| 

«لقد استنتجتُ أنّ شعورنا بالزيف قد يكون الشعور الحقيقي الوحيد المتوفّر لنا». هكذا افتتحت حفل إطلاق الكتاب «من فمي: خواطر عن الهويّة، المساحة، والمقاومة»، محرّرته غيدا موسى، بحضور شريكتها في التحرير، غدير مالك. وكان حفل الإطلاق قد أقيم في أواخر شهر أيّار الماضي، في «بيت زيتون» في تورنتو. عند مدخل الصّالة، حضرت طاولة عليها العديد من نسخ الكتاب المصطفّة لاستقبال الحاضرين. البعض منهم كانوا قد اشتروا نسخة أو نسختين وشرعوا بتصفّح الكتاب. غلافه يعرض ظلّ امرأتين تقابل إحداهما الأخرى، ومن ورائهما تبدو خريطة غير واضحة للدول المحيطة بالبحر الأبيض المتوسّط. العنوان مكتوب بالأبجديّتين العربيّة واللّاتينيّة: «من فمي»، و «min fami».

في آخر القاعة، جلست غيدا وغدير وإلى جانبهما خمسٌ من المشتركات في الكتابة. فَـ«من فمي» هو مجمّع لأفكار نسويّات عربيّات مكتوبة بالإنجليزيّة، ومعروضة كقصص شخصيّة نقديّة، ومقالات أكاديميّة، وشعر، وقصص قصيرة، وفنون بصريّة. «أعترف بأنّني لم أبحث عن خلق ترابط أو تناسق منطقي في هذا الكتاب»، تقول غيدا لـ«السفير»، بعدما كانت قد وعدت، هي وغدير، بأنّ الكتاب سيخلق أسئلة أكثر ممّا سيقدّم إجابات. وإذا كان الغلاف هو الدّليل على مضامين صفحاته، فظلّ المرأتين، مع الخريطة، كما الأبجديّتين، هي عوامل تجهّز الحاضر والقارئ لتعدّد الأصوات، اللّغات، والخلفيّات.. بحيث أنّ جميعها تتداخل وتتقابل في طرح أسئلة عن الوطن، المهجر، النسوية، الحدود، الهويّة الجندريّة، التّضامن، اللّغة، المقاومة الخلّاقة، وفكفكة الاستعمار.

يتنفسّن على أرض واحدة

المحرّرتان، اللبنانية غيدا والفلسطينية غدير، مع حفظ حقّ كل منهما بالتّمرّد على هذا التّعريف، كانتا قد قرّرتا نشر كتاب يبحث عن الرابط مع الوطن، الجذور، والهويّة: «كلانا تعرف السّبب من وراء كتابته»، قرأت غدير من مقدّمتها في الكتاب. «نحن نعلم معنى اللّحاق بأيّ شيء وكلّ شيء يتبع للوطن، أن نكبر بعيدًا عنه، وفي الوقتِ ذاته، أن نربى في ظلّ ما كان من الممكن أن نكون في حال شربنا من مائه، تمايلنا في هوائه، وصرنا جزءًا منه، بدلًا من الحنين إلى معرفته». غدير هي ناشطة نسويّة فلسطينيّة كانت قد انتقلت من فلسطين إلى تورنتو في العام ٢٠٠٣ بهدف الدّراسة، وما زالت تقيم فيها. تحدّثت غدير عن التردّد الذي واجهته قبل إصدار الكتاب. تردّدت في الكتابة بشكلٍ عام، والكتابة بالإنجليزيّة بشكلٍ خاص، ليس لعدم إتقانها للّغة، وإنّما لما تحمله الكتابة بالإنجليزيّة عن فلسطين من معنى. تخوّفت من فراغ كلماتها بالنسبة للناس الذين تكتب عن نضالهم ومن أجلهم، وتساءلت عن تعريف الكتاب كـ«كتابات لنساء عربيّات»: «ما زلت غير واثقة مما تعنيه كلمة «عربي»... هل «عربي» هي اللّغة، التاريخ، المستقبل الذي نتشاركه، أم الحدود الّتي نستثني بها الآخرين؟». وكذلك، حلّ تساؤلها عن تعريف الكتابات النسائيّة: «هل هي الكتابة عن كينونتنا كنساء، أم هي كتابة قصص عن النساء؟».
غيدا، بعكس غدير، لم تكبر في الوطن، لبنان، وإنّما في العاصمة الكندية أوتاوا. هي باحثة، مثقفة، و«دي جي»، وتحتار عند التعريف عن أصلها. فهي بالكاد تستطيع كتابة اسمها بالعربيّة، ولم يكن باستطاعتها زيارة عائلتها في الوطن لأسباب عدّة، وبالتّالي تتساءل: «لماذا أشعر جرّاء هذه الأمور بأنّني مخادِعة؟». وهنا، تحدّثت عن شعورها بالزيف كالشعور الصادق الوحيد الذي تختبره. تحدّثت عن توقها للتواصل مع هذا العالم، ومراقبته من بعيد في الوقت ذاته. تحدّثت عن تسارع الأفكار في رأسها وتضارب المشاعر والألم عند بداية الحراك والاضطرابات المرافقة له في العالم العربي، وتداخلها مع كتابتها: «إنّه الخوف من تلاشي البيت الذي ما زال موجودًا وملموسًا. هذا ما يجعل مشاهدته من بعيد صعبة. من الصّعب إيجاد الكلمات لوصف معنى خسارة شيء لم يكن أصلًا بحوزتي. من الصّعب تفسير الخسارة عندما تكونين أنت بنفسك غير متأكّدة ممّا تخسرين. وبالتّالي، فإن «من فمي» منحني قصّة بديلة. قصص نساء يتواجدن، يتنفّسن، ويقاومنَ على الأرض التي أحلم ابها، أُناضل من أجلها، وأنتمي إليها، وقصّة أولئك اللّاتي، مثلي، قد تركوها، ولكنّها الأرض ما زالت تلاحقهنّ بشكلٍ يوميّ».

«أجساد ذات حدود متسرّبة»

نيروز أبو حاطوم هي إحدى المشاركات السّبع في الكتاب. تحدّثت عن الحدود في التّجربة الفلسطينيّة. نيروز كانت قد انتقلت من النّاصرة إلى تورنتو بهدف استكمال دراستها العليا. وقد قرأت من الكتاب عن تجربتها، وتجربة نساء أخريات مع الحدود في فلسطين. تحدّثت عن المشهد الطّبيعي في فلسطين كجزء لا يتجزّأ منها، وعن انتمائها إليه على الرغم من استعماره: «في ربيع ٢٠١٢، ذهبتُ إلى الشمال، شمال فلسطين، الأرض التي تحتلّها إسرائيل. ووقتها، خطر لي أنّه بإمكاني الاستمتاع بجمال الأرض عند فصله عن اسم الدّولة المحتلّة لهذه الأرض... في ذلك اليوم، فهمت أنّه بالرغم من أن الدولة لا تحتويني، فإن الأرض ستحتويني بشكلٍ دائم». تحدّثت نيروز عن إعادة تخيّل تجربة الوجود الفلسطيني داخل دولة إسرائيل، كالحضور الغائب. وتحدّثت عن الحدود التي تحدّ من استمراريّة الطّبيعة في المنطقة: جمال الطبيعة في الربيع كاد أن «يطغى على التّوتّر الذي تخلقه الحدود، حيث تُحدَّد الأرض بحدود عسكريّة مكثّفة مليئة بحقول الألغام. كان باستطاعتي رؤية العَلَم اللّبناني منصوبًا في قرية على الجهة المقابلة للحدود. البعد بيني وبين ذاك العَلَم كان «رمية حجر»». تتخيّل نيروز المكان قبل ٦٥ سنة. تتخيّل القطارات التي كانت تحمل النّاس، الأفكار، والبضائع بين بيروت، حيفا، بغداد، دمشق، والقاهرة. تتحدّث عن «ح.د.د.» كجذرٍ للحدود والحداد. تتحدّث عن كيف أنّ نساء غزّة كنّ يذهبن إلى الحدود في رفح لكي يحدُدْنَ ويجرينَ طقوس الحداد على أحبّائهنّ، بالرّغم من أنّ هؤلاء كانوا قد قُتِلوا بعيدًا عن الحدود. تحدّثت عن خوف الإسرائيليّين من ولادة النّساء عند حدودها وحواجزها كـ«أجساد ذات حدود متسرّبة»، وعن خوف الإسرائيلييّن من ولادتهنّ لقنابل (مخبّئة في أجسادهنّ) بدل الأجنّة.

