| 

رأيتُ الاستغراب على وجه صديقي زيد عندما سمع مني أن حزيران 67 هي التي فتحت عينيّ على الأكاذيب الصهيونية، وعلى أسطورة «الضحية» التي يحاولون دائماً تغطية أعمالهم العدوانية بها... ومن الاستغراب إلى المرح في عينيه، قال لي بنظرة ساخرة: «ألم تكفك 1948؟....». هذا هو السؤال الذي أود الإجابة عنه بادئ ذي بدء.
1948، هي سنة ميلادي، لكني لم أولد مناهضاً للصهيونية. نشأتُ في عائلةٍ مغربية يهودية، وبما أن آبائي لا صلة لهم بالفكر الشيوعي، فحظوظي كانت ضئيلة لأعي منذ صغري وتلقائياً حقيقة الأمور. وهكذا، مرّت سنواتٌ قبل أن أُصدم وأهتز وأخرج اضطراراً من قالب النظرة المكتسبة ومن الإحساس المبتذل لـ«التضامن الطائفي». فالمنحدر العادي يملي أن أبقى سجين ‘الإيديولوجية الطائفية’، أعمى البصيرة مثل عدد كبير من الشبان من جيلي. لكن الظروف...
الظروف حالت دون ذلك، وساعدتني على الخروج من المأزق. ظرفان مهمان جعلا التحوّل ممكناً.
الأول هو اطلاعي مبكراً على منشورات كارل ماركس، والانجذاب (النظري المحض آنذاك) نحو الشيوعية. لم أستوعب منها إلا ما كانت تسمح به تنشئتي: الطموح إلى العدل والمساواة. فلم أفهم قبل وقت طويل أن الشيوعية أوسع بكثير من هذا الطموح، بل هي «معركة الأغلبية الساحقة لمصلحة الأغلبية الساحقة». كما أنني اكتشفت في وقت مبكر أن الصهيونية ليست حلاً للمسألة اليهودية، بل هي أسوأ إجابة حولها. كنت أومن منذ سن المراهقة بأن ممارسة المواطنة بالكامل هي المفتاح لحلّ المسألة اليهودية. بأفكاري هذه المناقضة للصهيونية كنت قد بلغت النضج الفكري الكفيل بالخروج من المستنقع الطائفي. لكن الوقت لم يكن قد حان بعد...
في حزيران 1967، كنت طالباً في إحدى المدن الأوروبية، وحقيقةً، يمكن القول بأن وضعي كمغترب ساعدني كثيراً على الخروج من القالب الطائفي، بحيث أضحى التزامي بالعمل السياسي نتيجةً حتمية وقتها. دخلت الحقل السياسي مستفيداً من ظرفٍ مميز، هو في الحقيقة «ظرف - هدية»: وضعية الطالب في سنة 1968، في عصر فيتنام وفلسطين، عصر غيفارا («عصر الزنوج والأمريكان»...)، عصر الثورة الثقافية، عصر المعارك الطلابية في أوروبا، أميركا واليابان... عصرٌ خرج فيه التمرّد إلى الشارع، وأمكن الحلم فيه بتغيير العالم.
أيار 68 محطة مهمة بالنسبة إلي. عليكم أن تتخيلوا لوحةً فيها شارع تدور فيه نقاشات حول مستقبل العالم، بين أناس لا يعرف بعضهم بعضاً، كفّوا عن التنصت على محطات الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وهم راغبون في التحدث مباشرة مع أناس مثلهم، لأن الأمر يتعلق بتغيير العالم. وإلى جانب نقاش الحلم، كان القيام بأعمال مفيدة ملموسة: هناك أناس يجهلون حتى عهدٍ قريب معنى العمل النضالي، والآن، تراهم يقومون بتنظيم العمل التضامني في إطار شبكات طلبة - عمال - فلاحين من أجل ضمان التغذية اليومية لملايين المضربين وعائلاتهم... فعلاً، لكل بلد لحظة «ميدان التحرير» الخاصة به.
أما بالنسبة إلي فالوقت كان قد حان للالتحاق بموكب الثورة في بلدي، إذ رجعت إلى المغرب قبل نهاية تلك السنة. وانطلقت حينئذٍ المسيرة الطويلة بخطوةٍ أولى ألا وهي خلق حلقات سرية من طلبة وعمال وموظفين.
«اليسار الجديد» في المغرب، كما في باقي العالم العربي، هو مولود 1967، وقد شكّلت القضية الفلسطينية جزءاً لا يتجزأ من نضالنا.
ثم حان وقت الاعتقال...
