| 

للمرة الأولى، تتمخّض المعاشرة السياسيّة بين الأحزاب الفلسطينيّة عن انقسامٍ كبيرٍ أخذ بالزّحف إلى كافّة مرافق الحياة فور ولادته. إذ لم يقتصر الانقسام الفلسطيني الداخلي على إنشاء دولتين في فلسطين الواحدة، بل وصل إلى وسائل الإعلام الفلسطينية التي تحولت إلى منابر حزبية ناطقة باسم كل حكومة على حده، ما دفع الطرفين إلى اتخاذ قرارات تحجّم وتمنع توزيع الصحف المتبادل في الضفّة الغربية وقطاع غزّة.
هذا المنع الذي دام لأكثر من سبع سنوات، كرّس مفهوم قمع الحريات الإعلامية في فلسطين، فلم يعد لصحف «فلسطين» و«الرسالة» و«الاستقلال» مكان في الضفّة الغربية، ولم يعد لصحف «الحياة» و«الأيام» و«القدس» منبر في غزّة.

«إدارة انقسام»، وليس مصالحة

لم تكن عودة تبادل الصحف خطوة جدية بالنسبة إلى الشارع الفلسطيني، لدرجة أن هناك قناعة لدى المواطنين تفيد بأنها زوبعة وستنتهي مع فشل المصالحة التي ربطت جميع مظاهر الحياة العادية بها.
مي حبايب مثلاً، وهي مواطنة من نابلس، تقول إنها تشعر بالسعادة لتمكنها من قراءة صحف غزّة في مدينتها، حيث أصبحت بمتناول يدها في كل وقت. تعتبرها «خطوة إيجابية لكنها لن تدوم»، على حد تعبيرها، معللة ذلك بأن «ما يحدث فعلياً على الساحة السياسية ما هو إلا إدارة انقسام وليس مصالحة».
الأمر لا يختلف كثيراً في قطاع غزّة. فمع فرحة الناس بتصفّح «الحياة» و«القدس» و«الأيام» ورقياً، إلا ان هناك تخوّفا كبيرا من انتهاء تلك الفرحة عند التعثر الأول للمصالحة.
ويؤكد خالد صادق، رئيس تحرير صحيفة «الاستقلال» التي تصدر في غزّة، ان «تبادل الصحف تم بناءً على توافقٍ سياسي، ولو فشلت المصالحة فبالتأكيد ستحجب الصحف من الضفة وغزة، ولن يحتمل الطرفان أيّ رأي مخالف لسياسة كل منهما وسيعتبران ذلك تحريضاً».
ويضيف في حديثه لـ«السفير»: «المسألة مرتبطة فقط بالتوافق السياسي بين الطرفين المنقسمين. كما أن حرية التعبير ليست مطلقة لدينا، فهناك رقيب ذاتي على ما ننشر من أخبار وتقارير حتى لا نقع في مشكلات. وقد سبق للاستقلال أن أغلقت عدة مرات في عهد السلطة لأنها تجاوزت ما يسمى الخطوط الحمراء».

شوق للقراءة.. وللإفلات من الرقابة

في الأيام الأولى من عودة توزيع الصحف المتبادل التي شهدها الشهر الماضي، بدا شوقٌ لدى المواطنين في الضفّة الغربية لمتابعة ما يحدث في قطاع غزّة، والعكس صحيح. وزاد إقبال الناس على شراء الصحف بنســبة 70 إلى 80 في المئة، بحسب إحصاءات إياد القرّا، المدير العام لصحيفة «فلسطين» التي تصدر في غزّة.
ولم تقتصر أهمية تبادل الصحف على المواطنين العاديين، بل سجّلت لها قيمة كبيرة لدى الصحافيين في الضفة وغزة، إذ يعاني كثيرون بينهم من صعوبة نشر المواد الإعلامية في الصحف التي تصدر في منطقتهم، ويواجهون رقابة شديدة خاصة على المواد التي تنتقد تلك السلطات.
الصحافي عامر أبو عرفة هو مراسل «وكالة شهاب» في مدينة الخليل، ويرى أن عودة توزيع صحف غزّة في الضفة ستتيح له مساحة أوسع لنشر ما يريده، وحرية أكبر في التعبير عن رأيه. ويؤكد أن التبادل «أدّى إلى تنوع في كتابة الأخبار وطريقة عرضها وتناولها، وزادت المنافسة من أجل تحسين المواد المنشورة والإبداع في كتابتها، فالمواد التي ترفض صحف الضفة نشرها قد يكون مرحبا بها لدى صحف غزة والعكس صحيح».

صعوبات محلية وعالمية

تختلف الصعوبات والتحديات التي تواجهها الصحافة الورقية في فلسطين من صحيفة لأخرى، لكن الغالبيّة العظمى تُجمع على تراجع الإقبال على الصحف الورقية بشكل عام بفعل ثورة الإعلام الإلكتروني، وهو تحدٍّ عالمي لا تشذّ عنه الصحافة الورقية الفلسطينية.
العاملون في جريدة «الاستقلال» (غزة) يتحدّون هذه الصعوبة من خلال التركيز على ثقافة المقاومة وترسيخ سياسة الإعلام المقاوم، لكن رئيس التحرير خالد صادق يشتكي من «طابع الحزبية الذي يغلب على الصحف في فلسطين»، إذ «توجّه خطابها لجمهور معين بهدف خدمة حزبٍ ما، ما يؤدي إلى إضعاف الإقبال على الصحف».
ويضيف صادق: «غياب مصدر المعلومة هي من المشاكل التي تواجه صحفنا الفلسطينية، حيث يفضل المسؤولون المعلومة المنقولة من صحف دولية. كما أن هناك صعوبة في التعامل مع الموزعين في الضفة الغربية بسبب خشيتهم من الملاحقات الأمنية والاستدعاءات السياسية التي عانوا منها سابقاً».
الأمر لا يختلف كثيراً في جريدة «الحياة» (الضفة الغربية)، حيث يشير مدير مكتبها في نابلس رومل السويطي إلى ضعف نسبة الإقبال على شرائها بسبب انشغال الناس بالإعلام الإلكتروني، ما يجعل الصحف في تراجعٍ مستمر.
ويصف الصحافي والكاتب الفلسطيني عارف الحجاوي وضع الصحف عالمياً، وفي فلسطين خاصة، بأنها «مي عالنار»، وهي الآن «تنطفئ مع هطول الإعلام الإلكتروني». ويشير حجاوي إلى أن الصحافة في فلسطين تعاني من «قلة المصداقية والتبعية للسلطات والخوف من كشف ونقد الفساد، كما يغلب عليها طابع الإعلانات وتغطية الفعاليات ونقل الخبر كخبر مجرد من دون البحث عمّا وراءه».
ويوضح حجاوي أن «تبادل الصحف بين الضفة وغزة سيعطي مساحة أوسع للتعبير»، قائلاً بأنّ «المجتمع الذي يوجد فيه أكثر من اتجاه سياسي ينتج عنه حرية أكبر في التعبير، ومع ذلك لا أعتقد أننا سنرى صحفا ورقية بعد عشر سنوات».

ندرة الورق وتهديد الاحتلال

تعاني الصحف الفلسطينية من ارتفاع تكلفة الطباعة. ويوضح إياد القرّا (جريدة «فلسطين») لـ«السفير» ان طباعة الصحيفة تحتاج يوميّاً إلى مبلغ ألفي دولار، إذ تصل تكلفة العدد الواحد إلى نصف دولار، بالإضافة إلى المبالغ التي تُدفع للطواقم البشرية التي تعمل على إنتاج الصحيفة. ويقول القرا: «هناك نقص كبير بالورق في قطاع غزة، حيث كان يدخل سابقاً عبر الأنفاق، أما الآن فقد أصبحنا نعتمد على الإعلام الإلكتروني حتى نخفف من النسخ الموزعة بسبب هذا النقص».
ويضيف: «قد نضطر في الأيام المقبلة إلى اللجوء إلى مطابع أخرى وبتكلفة أعلى في الضفّة الغربية، بسبب تهديد الاحتلال لمطابع جريدة «الأيام» بإغلاقها في حال استمرت في طباعة الصحف الثلاث التي تصدر من غزة، مثلما حصل خلال المداهمة الأخيرة بتاريخ 2852014 وإعاقة الاحتلال لعملنا من أجل طمس الحقيقة ومحاربة الرسالة الإعلامية، ما سيجعلنا نواجه صعوبات أكبر في المستقبل».

المنافسة.. فتحسين المضمون

لا شك بأن ارتفاع عدد الصحف الموزّعة في كل سوق، سيؤثر في نوعية المواد المنشورة وطريقة انتقائها. ويلاحظ خالد صادق («الاستقلال» غزّة) وجود اهتمام بأخبار الضفّة الغربية بشكل ملحوظ مع إعادة توزيع صحف غزة في الضفة الغربية، «كما أصبح هناك اهتمام بتقارير تعالج قضايا مجتمعية في الضفّة، وأصبحت المنافسة أقوى بفعل تنوّع الصحف المكتوبة مع دخول الصحف الرئيسية الثلاث إلى غزة، ما جعلهم يركزون على نوعية الأخبار والتقارير، وتحسين الشكل العام للصحيفة من حيث الإخراج والبحث عن التميز والسّبق الصحافي وقراءة ما وراء الخبر برؤية تحليلية».
يذكر أن طلب نقابــــــة الصحافيين الفلسطينيين الدائم من الحكومتين في الضفة وغزة، تمثل بإعادة تبادل الصحف وعدم ربط توزيعها بالانقسام، وتجنيب الصحافة نتائجه السلبية، على حد تعبير مسئول الإعلام والعلاقات العامة في نقابة الصحافيين عمر نزال لـ«السفير». ويؤكد نزال أنّ النقابة لا تملك آليات محدّدة لإجبار السلطات على توزيع الصحف في الضفة وغزة، «لكنها تشكل ضغطاً معنوياً على السلطتين من أجل تبادل الصحف».