| 

المغربي اليساري

أصدر وزير الداخلية الإسرائيلي وعميد القيادة المركزية قراراً بتمديد التقييدات على حرية مردخاي فعنونو منذ تم إطلاق سراحه قبل عشر سنوات. تتضمن تلك التقييدات منعه من الخروج من إسرائيل، ومنعه من الدخول إلى قنصلية أو سفارة، ومنعه من التواجد في محيط 500 متر من الحدود الدولية، ومن عبور الحدود أو المطارات أو الموانئ، ووجوب حصوله على تصريح لدخول أراضي الضفة الغربية وعلى تصريح أيضاً للاتصال بمواطنين أجانب. وكان جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» هو من صرّح خلال العام 2014، بلقاءات فعنونو مع مواطنة أجنبية زُعم في الإعلام بأنها صديقته الشخصية.
قُدم إعلان مدّ التقييدات في الشهر السابق لمحامي فعنونو، أفيغدور بلدمان، بعدما رُفض طلبه في الشهر الماضي بالسفر إلى لندن لمدة ثلاثة أيام، حيث دُعي للحضور أمام البرلمان البريطاني، والاشتراك في مؤتمر تنظمه «منظمة العفو الدولية» (أمنيستي إنترناشونال). وكان قد وقع على هذه الدعوة 54 من أعضاء البرلمان البريطاني.
وكان فعنونو قد فصل من عمله كخبير نووي على خلفية نشاطه السياسي اليساري في العام 1985. وفي العام 1986، نقل المعلومات التي تكشفت له من عمله في مفاعل «ديمونا»، بالإضافة إلى صور من داخل المفاعل، إلى الصحافي بيتر هونام من جريدة «صانداي تايمز» البريطانية. بعدها، وقبل النشر، اختطفته خلية من رجال «الموساد» في روما، وأعيد على سفينة شحن إلى إسرائيل. في العام 1988، أدين بالخيانة والتجسس الخطير، وحكم عليه بقضاء 18 عاماً في السجن، اشتملت على 11 عاماً في حبس انفرادي. مع إطلاق سراحه، فُرضت عليه تقييدات غير مسبوقة في إسرائيل (حيث تفرض التقييدات عامة عندما يتم تقصير فترة العقوبة)، وتم حبس فعنونو مجدداً لفترة شهرين بسبب خرقه هذه التقييدات، واتصاله بأجانب.
ليس من شك في أن فعنونو هو مسرّب المعلومات الأهم في تاريخ إسرائيل، كما كتب نوعَم شيزف في موقع «حوار محلي» الإسرائيلي. فالمعلومات التي نقلها إلى «صانداي تايمز» سمحت للإعلام بتقدير القدرة النووية لإسرائيل (وفق مصادر أجنبية، فإن إسرائيل تملك من 80 حتى 400 رأس نووي).
تساءل شيزف في مقاله عن سبب لامبالاة اليساريين في إسرائيل بقضية فعنونو. وحاول الإجابة قائلاً: «فعنونو هو ابن لعائلة متدينة مغربية من الحي الرابع في بئر السبع، لم يكن جزءاً فعلياً من عالم اليسار الإسرائيلي. وبعد إطلاق سراحه تحول إلى المسيحية وغيّر اسمه (إلى جون كروسمان) ولم يعد له اهتمام بالسياسة الإسرائيلية».

التحريم المطلق

يحضر هنا بالطبع سياقٌ أوسع، يضيف شيزف. فباستثناء حالات فردية قليلة، سلّم اليسار والإعلام بالتحريم المطلق للانشغال بالقضية النووية. كما سلّما أيضاً بالمساس بالديموقراطية الناجم عن ذلك: غياب أي تفتيش برلماني مناسب (أي علني)، صعوبة الاهتمام بقضايا البيئة وصحة الجمهور النابعتين من عمل مدينة البحوث النووية، صعوبة الكتابة والتحليل في موقع القنبلة النووية الإسرائيلية من تاريخ الدولة وجيوسياسة الشرق الأوسط، والمساس غير المحكوم بحقوق من يلتفون، بالقصد أو بالخطأ، على هذه التحريمات مثل مطاردة الدكتور أفنير كوهين، الذي درس تاريخ المشروع النووي، أو حبس العقيد يعقوب بن يتسحاق الذي يبلغ من العمر 75 عاماً على مدار عامٍ كامل. عموما، هناك علاقة معكوسة في إسرائيل بين كونها قوة عظمى نووية تقع في سباق تسلّح ذرّي إقليمي، والغياب المطلق لأيّ نقاش نووي داخلي.
«ولكن، من هم شديدو الإيمان بالسياسة النووية الإسرائيلية وبتسييد تنانينها، عليهم أن يفهموا الظلم الذي حدث لفعنونو الإنسان، وهشاشة التقييدات عليه. في عالمٍ ليست فيه مشكلة في نقل ملف مشفر على شبكة الإنترنت، إن التفكير في أن حظر السفر للخارج هو ما سيمنع فعــــــنونو من نشر المعلومات علناً، أو أنه أصلاً يملك معلـــومات كتلك، هو تفكير عبثي تماماً. وعموما، فإن كان هناك شخص في العالم يعي جيدا طول أذرع المنظومة الأمنية وانتقامها، فهو فعنونو. هو آخر واحد يعتقد أن الإقامة في النرويج أو في إنكلترا ستكون آمنة بالنسبة إليه».
يقتبس شيزف من يوسي ملامين، وهو المحلل الاستخباراتي لشبكة «والا» على الإنترنت ومن القلائل الذين تكلموا في هذا الموضوع وكتب عن «الانتقام الذي لا ينتهي من فعنونو»، بعدما مُنع من السفر لاستلام جائزة في حفل بألمانيا:
«تنضم إسرائيل، برفضها السماح لفعنونو بالسفر إلى الحفل، إلى قائمة الدول السيئة السمعة الصين الشيوعية، بولندا الشيوعية والاتحاد السوفياتي ـ التي تمنع مواطنيها من السفر لحضور احتفالات مشابهة... وضعه كافاكاويّ لدرجة أن صفحته على «فايسبوك» التي شرح فيها أنه مع تخليص العالم وإسرائيل من السلاح النووي، عرضها على المحكمة العليا «الشاباك» كدليل على علاقته الممنوعة بالأجانب. هذا ادعاء عبثي، يقـــــف من خلفه دافع آخر: الانتقام. الأسرار النووية لإسرائيل معروفة منذ سنوات. مدخلات المفاعل معروفة، ونُشر عدّة مرات عدد القنابل النووية المنسوبة لإسرائيل وأنواعها».

كاتب مصري وصاحب مدونة «هكذا تحدّث كوهين»