جرت محاكمتنا في تموز 1973 (أنيس بلافريج، عبد الحميد أمين، عبد اللطيف اللعبي، لحبيب كمال، عبد اللطيف الدرقاوي...، طلبة، تلاميذ، عمال، موظفون، فلاحون...). وكان يقف إلى جانبنا «الأستاذ مجدلاني» من نقابة محامي بيروت، الذي أرسلته «منظمة التحرير» لمؤازرتنا، برفقة الأساتذة اللامعين في بلدنا من أمثال: عبد الرحيم برادة، وعبد الرحيم الجامعي، وعبد الرحمان بنعمرو،... خيرة المحامين المغاربة من كل الأحزاب المعارضة آنذاك، بمن فيهم زعماؤهم، ومجموعةٌ من المحامين الأوروبيين من منظمات حقوق الإنسان الدولية، جميعهم هنا لمساندتنا. ما زلت أتذكر تصريحاً أدليت به أمام المحكمة: «هل من المقبول بعد 17 سنة من نهاية الاستعمار في بلدنا السماح للصهاينة بتنظيم الهجرة نحو إسرائيل لمواطنين مغاربة منتمين للطائفة اليهودية؟». القاضي: «هل نستطيع منع الناس من الهجرة؟». أنا: «...أتحدث عن يد السلطة وتواطئها المباشر لتنظيم الهجرة».
في الحياة السجنية اليومية، استطعنا بعد معارك متكرّرة الحصول على الكثير من الكتب والمطبوعات، منها المنشورات الفلسطينية. وهكذا، من «شؤون فلسطينية» إلى «كل العرب»، كنا نتابع الأحداث والنقاشات. كما استطعنا في بعض الأحيان الحصول سرّاً على مجلات «الحرية» و«الهدف». فتعلّمت جغرافية لبنان وأسماء أماكن في بيروت قبل أن أراها بأم عيني: عين رمانة، تل الزعتر، الكرنتينا، كورنيش المزرعة، المتحف... أسماء عادية بالنسبة إلى اللبنانيين كانت بالنسبة إلي أسماء سحرية لمعارك المقاومة، وهي أسماء احتفظت بها ذاكرتي حتى زرتها عشرات السنين بعد ذلك... منذ تلك الفترة، بدأت تربطني علاقة صداقة بليلى شهيد التي كانت تزورنا بانتظام.
كنا نحتفظ بمذياع خفيةً، فمكننا من متابعة تفاصيل العدوان الصهيوني على لبنان في صيف 1982. أتذكر أننا آنذاك، مع أبراهام سرفاتي (في 1980 قامت إدارة السجن بضم مجموعتينا)، قررنا نشر بيان وقعناه معاً للتعبير عن تنديدنا بهمجية العدوان وعن تضامننا التام مع المقاومة. اعتبرنا أنه من واجبنا نشر هذه الرسالة الصادرة من وراء القضبان عن مناضلين محسوبين على الطائفة اليهودية. وبالفعل، كان لرسالتنا صدى هام حينها.
احتضنتني فلسطين عند خروجي من السجن. كان اللقاء بالمناضلين الفلسطينيين المقيمين في المغرب منتظماً. فاستمر ارتباطي بمكتبة الكرامة، نقطةٌ تجمع من جعلوا من فلسطين أولويتهم. من تحدّوا تعليمات الملك الحسن الغاضب على القيادة الفلسطينية، واستمروا في دعمهم للمناضلين الفلسطينيين خلافاً لتعليمات الملك الذي نادى في خطاب شهير له بطلي أبواب منازل الفلسطينيين بالبراز.
وجاءت الانتفاضة الأولى... ثم «أوسلو». أعترف بأنني ظننت أن الأمل آتٍ معها.
أحد محاور نشاطي في بداية التسعينيات كان التحرّك من أجل إطلاق سراح سهى بشارة في إطار لجنة دولية تعرفت من خلالها على نهلة شهال وأصبحنا أصدقاء منذ ذلك الوقت. حين تلقيت مكالمتها لتخبرني بإطلاق سراح سهى، غمرني الشعور ذاته الذي أحسست به يوم خروجي من السجن.
وأتت الانتفاضة الثانية... والوقفات الأسبوعية للمساندة. ثم معركة جنين...
في هذه المرحلة، دخلت فلسطين قلب منزلي.
في كل لحظة من اللحظات المهمة في الحياة، تراودنا فكرةٌ لامعة مثل البرق في ليل («وفي ليلة الظلماء...»). فكرة تثير إعجابنا وتنير الطريق. أنا، أخرجتني قضية فلسطين من العدم السياسي... فحرب تحرير الشعب الفيتنامي... فالوقوف إلى جانب الجماهير، وهي تصنع التاريخ أمام أعيننا... وفي لحظة أخرى، مواجهة الفساد وهو أساس الطغيان... ومن جديد فلسطين، كقضية كونية تهم البشرية جمعاء (انخراطي في عمل BDS نابعٌ من هذا الاقتناع الراسخ).
إن لفلسطين أبعاداً غير البعد الفكري والنضالي.
يبلغ عمر ابني 10 سنوات. ومن بين أربعة أجداد، فقد ثلاثة: جده المغربي اليهودي، جدته الأميركية المسيحية، وجده الفلسطيني الذي يفترض أنه مسلم...
يا لروعة أن تكون له جذور في أجزاء مختلفة من البشرية. ألا يجسد هذا الولد نوعاً من الكونية؟ كيف يمكن ضمان ارتياحه من غناء شجرة أنسابه إلا بإبعاده عن النظرة الضيقة التي ترى في هذا الغناء تمزقاً.
نعم. لفلسطين ملامح الحب بالنسبة إلي. وهي ملامح إبني.

مناضل مغربي ناشط في دعم القضية الفلسطينية