فلسطينيات بأسباب عدّة

مها زمّو ولدت في ليبيا لأهل فلسطينيّين كانوا قد انتقلوا إلى كندا عندما كانت تبلغ أربعة أعوام فقط. قراءتها كانت تجسيدًا للنّوستالجيا الفلسطينيّة. قرأت عن جدّتها في غزّة وعن توقها لرؤيتها، لمسها، وسماع صوتها الذي كان يشبّهها دائمًا وأبدًا بأبيها. تذكّرت لعبها بالماكياج والعطور الخاصّة بجدّتها، واشتياقها لشايها الحلو وقهوتها المرّة. تحدّثت عن إعجابها بهذه الشّخصيّة الصّلبة والقادرة على خلق مساحة من السّلام في مكان عابقٍ بحالة حرب مستديمة، الشّخصيّة الّتي، كغيرها من النّساء الموجودات في الحالة ذاتها، قد نجحت في خلق إحساس قوي بالعزل وبناء ملاذٍ من الحبّ في وسط سيادة الكره.
سلام جغبير عرّفت عن نفسها كفلسطينيّة كويريّة تعمل في الفنون البصرية، وتتركّز حاليًّا في تشكيل مجموعة من أعمال المالتيميديا البصريّة لدراسة شجرة الزيتون. سلام لم تزر الشّرق الأوسط أبدًا، وتصف لغتها بأنّها «سلطة فواكه» من اللّغات. وقد اكتفت بالإشارة إلى أعمالها في الكتاب وتلك المعروضة في «بيت زيتون»، والحديث المقتضب عن ولعها بشجر الزّيتون، واهتمامها بجسديّة المرأة، انشغالها بالنّحت وعلاقته مع فلسطين.

الشرق، بعيداً عن حدوده

إن الكتاب الّذي تجمّعن حوله، المشاركات والحاضرات، يحوي أصواتًا أخرى أيضاً، من الأردن، ومصر، ولبنان، والمغرب، والعراق. وهنا، تأخذ قصص فلسطين وحدودها منحى آخر. الممنوع عن فلسطين، يصبح مسموحًا خارجها. ففي تورنتو، أو في أيّ مدينة أخرى غير «معادية» لإمبراطوريّة إسرائيل، تأخذ الحدود المرسومة في فلسطين معنًى سرياليًّا آخر. شخصيّات الشّرق تلتقي بعضها بعيدًا عن حدوده. الجدّة من غزّة تتشكّل أمام أمّ من حيفا من خلال قصّة حفيدتها الفلسطينيّة التي كانت قد وُلدت في ليبيا. البنت النصراويّة تجلس بجانب تلك الّتي كبرت في الكويت وتتمنّى رؤية فلسطين. تحدّثها عن جمال الطّبيعة في الشّمال والعلم اللّبناني خلف الحدود. يتصادق الشابّ العراقي مع الفلسطينيّة التي ترسم الزيتون ولم تزر فلسطين بعد، بينما يصبح اللّاجئ الفلسطيني من عين الحلوة، المختلف بتعريفه عن اللاجئ الذي ما زال هناك، حقيقة خارجة عن إطار شاشة التّلفزيون أمام شابة أتت من باقة. بنت النّاصرة تتعشّى مع بنت بيروت، وابن دمشق يسرد قصّة عشقه المدينة لطالبة أتت من بيت ساحور.
غير أنّه في مقابل هذا اللّقاء للّهجات والتّواصل المباشر، هنالك الشعور بانفصال التّجارب بسبب بعدها المتفاوت عن الوطن، زمنيًّا كان أم جسديًّا، وفقدان معناه الملموس بسبب هذا البعد، أيًّا كان نوعه. أولى نقاط الفصل تتجلّى، على الأقلّ في هذا الحفل، عبر الانفصال عن لغة الوطن - العربيّة (المحكيّة أم المكتوبة، هو سؤال آخر بحدّ ذاته). إشكال الكتابة بالإنجليزيّة للتّعبير عن مشاعر وأفكار «عربيّة» و«فلسطينيّة»، كان أحد الأسئلة المتكرّرة في النّصوص والحوار الذي تلى قراءتها. وقد تحدّث الحاضرون والحاضرات عن إشكال الكتابة باللّغة العربيّة في مواضيع ذات طابع أكاديمي أو رسمي، بحيث إنّ الإنجليزيّة أصبحت لغتهم المتداولة والأكثر تيسّرًا بالرّغم من كون العربيّة لغتهم الأمّ. تتساءل غيدا في نهاية مقدّمتها: «ما معنى أن ننشر كتابًا عن خواطر عربيّة نسويّة تتمحور حول الهويّة، المساحة، والمقاومة، بالإنجليزيّة؟ ما معنى أنّني عاجزة عن كتابة كتاب بالعربيّة حتّى لو أردتُ ذلك؟ ما معنى أن تتبنّى ألسنتنا أمّهات بديلات؟».

يمكن الإطلاع على مقتطفات من نصوص الكتاب ضمن زاوية «شيءٌ من كلّ» لهذا العدد