدشين انتصار جديد في سياق كسر سياسة الاعتقال الإداري. وقد دخل الإضراب من قيادة "الحركة الأسيرة" كل من حسن سلامة، عباس السيد، عمار زيود، محمود شريتح، ابراهيم حامد وبسام السعدي وغيرهم. فقد وصل عدد المضربين إلى حوالي 350 أسيرأ ومعتقلاً، إثر انضمام حوالي 165 متضامناً من سجن نفحة وعسقلان، و40 من سجن ريمون، و39 من سجن عوفر، عُزلت غالبيتهم نتيجة إقدامهم على دخول الإضراب. ويتوقع أن يصل عدد المضربين إلى 1500 خلال الأسابيع المقبلة، إذ هدّد أكثر من 500 معتقل بدخول الإضراب في حال استمرار مصلحة السجون في سياسة التعنّت ورفض الحوار مع المضربين.
وتواصلت الفعاليات في خيم دعم الاعتصام في القدس ورام الله وبيت لحم والخليل ونابلس، ونظمت التظاهرات والوقفات التضامنية التي حملت صور المعتقلين المضربين وشاركت فيها عائلاتهم. وتحت شعار "ماء وملح"، نظم شباب فلسطينيون وقفات لدعم إضراب المعتقلين الإداريين، حيث قاموا بتوزيع الماء والملح على العامة في الساحات والشوارع. كما أعلن الإضراب التجاري في بعض المدن الفلسطينية كانت آخرها القدس، بالإضافة الى قيام نابلس بتنظيم "ماراثون" لدعم إضراب المعتقلين الإداريين.
وتحت عنوان "لن نستقبل أسرانا شهداء"، أقدمت مجموعة من الشباب الفلسطينيين على إغلاق مقر "الصليب الأحمر" في رام الله يوم 28 أيار، متهمين "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" بالتقاعس عن أداء دورها المطلوب في ما يتعلق بحماية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين خاصة المضربين عن الطعام. وقد طالبوها في البيان الصادر عنهم، بـ"الإعلان بشكل صريح أن الاعتقال الإداري بالشكل الذي يمارسه الكيان الصهيوني منافٍ لاتفاقيات جنيف، والضغط على الكيان الصهيوني لإطلاق سراح المعتقلين الإداريين كافة، وحماية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين كافة والمضربين عن الطعام خاصة، وصيانة حق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في الإضراب عن الطعام، وفضح ممارسات مصلحة سجون الكيان الصهيوني بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين لحملهم على كسر إضرابهم عن الطعام". كما أقدمت المجموعة نفسها على إغلاق مقر الأمم المتحدة في رام الله، متهمة في بيانها الأمم المتحدة بالتقاعس عن القيام بمسؤولياتها في فلسطين المحتلة، والمتمثلة خصوصاً في حماية حقوق الأسرى والمعتقلين الفلسطينين، وفضح جرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم. وطالب البيان المفوض السامي لحقوق الإنسان باتخاذ موقف واضح حيال الاعتقال الإداري باعتباره جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.
كما أُطلقت حملة إعلامية تحت شعار "لن نستقبلهم شهداء"، في يوم تضامنٍ إعلامي شاركت فيه أكثر من 40 وسيلة إعلام فلسطينية، عبر بثّ موجة مفتوحة حول الإضراب، بهدف الضغط على كل الجهات المسؤولة وذات العلاقة بملف الأسرى، خصوصاً القيادة والفصائل الفلسطينية، والمنظمات الحقوقية والإنسانية.

سلطات مشغولة بـ"الوفاق"

إن حجم التفاعل الرسمي مع القضية يبقى أقل من المتوقع. إذ لم يتخذ أي قرار سياسي جريء لدعم الإضراب وإدانة دولة الاحتلال وممارساتها. فقد انشغل السياسيون الفلسطينيون في الآونة الأخيرة بحكومة الوفاق، التي ترتّب عليها تحويل وزارة الأسرى والمحررين إلى هيئة، بسبب أمور تتعلق بالمانحين.
وفي اليوم 49 من الإضراب، سجّل أول تحرّكٍ من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي أرسل رسالة إلى الدول الأعضاء في مجلس الأمن، باستثناء استراليا، طالبهم فيها بالتدخل في أزمة الأسرى الإداريين المضربين عن الطعام. في المقابل، أقدمت أجهزة السلطة الفلسطينية على اعتقال عدد من الناشطين في الحملات والوقفات المؤيدة لإضراب المعتقلين الإداريين، واعتدت على الناشطين وعائلات المعتقلين المضربين في كل من طولكرم ورام الله، وعلى الصحافيين الناقلين لبعض فعاليات دعم الإضراب. كما وقعت بعض المناوشات بين حركتي "حماس" و"فتح" خلال فعاليات دعم الإضراب، في صورة مخجلة لم ترقَ إلى تضحيات المعتقلين المضربين وصمودهم.
في مقابل "استقالة" السلطات من واجباتها، يقول أصغر معتقل إداري مُضرب عن الطعام، وهو أحمد إشراق الريماوي (19 عاماً)، إن "إضرابنا ليس فقط لأنفسنا وللمعتقلين الإداريين الموجودين في السجون، بل هو من أجل كل الشعب الفلسطيني المعرّض لهذا النوع من الاعتقال التعسفي الإداري، ويمكن أن يتعرّض له أي شخص من أبناء هذا الشعب الفلسطيني في أي وقت. وأنا والإخوة المضربون لن نفكّ إضرابنا حتى تحقيق مطالبنا".

5271 معتقلاً فلسطينياً

الاعتقال الإداري هو إجراء تلجأ إليه قوات الاحتلال بغية اعتقال المدنيين الفلسطينيين بلا تهمة محددة وبلا محاكمة، وبناء على معلومات سرية لا يحق للمعتقل أو محاميه الاطلاع عليها. وبحسب الإحصاءات التي نشرتها «مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان» في شهر أيار الماضي، يقبع في سجون الاحتلال حوالي 5271 معتقلاً وأسيراً فلسطينياً، يتوزعون على 25 سجناً ومركز تحقيق وتوقيف، بينهم 17 أسيرة ومعتقلة، و196 طفلاً (منهم 27 طفلاً تحت سن 16)، و192 معتقلاً إدارياً، و11 نائباً في المجلس التشريعي الفلسطيني.

المنسق الإعلامي في مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان